عن الموقع | اتصل بنا | أسئلة متكررة | أضفنا للمفضلة | أعلن عن موقعنا

:: الصفحة الرئيسية :: 

  أبحاث و مقالات

     الألف

     ب

     ت

       التبرك

       التجسيم و التشبيه

       تحريف القرآن

       تزويج أم كلثوم لعمر

       تسمية أبي بكر وعمر

       التسمية بعبد النبي

       تفضيل الأئمة (ع)

       التقية

       التكتيف في الصلاة

       التوسل و الاستغاثة

     ث

     ج

     ح

     خ

     د

     ذ

     ر

     ز

     س

     ش

     ص

     ض

     ط

     ظ

     ع

     غ

     ف

     ق

     ك

     ل

     م

     ن

     هـ

     و

     ي

     متفرقات

  مواضيع مميزة

  أشرطة سمعية

  صور و وثائق

  مواضيع خفيفة

  قسم البرامج

  مواقع صديقة

  إصدارات الموقع

 البحث في الموقع

أبحاث و مقالات » ت » التقية

آخر تعديل: 20/07/2009 - 4:12 ص

 الرد على التونسي - التقية
  كتبه: الشيخ حسن عبدالله | 10:37 ص | 5/01/2005

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وعلى أصحابه الميامين ، ومن تبع نهج الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في أمّته إلى قيام يوم الدّين وبعد :

نورد هنا ردّاً على رئيس منظمة أهل السنة في باكستان حول تشنيعه على الشيعة الإمامية في قولهم بالتقية حيث قال في كتابه بطلان عقائد الشيعة

http://www3.cybercities.com/s/shia/butlan_index.htm

( ومعنى التقية عند الشيعة : الكذب المحض أو النفاق البيّن كما هو ظاهر من رواياتهم . وإليك بعض هذه الروايات عن عقيدة الشيعة في التقية وفضائلها من كتبهم المعتبرة : نقل الشيخ الكليني : عن ابن أبي عمير الأعجمي قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له والتقية في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين) .

ونقل الكليني أيضا: (قال أبو جعفر عليه السلام: التقية من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له) .

ونقل الكليني أيضا: (عن أبي عبدالله عليه السلام قال: اتقوا على دينكم واحجبوه بالتقية فإنه لا إيمان لمن لا تقية له) .

وينقل الكليني أيضا: (عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل (لا تستوي الحسنة ولا السيئة) قال: الحسنة: التقية، والسيئة: الإذاعة، وقوله عز وجل: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) قال: التي هي أحسن: التقية) .

ونقل الكليني: (عن درست الواسطي قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف، أن كانوا يشهدون الأعياد ويشهدون الزنانير فأعطاهم الله أجرهم مرتين) كذا في أصول الكافي في باب التقية.

______________________

نقول :إن معنى التقية عند الشيعة الإمامية ليس كما ذكره هذا المفتري الدّجال من أنها الكذب المحض أو النّفاق البيّن حسب تعبيره فمعنى التقية خلاف ذلك تماماً يقول العالم الشيعي المرحوم الشيخ الأنصاري رحمة الله عليه في معنى التقية : ( التقية إسم لاتقى يتّقي والتاء بدل عن الواو كما في التهمة أو التخمة ، والمراد هنا : التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق ) ( التقية : ص 37 ) .

ومفهومها في الكتاب والسّنة هو : إظهار الكفر وإبطان الإيمان ، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق ، فهي تقابل النفاق حسب مفهومها هذا كتقابل الإيمان والكفر ، فإنّ النّفاق ضدّها ، فهو عبارة عن إظهار الإيمان وإبطان الكفر ، والتظاهر بالحق وإخفاء الباطل ، ومع وجود هذا التباين بينهما فإنه لا يصح أن تعدّ التقية من قسم النفاق وفروعه .

والتقية من المفاهيم الإسلامية التي شرّعها الله سبحانه وتعالى بنص القرآن الكريم ففي القرآن الكريم مجموعة من الآيات الدّالة عن مشروعيتها منها : -

(1) قوله تعالى : { لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } .

فهذه الآية ظاهرة في تشريع التقية وبذلك فسّرها علماء المسلمين سنّة وشيعة ، قال جاد الله محمود بن عمر الزّمخشري في تفسيره الكشّاف ج1 ص 422 : ( ... { إلاّ أن تتقوا منهم تقاة } رخصّ لهم في موالاتهم إذا خافوهم ، والمراد بتلك الموالاة : مخالفة ومعاشرة ظاهرة ، والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع ) . وقال أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي في تفسيره : ( ... { إلاّ أن تتقوا منهم تقاة } إلاّ أن تخافوا جهتهم أمراً يجب اتقاؤه أي إلاّ يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطان المعاداة ) ( تفسير النسفي المطبوع بهامش تفسير الخازن ج 1 ص 277 ) . وقال محمود الألوسي في تفسيره روح المعاني ج 3 ص 121 : ( وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء ، والعدو قسمان : الأوّل : من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدّين ، كالكافر والمسلم . الثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية ، كالمال والمتاع والملك والإمارة ) . وقال جمال الدّين القاسمي في تفسيره محاسن التأويل ج4 ص 82 : ( ومن هذه الآية { إلاّ أن تتقوا منهم تقاة } استبط الأئمة مشروعية التقية عند الخوف ، وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه إيثار الحق على الخلق ) . وقال المراغي في تفسيره : ( ... { إلاّ أن تتقوا منهم تقاة } أي ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال إلاّ في حال الخوف من شيء تتقونه منهم ، فلكم حينئذ أن تتقوهم بقدر ما يبقى ذلك الشيء ، إذ القاعدة الشرعية إنّ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وإذا جازت موالاتهم اتقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين ، إذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الأولى إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة ، وليس لها أن تواليها في شيء يضر المسلمين ولا تختص هذه المولاة بحال الضعيف فهي جائزة في كل وقت . وقد استبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحق لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس أو العرض أو المال فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك ، وقلبه مطمئن بالإيمان لا يكون كافراً بل يعذر كما فعل عمّار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان وفيه نزلت الآية : { من كفر بالله من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ) ( تفسير المراغي ج 3 ص 136 ) . وقال أبو حيّان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط ج 2 ص 424 : ( وقد تكلّم المفسرون هنا في التقية إذْ لها تعلق بالآية فقالوا : أمّا المولاة بالقلب فلا خلاف بين المسلمين في تحريمها وكذلك المولاة بالقول والفعل من غير تقية ، ونصوص القرآن والسّنة تدل على ذلك ، والنظر في التقية يكون فيمن يتّقى منه ، وفيما يبيحها ، وبأي شيء تكون من الأقوال والأفعال ، فأمّا من يتّقى منه : فكل قادر غالب يكره تجوز منه ، فيدخل في ذلك الكفار وجورة الرؤساء ، والسّلابة ، وأهل الجاه في الحواضر ، وأمّا ما يبيحها : فالقتل والخوف على الجوارح والضرب بالسوط والوعيد وعداوة أهل الجاه الجورة . وأمّا بأي شيء تكون ؟ من الأقوال فبالكفر فما دونه من بيع وهبة وغير ذلك ، وأمّا من الأفعال فكل محرّم ، وقال مسروق : إن لم يفعل حتى مات دخل النار ، وهذا شاذ ) .

وقال ابن كثير الدّمشقي في تفسير الآية : ( إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ، أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرّهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيّته . كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنّه قال : إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم ) ( تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 357 ) .

وقد استدل الفقيه السرخسي على جواز التقية بهذه الآية ... ثم قال : ( وقد كان بعض الناس يأبى ذلك ويقول أنّه من النفاق ، والصحيح أن ذلك جائز لقوله تعالى : { إلاّ أن تتقوا منهم تقاة } وإجراء كلمة الشرك على اللسان مكرها مع طمأنينة القلب بالإيمان من باب التقية ) ( المبسوط للسرخسي ج 24 ص 245 ) .

الثانية : قوله تعالى : ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) ( النحل الآية 106 ) .

وهذه الآية الكريمة صريحة في جواز استخدام التقية وأنها تشريع إلهي قال ابن كثير الدّمشقي في تفسيره : ( اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء مهجته ويجوز له أن يأبى كما كان بلال رضي الله عنه ) ثم قال : ( وأمّا قوله : { إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها ، لما ناله من ضرب وأذى ، وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله وقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمّار بن ياسر حين عذّبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فوافقهم على ذلك مكرها وجاء معتذراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك .

وقال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمّر عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال : أخذ المشركون عمّار بن ياسر فعذّبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئن بالإيمان . قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن عادوا فعد . ورواه البيهقي بأبسط من ذلك وفيه أنه سبّ النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما تُركتُ حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير . قال : كيف تجد قلبك ؟ قال مطمئناً بالإيمان . قال : إن عادو فعد . وفي ذلك أنزل الله : ( إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) ( تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 587 - 588 ) .

وقال القرطبي : ( قال الحسن - أي البصري - : التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ) ثم قال : ( أجمع أهل العلم على أنّ من أكره على الكفر حتى خشى على نفسه القتل إنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بالكفر ، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي ) ( الجامع لأحكام القرآن ج 4 ص 57 ) .

وقال العالم الشيعي الشيخ الطبرسي رحمة الله عليه في تفسيره مجمع البيان ج 3 ص 388 : ( قد نزلت الآية في جماعة أكرهوا على الكفر وهم عمّار وأبوه ياسر وأمّه سمية ، وقتل الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبي ، وأعطاهم عمّار ما أرادوا منه ، فأطلقوه ، ثم أخبر عمّار بذلك رسول الله ، وانتشر خبره بين المسلمين ، فقال قوم : كفر عمّار ، فقال الرسول : كلاّ إنّ عمّاراً مٌلىء إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ) ثم قال : ( وفي ذلك نزلت الآية السابقة ، وكان عمّار يبكي ، فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول : إن عادوا فعد لهم بما قلت ) .

ونكتفي بهاتين الآيتين كشاهد على ذلك ونذكر هنا أقوالاً أخرى لبعض علماء أهل السنّة حول التقية .

قال ابن قدامة : لا تجوز الصلاة خلف المبتدع والفاسق في غير جمعة وعيد يصلّيان بمكان واحد من البلد ، فإنّ من خاف منه إن ترك الصلاة خلفه فإنّه يصلّي خلفه تقية ثم يعيد الصلاة . واحتجوا بما روي عن جابر أنّه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلّم على منبره يقول : لا تؤمّنّ امرأة رجلاً ولا يؤمّ أعرابي مهاجراً ولايؤمّ فاجرٌ مؤمناً إلاّ أن يقهره بسلطان أو يخاف سوطه أو سيفه ) .

قال الرازي في تفسيره عن تفسير قوله تعالى : ( إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ) : ( ظاهر الآية يدل على أنّ التقية إنّما تحل مع الكفار الغالبين ، إلاّ أنّ مذهب الشافعي - رضي الله عنه - : أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس ) وقال أيضاً : ( التقية جائزة لصون النفس وهل هي جائزة لصون المال ؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( حرمة مال المسلم كحرمة دمه ) وقوله صلى الله عليه وآله وسلّم : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ) ( مفاتيح الغيب للرازي ج 8 ص 13 .

قال الحسن البصري : ( التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلاّ في قتل النفس التي حرّم الله ) ( فتح الباري ج 12 ص 279 ) .

ومن كل ذلك يظهر أن التقية تشريع إلهي شرّعه الله سبحانه وتعالى في كتابه ومارسه الصحابة والتابعون ومن أتى بعدهم من المسلمين حال تعرّضهم لظروف تفرض عليهم ذلك ، وهذا الرّجل - رئيس منظمة أهل السّنة في باكستان - الّذي يشنّع على الشيعة في قولهم بالتقية ويستنكر عليهم اعتقادهم وقولهم بها إنّما يردّ على الله تشريعه هذا الوارد في كتابه بنص صريح ، وأنّه بوصفه للتقية بأنها نفاق وكذب يتجرأ على الله عزّ وجل بجعله مشرّعاً للنفاق والكذب والعياذ بالله ، ولا نعلم كيف جعل الأخوة أهل السّنة في باكستان مثل هذا الرّجل المفتري والمتجرأ على الله رئيساً لمنظمتهم ؟ .

وأمّا بالنسبة للروايات التي ذكرها أعلاه من كتاب الكافي فالرّواية الأولى ضعيفة سنداً لجهالة أحد رواتها قال العلامة المجلسي في مرآة العقول ج9 ص 166 عن هذا الحديث بأنّه ( مجهول ) . وبغض النظر على ضعف هذه الرواية فإننا نقول أنه لو لاحظنا الموارد التي حرّمت فيها التقية قياساً إلى الموارد الجائزة منها لما كانت تساوي شيئاً نسبة إليها فأهل السّنة أنفسهم قد جوّزوا استخدام التقية في الدّين بشكل واسع جدّاً في التفظ بكلمة الكفر والطلاق عند الإكراه ، والهبة ، والعتق ، والبيع ، والإبتياع ، والنذر ، والأيمان ، والزنا ، والإقرار ، والرجعة ، والنكاح ، والإنكاح ، وأكل لحم الخنزير ، ولحم الميتة ، والدم ، وشرب الخمر ، وشرب البول ، والسرقة ، وإتلاف مال الغير ، وأكل طعام الغير ، وشهادة الزور ، وقذف المحصنات ، والإفتراء على المسلم ، وترك الصلاة ، والإفطار في شهر رمضان ، ومداراة الظالمين ، والعطية لهم ، والإقبال بالوجه عليهم ، وغير ذلك من الأمور الكثيرة جدّاً الواقعة تحت دائرة الإكراه فما نصت عليه كتب الفقه لديهم ، وبالجملة فإنّ التقية تدخل في جميع أبواب الفقه من عبادات ومعاملات ، وعقود ، وإيقاعات بل جوّزوها في الأفعال العرفية التي لا تختص بالأحكام كما يتّضح من أبواب مداراة الناس في كتبهم الحديثية ، وعليه يكون قوله عليه السلام - على فرض صحة صدوره منه - ( إنّ تسعة أعشار الدين في التقية ) ناظراً إلى هذا المعنى ، أي كثرة ما يبتلى به المؤمن في دينه ، ولا مخرج من ذلك إلاّ بالتقية ، خصوصاً إذا كان في وسط يسود فيه الظلم والطغيان ، وتكثر فيه الفوضى وإنعدام الأمان .

وأمّا بالنسبة للرواية الثانية وهي قول الإمام الباقر عليه السلام : ( التقية من ديني ودين آبائي ، ولا إيمان لمن لا تقية له ) وهذا الحديث صحيح سنداً ، وقد أثبتنا أن التقية من دين الإسلام وتشريع من الله سبحانه وتعالى فلا إشكال في قول الإمام عليه السلام : التقية من ديني ودين آبائي وأمّا قوله عليه السلام ، ولا إيمان لمن لا تقية له فهذا الكلام غير محمول على إطلاقه أي ليس المراد منه نفي الإيمان عمّن لا تقية له بل نفي كمال الإيمان وقد ورد في كتاب الكافي ما يدل على ذلك فعن عبد الله بن عطاء قال : لأبي جعفر عليه السلام رجلان من أهل الكوفة أخذا فقيل لهما : ابرآ من أمير المؤمنين ، فبرىء واحد منهما وأبى الآخر ، فخلّي سبيل الّذي برىء وقتل الآخر ؟ فقال : ( أمّا الّذي برىء فرجل فقيه في دينه ، وأمّا الذي لم يبرأ فرجل تعجّل إلى الجنّة ) ( أصول الكافي ج 2 ص 175 باب التقية ) .

وأما الحديث الثالث وهو : ( عن أبي عبد الله عليه السلام قال : أتقوا على دينكم واحجبوه بالتقية فإنه لا إيمان لمن لا تقية له ) فهذا الحديث ضعيف لجهالة بعض رواته ولكن مع جهالته فليس فيه ما يشنّع به على الشيعة فالإمام عليه السلام يأمر شيعته بالمحافظة على دينهم باستخدام التقية فيما إذا إضطروا لذلك ولم يكن في استخدام التقية أي مفسدة أعظم على الدّين والمجتمع من عدم استخدامها وأما قوله : ( لا إيمان لمن لا تقية له ) فقد مرّ الكلام حوله أعلاه عند الكلام عن الحديث الثاني فراجع .

وأما حول الرواية الرابعة وهي : ( عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل (لا تستوي الحسنة ولا السيئة) قال: الحسنة: التقية، والسيئة: الإذاعة، وقوله عز وجل: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) قال: التي هي أحسن: التقية ) فهذه الرواية في سندها إرسال ولكن بغض النظر عن ذلك فما ورد فيها هو أحد وجوه تفسير الآية الكريمة ، وتفسيرها بهذا التفسير له وجه وجيه فما أدري ماذا في هذه الرواية مما يدل على ما يريد أن يثبته هذا المفتري من أنّ التقية عند الشيعة معناها النّفاق أو الكذب .

والرواية الخامسة وهي : ( عن درست الواسطي قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف، أن كانوا يشهدون الأعياد ويشدون الزنانير فأعطاهم الله أجرهم مرتين ) فهي كذلك - أي ليس فيها شيء مما يريد أن يثبه ويدلل عليه من افتراء افتراه على شيعة محمد وآله صلى الله عليه وعليهم أجمعين ، فهي تشير إلى أن الفتية من أصحاب الكهف مارسوا التقية بمصانعتهم الكفار والمشركين في زمانهم وستروا عقيدهم بالله وأبطنوها وأظهروا خلافها ، فكانوا يشاركونهم في مراسم الأعياد الخاصة بهم ويشدون الزنانير على أوساطهم كما كانوا يفعلون ولقد أثبتنا أعلاه أن مصانعة الكفار والمشركين والظلمة والطغاة حفاظا عن النفس والعرض والمال هو قول جميع علماء المسلمين مع العلم أنّ هذه الرواية ضعيفة من حيث السند .

__________________________

قال وتحت عنوان التقية في كل ضرورة : ( نقل الكليني ( عن أبي جعفر عليه السلام قال : التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به ) ونقل أيضا : ( عن محمد بن مسلم : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده أبو حنيفة فقلت له : جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة ، فقال لي : يابن مسلم هاتها إن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة فقلت : رأيت كأني دخلت داري فإذا أهلي قد خرجت علي فكسرت جوزاً كثيراً ونثرته علي فتعجبت من هذه الرؤيا ، فقال أبو حنيفة : أنت رجل تخاصم وتجادل لئاماً في مواريث أهلك فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها إن شاء الله ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : أصبت والله يا أبا حنيفة ، ثم خرج أبو حنيفة من عنده فقلت له : جعلت فداك إني كرهت تعبير هذا الناصب ، فقال : يا ابن مسلم لا يسؤوك الله فما يواطىء تعبيرهم تعبيرنا ... وليس التعبير كما عبره ، فقلت له : جعلت فداك فقولك أصبت وتحلف عليه وهو مخطىء ، قال : نعم حلفت عليه أنه أصاب الخطأ ) ونقل الكليني ( عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان أبي يقول : وأي شيء أقر لعيني من التقية ، إن التقية جنّة المؤمن ) ونقل الكليني أيضا : ( قيل لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يرون أن علياً عليه السلام قال على منبر الكوفة : أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تتبرؤوا مني ، فقال : ما أكثر ما يكذب الناس على علي عليه السلام ، ثم قال : إنّما قال : إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد صلى الله عليه وآله ولم يقل : لا تتبرؤوا مني ) ثم قال : ( إن الأئمة عند الشيعة معصومون وهم أولو الأمر أيضاً من قبل الله تجب طاعتهم في كل صغيرة وكبيرة عندهم فما دام أن التقية لها هذه المناقب عندهم فإنه سيشتبه في كل قول من أقوالهم أو فعل من أفعالهم أن يكون صدر عنهم على سبيل التقية ومن الّذي سيفصل حتماً أن هذا القول من أقوال الإمام كان تقية وذلك بدون تقية وما يدرينا لعل هذه الأقوال والروايات الموجودة في كتب الشيعة هي أيضاً على سبيل التقية ؟ وبما أن كل قول أو فعل منهم يحتمل التقية لذا لزم أن لا يكون أي أمر من أوامرهم يجب العمل بمقتضاه فتسقط نتيجة لذلك جميع الأقوال والأفعال الصادرة منهم بسبب احتمال التقية ) .

________________________

نقول :نعم إن الأئمة الإثنا عشر عند الشيعة الإمامية معصومون وهم أولو الأمر الذين فرض الله على كل مسلم طاعتهم وولايتهم والأدلة على ذلك كثيرة جداً ومن كتب أهل السّنة ، ثم أنّ الّذي دعى الأئمة عليهم السلام لإستخدام التقية في بعض الأحيان هو تعرّضهم على امتداد التاريخ للجور والظلم من قبل السلطات الحاكمة في زمانهم ولكن هذا لا يعني أنهم عليهم السلام كانوا يتّقون في جميع أقوالهم وأفعالهم حتى في مجالسهم الخاصة التي ليس فيها سوى أصحابهم الثقات ، بل العكس هو الصحيح إذْ دلت الروايات الكثيرة والتي تفيد بمجموعها التواتر المعنوي على أمر الإمام الصادق عليه السلام بكتمان آرائه وأقواله التي لا توافق هوى السلطة الحاكمة ، حيث كان يدلي بها إلى العشرات بل المئات من الثقات المأمونين ويأمرهم بعدم إفشائها لكائن ما كان حذراً من وقوعها في أسماع العيون التي تبثها السلطة لرصد تصرّفات الإمام ، وهذا يدلّ على أنّ روايات التقية كانت محصورة في ظروف خاصة ما كانت لتغيب عن فطنة الفقهاء من أصحاب الأئمة عليهم السلام لأتّصالهم المباشر بهم ، كما يدلّ أيضاً على أنّ أحاديث التقية الصادرة عنهم قليلة جداً بالقياس إلى ما صدر عن غير تقية كما أن الإمام لا تجوز عليه التقية في جميع الحالات لأن الإمامة إمتداد للنبوّة فلو فرض حدوث ما لم يعلم جهته إلاّ من الإمام كان كالنبي صلى الله عليه وآله وسلّم في عدم جواز التقية عليه في مثل هذا الحال لأنه يلزم من ذلك الإغراء بالقبيح الّذي لا يمكن تصوّر صدوره من الإمام فالجائز على الإمام من التقية هو ما لايخل بالوصول إلى الحق وما كان مخلاّ فلا تجوز فيه التقية عليه . ومن هذا يظهر الجواب على ما تخيّله هذا المرتزق بأنه إشكال على الشيعة في قولهم باستخدام الأئمة عليهم السلام للتقية ، وذهب ما أورده هباء منثوراً والحمد لله ربّ العالمين .

ثم أن التقية عند الشيعة تنقسم حسب الأحكام التكليفية الخمسة ، الواجب ، المستحب ، المحرّم ، المكروه ، المباح ، فهي عندهم ليست بواجبة أو جائزة في كل حال ، قال العلامة محمد رضا المظفر عليه الرّحمة في كتابه عقائد الإمامية : ( وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهية ، وليست هي بواجبة على كلّ حال بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال كما إذا كان في إظهار الحقّ والتظاهر به نصرة للدين وخدمة للإسلام ، وجهاد في سبيله ، فإنّه عند ذلك ليستهان بالأموال ولا تعزّ النفوس وقد تحرم التقية في الأعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة أو رواجاً للباطل أو فساداً في الدّين أو ضرراً بالغاً على المسلمين بإضلالهم أو إفشاء الظلم والجور بينهم ) .

وقال الشيخ جعفر السبحاني : ( التقية تنقسم حسب الأحكام الخمسة فكما أنّها تجب لحفظ النفوس والأعراض والأموال فإنها تحرم إذا ترتب عليها مفسدة أعظم كهدم الدّين وخفاء الحقيقة عن الأجيال الآتية ، وتسلّط الأعداء على شؤون المسلمين وحرماتهم ومعابدهم ولأجل ذلك ترى أن كثيراً من أكابر الشيعة رفضوا التقية في بعض الأحيان وقدّموا أنفسهم وأرواحهم أضاحي من أجل الدّين ، فللتقية مواضع معيّنة ، كما أنّ للقسم المحرّم منها مواضع خاصة أيضاً ) ثم قال : ( إنّ التقية في جوهرها كتم ما يحذر من إظهاره حتى يزول الخطر ، فهي أفضل السبل للخلاص من البطش ولكن ذلك لا يعني أن الشيعي جبان خائر العزيمة خائف متردد الخطوات يملأ حناياه الذّل ، كلاّ إنّ للتقية حدوداً لا تتعداها ، فكما هي واجبة في حين ، هي حرام في حين آخر ، فالتقية أمام الحاكم الجائر كيزيد بن معاوية مثلا محرّمة ، إذ فيها الذّل والهوان ونسيان المثل والرجوع إلى الوراء ، فليست التقية في جوازها ومنعها تابعة للقوّة والضعف ، وإنّما تحددها جوازاً ومنعاً مصالح الإسلام والمسلمين ) ( الإعتصام بالكتاب والسّنة للشيخ جعفر السبحاني ص 336 - 337 ) .

وأما بالنسبة للروايات التي ساقها هنا فليس فيها أيضا شيء مما يريد أن يثبته بها فالرواية الأولى واضحة الدّلالة في أن التقية إنما شرّعت للضروة فمتى ماكان هناك موجب وداع لإستخدامها كان ذلك وإلاّ فلا والمسلم أعلم بتشخيص الضرورة التي تحتاج إلى استعمال التقية فيها ، هذا ما تفيده هذه الرواية وأما بالنسبة للرواية الثانية فهذه الرواية وردت في الروضة من الكافي وهي غير نقية سنداً ففي سندها من هو مجهول عند أهل الجرح والتعديل والرواية الثالثة واضحة لا تحتاج منا إلى أدنى توضيح أو تفسير .

_____________________

قال وتحت عنوان الكتمان عند الشيعة : ( ونقل الكليني عن سليمان بن خالد قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : إنكم على دين من كتمه أعزّه الله ومن أذاعه أذلّه الله ) ثم قال : ( اعلم أن ما تقدم من عقيدة الشيعة ورواياتهم فإنها تخالف نصوص القرآن ) ثم ذكر مجموعة من الآيات مستشهدا بها على عدم جواز كتمان الحق أو شيء من أمور الدّين ) .

______________________

ونرد عليه هنا وباختصار شديد جداً أن هذه الرواية التي نقلها مشنّعاً بها على الشيعة - مع أنه ليس فيها شيء مما يرد أن يثبته - هي رواية ضعيفة سنداً لجهالة بعض رواتها قال عنها ذلك الشيخ العلامة المجلسي عليه الرّحمة في مرآة العقول ج 9 ص 187 . والظاهر أن الرواية ناظرة إلى عقيدة الشيعة في الإمامة حيث أنه مرّ على الشيعة فترة من الزّمان لم يكن أحد منهم ليجرأ على أن يظهر القول بإمامة علي وبنيه إلاّ وكان يقطع الّذي فيه عيناه ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكتمان الشيعي لعقيدته هذه أولى وأعز له من إظهارها .

_______________________

قال وتحت عنوان حكم التقية في الإسلام : ( إن التقية في الإسلام أشد حرمة من أكل لحم الخنزير ، إذ يجوز للمضطر أكل لحم الخنزير عند الشدّة ، وكذلك التقية تجوز في مثل تلك الحالة فقط فلو أن إنساناً تنزه عن أكل لحم الخنزير في حالة الإضطرار أيضاً ومات فإنّه آثم عند الله ، وهذا بخلاف التقية فإنه إذا لم يلجأ إليها عند حالة الإضطرار ومات فإن له درجة وثواباً عند الله ، فكأن رخصة أكل لحم الخنزير تنتقل إلى العزيمة لكن لا تنتقل رخصة التقية إلى العزيمة . بل إنه إن مات لدين الله ولم يحتم بالتقية فإنه سيؤجر على موته هذا أجراً عظيماً والعزيمة فيها على كل حال أفضل من التقية ، والتاريخ الإسلامي من تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم إيذاء المشركين وكذا الصديق وبلال وغيرهما رضي الله عنهما وشهادة سميّة أم عمّار وشهادة خبيب وغيرهم رضي الله عنهم كلها وإلى غير ذلك من وقائع وقصص نادرة في البطولة والعزيمة في مسيرة هذه الأمة الطويلة لخير دليل على أن العزيمة هي الأصل والأفضل والأحسن ) .

_________________________

نقول :إنّ هذا الرّجل وبعد أن شنّع على الشيعة في قولهم بالتقية واعتبرها من النّفاق والكذب جاء ليناقض هنا نفسه ويثبت أن التقية من الإسلام وأن الشريعة الإسلامية رخصت للمسلم استخدام التقية ، ورداً على ما أورده أعلاه نقول : إذا كان الإسلام قد رخّص للمسلم استخدام التقية في الموارد التي قد يضطر إليها فيها فما هو العيب إذاً في أخذ المسلم بهذه الرّخصة إذا لم يكن يخالف الشريعة في استخدامه لها فما هذا الدّجل والتخريف والمغالطة ، حقيقة أن هذا الرجل حاطب بليل لا يعي ما يقول ويكتب ، ثم من قال أن التقية في جميع الحالات تكون رخصة ؟ ومن أين أتى بهذا الكلام ؟ بل قد تكون في بعض مواردها عزيمة لا رخصة ويكون المسلم في تركه لها مأثوماً والأمثلة على ذلك كثيرة فلو كان في استخدام التقية دفع ضرر القتل عن النفس مثلاً ولم يكن في استخدامها من قبل الفرد المتعرض لذلك أي ضرر على الدّين أو المجتمع كانت واجبة عليه لحفظ نفسه من القتل فلو تركها كان مأثوما بتركه لها . أو لو كان في استخدامه للتقية دفع ضرر القتل عن نفس مسلم آخر كانت أيضا واجبة عليه ولا يجوز له بحال تركها ويكون في تركه لها أيضاً مأثوما .

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله محمد وآله الطاهرين وسلّم .



حقوق الطبع محفوظة لجميع الشيعة والموالين مع رجاء ذكر المصدر