عن الموقع | اتصل بنا | أسئلة متكررة | أضفنا للمفضلة | أعلن عن موقعنا

:: الصفحة الرئيسية :: 

  أبحاث و مقالات

     الألف

     ب

     ت

     ث

     ج

     ح

     خ

     د

     ذ

     ر

       رؤية الله عزوجل

       الرجعة

       رزية الخميس

     ز

     س

     ش

     ص

     ض

     ط

     ظ

     ع

     غ

     ف

     ق

     ك

     ل

     م

     ن

     هـ

     و

     ي

     متفرقات

  مواضيع مميزة

  أشرطة سمعية

  صور و وثائق

  مواضيع خفيفة

  قسم البرامج

  مواقع صديقة

  إصدارات الموقع

 البحث في الموقع

أبحاث و مقالات » ر » الرجعة

آخر تعديل: 20/07/2009 - 4:12 ص

 بحث حول الرجعة
  كتبه: الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر | 4:18 ص | 3/01/2008

 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

وبه نستعين

مفهوم الرّجعة عنوان ينطبق على عدد من المعاني التي بعضها أكيد الصحة وقد قام الدّليل عليه وبعضها غير واضح بذلك الوضوح . أقصد من ناحية دليله .

وبالرغم من أنّ الآخرين قد أخذوا على الشيعة عدة مفاهيم يؤمنون بها ومنها الرّجعة ، على أنها مفاهيم فاسدة باطلة . إلاّ أنها من زاوية الرّجعة التي نتكلم عنها الآن نقول : إن كان بعض المعاني والتفسيرات للرجعة يمكن أن تكون في نظركم فاسدة فإن هناك للرجعة تفسيرات صحيحة . ومنها ما هو نص في القرآن الكريم ، ومنها ما يبتني الإتجاه التقليدي عندكم الإيمان به . ولا سبيل إلى إنكاره كما سوف نوضح مفصلاً . فإن كانت الرّجعة تنطبق على هذه الأمور بالذّات إذن فأنتم تقولون بالرّجعة وليس الشيعة فقط .

والمفهوم اللغوي للرجعة لا يعني أكثر من رجوع شيء  

(5)

إلى شيء بعد ابتعاده عنه . فقد كانا متجاورين ثم افترقا بسبب ما ، ثم يعود أحدهما المعيّن إلى الآخر .  

وهذا المفهوم اللغوي ينطبق إجمالاً على كل مفاهيم الرجعة ومعانيها . فمثلاً إذا قلنا برجعة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام فهو قد كان مجتمعاً مع البشرية في عصره في صدر الإسلام ثم افترق عنها بموته ، ثم يعود إليها من جديد .

والأفضل الآن أن نقضي الوقت الآتي باستعراض المهم من معاني الرّجعة وتفسيراتها لنرى مقدار ما قام الدّليل على صحته منها . مع الإلتفات إلى أننا لا نستطيع أن نجزم ببطلان بعض المعاني منها ونستدل على فساده ، ولا أن أولئك الآخرين يستطيعون ذلك . فقد قال ابن سينا قولته المشهورة : ما قرع سمعك فذره في ساحة الإمكان حتى يذودك عنه ساطع البرهان . وقد علّمنا ديننا أن ما سمعناه مما لا دليل على صحته لا حاجة إلى المبادرة إلى إنكاره بل نوكل علمه إلى الله وإلى الرّاسخين في العلم إذ لعلنا إذا أنكرناه واعتقدنا بفساده فقد نعتقد بفساد ما هو حق واقعاً . ومجرد الاحتمال كاف بهذه الصدد . وهذا الاحتمال قائم في ذهننا بالضرورة  

(6)

 

وفي أذهان أولئك الآخرين أيضاً .

وإنّما بادروا إلى إنكاره ، من زاوية ( مادية ) لا من زاوية دينية ، من حيث يعلمون أو لا يعلمون . لأننا ينبغي أن نعترف أن الرجعة بأي معانيها لا يمكن إثباتها على المستوى ( المادي ) أو للماديين . إلاّ بعد بطلان التطرف المادي في عقولهم . وهذا البرهان قائم لدينا بعونه سبحانه . فنحن في فسحة من هذه الناحية .  

إلاّ أن بعض المذاهب الإسلامية ، بالرغم من انطلاقها من منطلق ديني ، على ما هو المفروض ، إلاّ أنها لم تنكر الرجعة من هذا المنطلق ، إذ لا يوجد دليل على بطلانها وإنّما كل ما في الأمر أنه قد يقال : إنه لا يوجد دليل على صحتها وهذا ما سوف نبحثه عما قريب بعونه تعالى . إذن فالاحتمال على صحتها قائم دينيّاً . إذن فالمبادرة إلى إنكارها غير جائزة ، ويجب إيكال علمها إلى الله عز وجل .

وينبغي الالتفات أيضاً إلى أنّ مفهوم الرّجعة بأكثر معانيه أو قل : إنه هو كمفهوم مجرد ، ليس من ضرورات الدين وواضحاته كوجوب الصلاة مثلاً ، بحيث الإيمان بها على كل حال ويكون إنكارها إنكاراً للدين . كلا . بل يكفي للجاهل به أن يوكل علمه إلى الله عز وجل . ويعترف بجهله

(7)

في هذا المجال . شأنه في ذلك شأن بعض المفاهيم الأخرى كوجود الجنة والنار قبل يوم الحساب ، أو نزول جبرائيل إلى الأرض بعد النبي صلى الله عليه وآله وهكذا . فكلها مما يجب إيكال علمها إليه سبحانه ولا يجوز المبادرة لإنكارها وإن لم يكن إنكارها خروجاً عن الدين .

وإذا أردنا استعراض معاني الرجعة وجدنا لها أولا : انقساما رئيسياً قلما يتعرض له المفكرون المسلمون وهو : الرجعة المعنوية والرجعة الظاهرية أو المادية . أو قل الرجعة الأخروية والرجعة الدنيوية كما سنوضح .

أمّا الرجعة المعنوية : فإننا نعلم وقد تمّ البرهان عليه في الفلسفة والحكمة العليا بأن الأشياء كلها في تكامل وتنام مستمر وأنها متوجهة باستمرار نحو الكمال المطلق . إلاّ أنها لا تصل إليه بذاتها لأنه متناهٍ وغير محدود ، وإنّما هي في سفر دائم نحوه بمقتضى الشوق المركوز في ذواتها للكمال لا تختلف في ذلك الموجودات جميعاً كل من زاوية رتبته ومقدار قابلياته وعلمه .

لا يستثنى من ذلك شيء إلاّ ما حصل دونه الموانع . فقد تحصل الموانع في التسبيب إلى إبطاء هذا السير الحثيث .

(8)

وقد تحصل الموانع في قطع الوصول بالمرة . وعندئذ قد يقف الفرد عن التكامل لسوء توفيقه وقبح عمله . أو قد يتكامل في الشر والسوء وزيادة الظلم والعتو والاستكبار .  

وقد وجد بين السحرة وأضرابهم من يميل إلى العمل الجاد من أجل الوصول إلى عالم الظلام والشياطين ، حيث يعدونه كمالاً لهم ، لا عالم النور السامي الذي ينحو نحوه المعتدلون بفطرتهم من الخلق .

فإن ذلك اعوجاج في الفطرة ، بعد حصول المانع عن إدراك حقيقتها ، لسوء عمل الفرد وظلام نفسه .

إلاّ أننا لو حسبنا مجموع الكون بصفته متجهاً نحو الكمال لم نجد موارد المانع أمراًَ كثيراً بل لعلّه لا يشكل إلاّ نسبة ضئيلة جداً في الكون .

وهو – لو التفتنا – نافع بالتأكيد وفي وجه الحكمة الحقيقية لتكامل الآخرين . لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها فلا يمكن أن نعرف نعمة الإيمان إلاّ إذا عرفنا نقمة الكفر ولا يمكن أن نعرف نعمة اليقين إلا إذا عرفنا نقمة الشك وهكذا .

وهذا هو التفسير الرئيسي لذلك القول الذي يفسر وجود

(9)

الكفر والانحراف في الكون بأنه : فداء للمؤمنين . يعني اقتضت الحكمة الأزلية وجوده من أجل نفع المؤمنين على أن لا ينقص ذلك من عذاب من يستحقه شيئاً لأنّ سوء عواقبهم إنما هو نتيجة لعملهم وسوء تصرفهم واختيارهم الباطل على الحق .

ومن هنا يتضح مفهوم الرجعة المعنوية في التكامل والتي نطق بها القرآن الكريم . فقد ورد ستة مرات قوله تعالى : ( وإلى الله ترجع الأمور ) . وورد عشرات المرات بمضمون : ( وإليه ترجعون ) ( إلى ربكم ترجعون ) .

وقال : ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ) { البقرة : 281 } .

وقال : ( إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) { المائدة : 48 } .

وقال : ( إن إلى ربّك الرّجعى ) ( وأن إليه المنتهى ) { النجم : 42 } وغير ذلك إلا أن الشواذ مشمولون لقوله تعالى : ( إنّهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) { المطففين : 15 } وقوله : ( ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) { الصافات : 68 } .  

(10)

وقد بكّت القرآن الذين : ( ظنوّا أنهم إلينا لا يرجعون ) { القصص : 39 } .  

و هذه الرجعة مما لا مناص لكل المذاهب الإسلامية من الاعتراف بها لأنها مطابقة للقرآن الكريم المعترف به إسلامياً بالضرورة .

و هناك معنى آخر للرجعة ينص عليه القرآن الكريم و هو رجوع الأموات للدنيا ليستأنفوا أعمالهم إن كانوا في حياتهم قد أفسدوا ( رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة قائلها و من ورائهم برزخ الى يوم يبعثون) {المؤمنون : 99-100}

و حسب فهمي من الآية الكريمة ان الأفراد يختلفون في ذلك . فقد يكون استحقاق الفرد أن يقال له : ( كلا...) لأن الله تعالى يعلم أنه لو رجع لأفسد في حياته كما كان ( و لو ردوا لعادوا لما نهو عنه و إنهم لكاذبون ) {الأنعام : 28}.

فمن مصلحته أن تقل ذنوبه بكل تأكيد فعدم رجوعه أولى له .

و قد يكون الفرد في علم الله يحتوى في نفسه على أمل الصلاح و الإصلاح . إذن فمن الحكمة استجابة دعائه  

(11)

و إرجاعه إلى الدنيا . و تلك الآية التي تقول (كلا...) إنما هي خاصة بمن لا يستحق . لأن نفسه في حياته الأولى قد أظلمت و فسدت بحيث لا يمكن أن تنتج أو أن تختار إلا العمل الفاسد . و لعلنا ينبغي أن نعترف أن هؤلاء هم الأعم الأغلب ممن يتمنى الرجوع إلى الدنيا .

هذا و ينبغي أن نلتفت إلى أنه ليس كل الموتى يودون الرجوع إلى الدنيا فإن من رأى ثواب الله و حسن عطائه هناك لا يكون لهم هم إلا الوصول إليه و الخروج من هذا السجن الضيق المسمى بالدنيا .

فإنها كما ورد ( سجن المؤمن و جنة الكافر ) و قد ورد بهذا المضمون المشار إليه عدة نصوص .

منها , ما مضمونه : أن المؤمن لا يموت و هو كاره لأنه حين يكون في وقت الاحتضار يكشف الله سبحانه و تعالى له مقامه في الجنة فلا يكون أحب لديه شيء من الوصول إلى ذلك المقام . كما أن الفرد إذا كان مبتلى في الآخرة بالعذاب الشديد فقد يلهيه ما يعانيه من الألم عن تذكر الرجوع إلى الدنيا ليتمناه و يطلبه .  

و على أي حال فهذا معنى آخر من الرجعة نطق به القرآن  

(12)

الكريم و لا ينبغي الاختلاف فيه .  

و أما أسلوب رجوع هذا الميت إلى الدنيا إذا كان فيه أمل الصلاح و الإصلاح –كما قلنا-فهو مما يختاره الله تعالى له .

و الأسلوب التقليدي المفهوم من ذلك هو إرجاعه إلى الدنيا في حال الاحتضار و إلغاء قرار موته فيتحسن حاله و يرجع . و هذا معناه أن أجله الحقيقي لم يحن بعد .

و هناك  أسلوبان آخران قد يشار إليهما في بعض الأدلة أحدهما : الرجوع من بعد الموت إلى الدنيا , بمعنى أنه يقوم من قبره . و هذا يتضمن معنى الرجعة التي سوف نبحث عنها فيما يأتي . فإن اعترفنا بها فمعناه أن بعض الناس يحدث لهم ذلك .

ثانيهما : الرجوع إلى الدنيا بما يسمى بالولادة الثانية . بأن تدخل روحه إلى جنين جديد التكوين فيولد إلى الدنيا من جديد .

و هذا هو الذي يفسر الأقوال الكثيرة التي صدرت من العديد من الناس الذين يقولون إننا كنا في الدنيا قبل هذا و بعضهم –كما قيل- يعرف أسماء الموجودين و يعرف الطرق  

(13)

مما يدل دلالة قطعية على صحة كلامه ز

إلاّ أنّ هذا الفرع من المعرفة فيه إشكال ما يسمّى بالتناسخ . فهل هو صحيح أم أنّه صحيح أحياناً وباطل على بعض التقارير . فهذا مما لا نريد الخوض به لأنّه يطول بنا الكلام الذي نريد له الاختصار . إلاّ أن المشهور بين العلماء هو بطلان التناسخ على كل أشكاله . وقد ظهر من كل ما سبق . ما يكفي لإلقاء الضوء بهذا الصدد لمن يفكر .

فهذا ما نريد قوله حول القسم الأوّل من الرّجعة وهو الرجعة المعنوية .  

وأمّا الرجعة الظاهرية أو الدنيوية . فهي أولاً تنقسم إلى قسمين رئيسيين : أحدهما : ما لا يحتوي على فكرة الحياة بعد الموت على الإطلاق . ثانيهما : ما يحتوي على تلك الفكرة . وأما ثانيا : فانقسام القسم الثاني كما يأتي بعد ذلك .

أما القسم الأوّل   : وهو ما لا يحتوي على وجود الحياة الدنيا بعد الموت . أو قل : لا يتضمن قيام الإنسان من قبره   على الإطلاق . كل ما في الأمر أن فرداً مهماً في مجتمعه ، قد يغيب عن المجتمع مدة تقل أو تطول ثم يعود إليه .

(14)

وهذا ما حدث مع عدد من الأنبياء أو ضحها تطبيقان :  

التطبيق الأول : وهو الأسبق تاريخيّاً : غياب موسى عليه السلام عن مجتمعه أربعين يوماً لمناجاة ربه وعاد إليهم بعد ذلك غضبان أسفاً . كما هو مشروح في القرآن الكريم وتفاسيره .

التطبيق الثاني : غياب نبيّنا ( عليه الصلاة والسّلام وآله الكرام ) في غار حراء لمناجاة ربه وعبادته عدة مرات ورجوعه منه .

فمن هذا المنطلق التي تعترف به المذاهب الإسلامية الأخرى يمكن أن ينطلق إلى ( تقريب ) الرجعة بمعنى محدد ، وهي أن يكون معناها ظهور المهدي عليه السلام بعد غيابه .

ونحن كشيعة يمكن أن نقول : إن هذا هو معنى الرجعة ولا يوجد دليل معتبر على غيره بل نوكل علمه إلى الله سبحانه .

ولا يبقى الخلاف بيننا وبينهم إلا الإختلاف في طول عمره عليه السلام . وهو خلاف آخر غير الرّجعة . ومن المعلوم أن الكلام في أي فرع من المعرفة يحتوي على التسليم على ما

(15)

هو المختار في الفرع الآخر لا أن نفتح الخلاف في كلا الفرعين دفعة واحدة . فإن اعترفنا في هذا الإشكال ، بطول عمره بقدرة الله   سبحانه لم يبق في القول بالرجعة من هذه الناحية أي إشكال .

بل إنهم ملزمون بالقول بما يشابهه بالرغم من أنهم يقولون بأن المهدي ( يولد في حينه ) ومضمونه : غياب القيادة الإسلامية المخلصة الحقيقية فترة من الزمن بعد الخلافة الأولى – أو بعد كل الخلفاء بما فيهم العثمانيين – إلى ظهور المهدي الّذي يعترفون به .

على أنّ جماعة منهم يقولون بغيبة المهدي ولديهم روايات تدل على وجود غيبتين له . وقد احتار بعضهم في فهمها طبقاً لتصورهم . وهذا موضّح في مقدمة ( تاريخ الغيبة الكبرى ) مضافاً إلى اعتراف قسم منهم بأن المهدي هو ابن الحسن العسكري عليه السلام ، كما هو مذكور في عدة مصادر منها كتاب ( المهدي ) للسيد صدر الدّين الصدر . وممن يعترف بذلك الفيلسوف الصوفي ابن العربي والعارف الرومي وآخرون .

فهذا كلّه اعتراف بغيبة المهدي عليه السلام في المذاهب  

(16)

الأخرى ، بشكل أو بآخر . إذن فليس قبيحاً على هذه ( العصابة ) الناجية أن تقول بالرّجعة إذا فسّرت بإحدى هذه التفاسير .

وإذا قلنا إنها من ضروريات المذهب أو مما دلّت عليه الرّوايات المتواترة . كما ذهب إليه المجلسي في البحار وكثير غيره من علمائنا – فإننا على أي حال – يمكن أن نفسرها بمثل هذه التفاسير . ونوكل العلم الباقي إلى الله عزّ وجل .

وإن كنّا من ناحية وجدانية نرى أنّ عدم التوسع في فهم الرجعة ، أو الميل إلى نفي أو استبعاد المعاني الآتية إنّما هو ناشىء من ذوق ( مادي ) كما أشرنا قبل فترة . وأما إذا نظرنا من زاوية إلهية لم يكن ذلك على قدرة الله ببعيد . وهو القادر على كل شيء .

ومن هنا ندخل في القسم الثاني من الرجعة الظاهرية وهو ما يتضمن القيام بعد الموت .

وأهم ما يدلّ على ذلك إجمالاً يعني بغض النظر عن التفاصيل الآتية – دليلان رئيسيان في الشريعة :  

الأوّل القرآن الكريم : قال الله تعالى جلّ شأنه ( ويوم

(17)

نحشر من كل أمّة فوجاً ممن يكذّب بآياتنا فهم يوزعون حتى إذا جاؤوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أم ماذا كنتم تعملون ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ) { النمل : 83 – 85 } ,  

ويتم فهم الآية ضمن عدة قرائن لفظية فيها :

أولاً : مفهوم الحشر في قوله تعالى : ( ويوم نحشر ) والحشر ظاهر في الرجوع بعد الموت وظاهر القرآن الكريم حجة .

ثانيا : ( حتى إذا جاؤوا ) الأمر الذي يدل على صدق الوعد من هذه الناحية وحصول المجيء بعد الرجوع .

ثالثا : ( ووقع القول عليهم ...الخ ) الأمر الذي يدل على حصول النتيجة فعلاً من هذه الرجوع وهو إلزامهم بأعمالهم ومؤاخذتهم بها . وانقطاع حجتهم ( فهم لا ينطقون ) . وظاهر القرآن في كلّ ذلك حجّة .

رابعا : ( من كل أمّة فوجاً ) الأمر الذي يدل بوضوح على أن هذا الحشر غير الحشر يوم القيامة . فإنه عندئذٍ يكون للجميع لا للبعض كما قال تعالى : ( وحشرناهم فلم نغادر

(18)

منهم أحدا ) وقد وردت في ذلك رواية . إلاّ أن العمدة هنا مطابقتها فعلا مع ظاهر القرآن الكريم فيكون حجة بهذا الإعتبار ويكون وجود الرواية مؤيداً لذلك .  

نعم يبقى سؤال واحد : وهو أن هذه الآيات الكريمات دلت على حشر المكذبين والكفار في الرجعة ولم تدل على حشر المؤمنين في حين أن الذي ينفعنا في مذهبنا هو العكس .

وهذا له عدة أجوبة نذكر منها ما يلي :

أولاً : أن الآية الكريمة تدل على حشر المؤمنين فعلاً . لأنّهم مشمولون لقوله تعالى : ( من كل أمّة ) والمؤمنون أمة على أي حال . وأما تحميلهم المسؤولية بعد ذلك فالآية غير واضحة بشموله لكل من يحشر .

ثانيا : أننا لو تنزلنا عن الجواب الأول وقلنا إنها خاصة بحشر الكفرة ، فهو ينفعنا أيضاً في مذهبنا .

أولاً : لأن من يقول بالرجعة يقول برجوع الكفار والمؤمنين معاً وبعض الرّوايات ناطقة به .  

ثانياً : أنه لو أمكن رجوع الكفار ، وهو ثابت بقدرة الله  

(19)

سبحانه وبنص القرآن الكريم ، أمكن رجوع المؤمنين . فإذا دلّ عليه الدليل أو قال به قائل فليس قوله بمستنكر ولا باطل كما يصوّره الآخرون .

هذا وإن هناك دليلاً آخر من القرآن الكريم على الرجعة وهو الآية الدالة على خروج ( الدابة ) وسوف نتعرض لها بعد ذلك بصفتها رجعة خاصة – أي للبعض – لا عامة كما تدل عليه الآية التي ذكرناها أولاً وهو العموم .

الدليل الآخر الرئيسي على الرجعة : السّنة الشريفة .

وهي كثيرة ومستفيضة بل قال عدد من علمائنا بما فيهم المجلسي في البحار أنها متواترة . وأن على ذلك ضرورة المذهب .

ونحن على أي حال في فسحة من أمرنا ، بعد أن استدللنا بالقرآن الكريم نفسه . فحتى لو لم يثبت من السّنة شيء فحسبنا كتاب الله سبحانه .

وهذا الإستدلال يحتوي على نقطتي ضعف :  

النقطة الأولى : أن الروايات الواردة بهذا المضمون كلها أو الأعم الأغلب منها شيعية بحيث لو وجد في مصادر  

(20)

العامة منها شيء فهو أقل من أن يكون له صفة الحجيّة في هذا الأمر المهم .

ومن المعلوم أن الرّوايات في مذهبنا لا تكون حجة عليهم كما أن تسالم علمائنا – كما قيل – وضرورة المذهب – كما قيل – لا يكون حجة عليهم .

ولكن الأمر تجاههم لا يخلو من عدة مستويات :

المستوى الأول : دلالة القرآن الكريم عليها كما سبق وسيأتي كما أشرنا .

المستوى الثاني : التواتر ، وهو كثرة الروايات بحيث توجب حصول العلم لدى العقل غير المعاند . وهذا لا يختلف فيه مذهب عن مذهب .

المستوى الثالث : أنها إن فرضنا عدم الدليل عليها ، فلا دليل على نفيها كما قلنا . وقد أشرنا في أوائل هذا البحث أن ما يكون كذلك لا يجوز الجزم بنفيه فضلاً عن نبزه بالصفات الباطلة ، بل يجب إيكال علمه إلى الله والراسخين في العلم .

النقطة الثانية من نقاط الضعف :

(21)

اختلاف الرّوايات الدالة على الرجعة بالمضمون اختلافاً كثيراً . بحيث أرجعناها في ( تاريخ ما بعد الظهور ) إلى عشرة مضامين أو أكثر . منها : رجوع من محض الإيمان محضاً . ورجوع من محض الكفر محضاً . ورجوع أمير المؤمنين عليه السلام ورجوع الحسين عليه السلام . ورجوع بعض الأموات لنصرة الإمام المهدي عليه السلام بعد ظهوره . ورجوع بعض الأنبياء السابقين على الإسلام . وغير ذلك .  

وهذا الاختلاف قد يستدل به – كما قلنا في الكتاب المشار إليه – على ضعف هذه الرّوايات وعدم إمكان الأخذ بها ، لأنّ أي واحد منها هو خبر واحد فلا يكون معتبراً في مثل هذا الأمر العقائدي المهم . وأما مجموعها فلا يدل على رجعة معينة بل يدل على الرجعة على الإجمال من دون الإشارة إلى أمر بعينه .

إلاّ أنه يمكن تلافي هذا الضعف كما يلي :  

أولاً : ثبوت الرجعة على الإجمال يكفينا في تصحيح ما عليه علماؤنا . ولا حاجة إلى التفاصيل .

ثانيا : إن الرواية الدالة على هذا المضمون وهو ( رجوع  

(22)

من محض الإيمان محضاً ومن محض الكفر محضاً ) رواية معتبرة سنداً عندنا إلى درجة محترمة جداً . فتكون كافية وحجة في إثبات مضمونها . وإذا ثبت مضمونها ثبت مضمون الرجعة إجمالاً . إذ نقول : إنّ الرجعة بهذا المعنى صحيحة وثابتة .

إلاّ أنها رواية تثبت على مستوى مذهبنا لا على مستوى المذاهب الأخرى .

ثالثا : دعم هذه الرّواية بما دلّ عليه القرآن الكريم من الرجعة كما أشرنا ، إذن فهي موافقة للقرآن وغير مخالفة له إذن فلا موجب لنفيها ، بل هناك الموجب لإثباتها وحجيّتها .

رابعا: أن ما قد يتخيّله البعض مع شديد الأسف من أنها روايات متعارضة ومتنافية ، ليس هذا بصحيح على الإطلاق ، وقد قلنا ذلك في ( تاريخ ما بعد الظهور ) .  

إذن إن معنى التعرض والتنافي يعني أن ينفي المضمون مضموناً آخر ، كما لو دلّ الدليل على سفر ( زيد ) من يوم الأحد إلى يوم الجمعة . ودلّ دليل آخر  

(23)

على وجوده في بلده يوم الاثنين ، ونحن نعلم أنه إما أن يكون في بلده أو في البلد الآخر ويستحيل أن يكون في البلدين معاً . إذن يكون الدليلان متكاذبين ومتعارضين ولا يكونان معاً حجة .

إلاّ أن أخبار الرّجعة ليست كذلك لإمكان أن يحدث كل أنواع الرجعة التي نصت عليها الرّوايات أو أن يحدث بعضها بدون أي تنافٍ . فمثلاً : إن الدليل على رجوع أمير المؤمنين عليه السلام لا ينفي الدليل على رجوع   الحسين عليه السلام . بل لعلهما يرجعان معاً . ونحن نعلم أن ذلك ممكن بحسب التصور العقلي وفي قدرة الله سبحانه . مضافاً إلى موافقتها – إجمالاً – للقرآن الكريم كما أشرنا .

خامساً : الحاجة إلى استمرار الهدى الذي يوجده الإمام المهدي عليه السلام في المجتمع بجهوده بعد ظهوره .

إذن ، فهناك فكرة تنطبق على كل من النبي صلى الله عليه وآله والمهدي عليه السلام ، وهي اقتضاء الحكمة بأن يكون لكل منهما خليفة يقوم بالأمر بعد موته . وليس هذا أمراً خافياً على أنّ النبي صلى الله عليه وآله ولا على المهدي عليه السلام لأن عملهما ليس موقتاً بحياتهما الشخصية بل عام  

(24)

لكل الأجيال ، فمن يبقى للأجيال الآتية بعدهما .

وهذا مما يدل على ضرورة الخلافة ( المنصوصة ) إلهيّاً بعد النبي صلى الله عليه وآله والمهدي عليه السلام معاً وأننا لو تنزلنا وقلنا بأن هذين القائدين الإسلاميين العظيمين لم يلتفتا – وحاشاهما – إلى هذه النقطة ، فإن الله تعالى العليم بكل شيء لا بد أن يلتفت إلى هذه النقطة . فإنها ثابتة بالضرورة . وبالوضوح العقلي وبالتجربة أيضاً بعد الذي   رأينا ما آل إليه المجتمع   بعد أن انسحب ( النص الجلي ) عن ساحة المجتمع الإسلامي ، وليس الآن كلامنا حول الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله بل بعد المهدي عليه السلام وفيهما احتمالان أو أطروحتان .

الأطروحة الأولى : أنه يتولى بعده أولاده الذين يكنون بدورهم أولياء صالحين ، قد رباهم المهدي عليه السلام بنفسه ونص على خلافتهم أمام المجتمع ، كما قربنا ذلك في ( تاريخ ما بعد الظهور ) .

الأطروحة الثانية : أن يتولى بعده آباؤه الأئمة المعصومون عليهم السلام ورجوعهم إلى الحياة بعد الموت ليحكموا العالم بعد المهدي عليه السلام . إمّا جميعهم أو  

(25)

بعضهم وإما بشكل مشوش من حيث ترتيبهم السابق ، كما تقتضي الحكمة يومئذ . وإما بشكل مقلوب . يعني يبدأ من الأخير وهو الإمام الحسن العسكري عليه السلام وبعده أبوه الإمام الهادي عليه السلام وهكذا .

وليس لنا أن نجزم بصحة الأطروحة الأولى دينيّاً . وإنّما ينشأ ذلك من زاوية ( مادية ) لاستبعاد أن يعود الإنسان إلى الحياة بعد موته .

والآن فإن مقتضى القاعدة – في مذهبنا على الأقل – هو صحة الأطروحة الثانية بالخصوص لعدة وجوه نذكر منها ما يلي :

الوجه الأول : موافقتها للقرآن الكريم ، على ما سوف يأتي من تفسير ( دابة الأرض ) بأمير المؤمنين عليه السلام إذن ينتج أن عودة الأئمة عليهم السلام ورجعتهم ثابتة إجمالاً لأن أمير المؤمنين منهم عليهم السلام . إذ يكون لنا أن نقول : إنّهم يرجعون ولو برجوعه عليه السلام .

الوجه الثاني : أنها روايات مستفيضة عندنا . فإن أغلب روايات الرجعة تدل على رجعتهم عليهم السلام . وأمّا

(26)

ذلك القسم الذي يتعرض لرجعة غيرهم فهو الأقل كما هو واضح لمن راجعها وليس بالإمكان الآن استعراضها .

الوجه الثالث : إن المستدل عليه في ( تاريخ ما بعد الظهور ) أنّ المجتمع يتعمّق ويتأكد من حيث الهداية والإيمان تدريجيّاً إلا أنه يبدأ بعد وفاة الإمام المهدي بالتنازل . بل هو يستمر بالتصاعد والأهمية . وهذا موافق أيضاً لما قلناه في القسم الأول من الرجعة وهي الرجعة المعنوية ، كما هو واضح لمن يفكر .

وإذا كان الأمر كذلك احتاج المجتمع إلى قيادة يزداد عمقها وأهميتها لا غلى قيادة متنازلة بل ولا إلى قيادة متساوية كما هو واضح .

ومن الواضح أننا لو قلنا بالأطروحة الأولى للحكم بعد المهدي عليه السلام لكانت القيادة متساوية على أقل تقدير بل متنازلة . لأن هؤلاء الحكام من هو الذي يتولى تربيتهم المعمقة بعد المهدي عليه السلام من رجال الله سبحانه وتعالى ؟ فكل ما في الأمر أن المهدي عليه السلام يربّي الذي بعده ومن يربي بعده ... وهكذا .

(27)

ومن الواضح أن التربية كلما تباعدت عن المصدر الرئيسي ضعفت واستوّت . ولا يمكن أن تقوى وتتأكد . كما قلنا من أنها ستكون قيادة متساوية على أقل تقدير بل متنازلة . وهو غير محتمل في الحكمة الإلهية بعدما تم البرهان على تصاعد المجتمع وضرورة تربيته العليا من قبل قائد جدير .

ومن الواضح أنه مع التساوي فضلاً عن التسافل سيكون ضرر الحاكم أكثر من نفعه كيف وهو ( الولي ) الشرعي العام للمجتمع وإليه يرجع التدبير الرئيسي فيه وقوله الفصل في كل شيء .

إذن فلا بدّ أن نرجع إلى القيادة المعصومة المؤيدة بتأييد الله المباشر . وذلك لا يكون إلا بالرجعة لعدم توفر معصومين سواهم . كما أن وجود معصومين بالذات غيرهم لاستلام الحكم يومئذ خلاف الضرورة ولم يقل به أحد .

إذن فبأئمتنا المعصومين عليهم السلام ينتهي المجتمع الإسلامي إلى أوج تربيته وإيمانه ، كما بدأ بهم في صدر الإسلام . فهم الأول والآخر من هذه الناحية ، ويؤيده الشعر المنسوب إلى أحدهم سلام الله عليهم الذي يقول  

(28)

فيه ( ودولتنا في آخر الدهر تظهر ).

سادساً : من إثباتات روايات الرجعة :  

الحاجة إلى إيصال المجتمع الإسلامي إلى أفراده يعني المحاسبة في الدنيا قبل يوم القيامة .

وهذا ما دلّ عليه القرآن الكريم بعدة أساليب :

الأسلوب الأول : قوله تعالى : ( إن الله سريع الحساب ) { آل عمران : 199 وغيرها } وقد ورد ذلك مكرراً في القرآن الكريم .

ومن الواضح أن سرعة الحساب لا تناسب تأجيله إلى يوم القيامة .

الأسلوب الثاني : الإشارة في القرآن الكريم إلى نتائج بعض الحساب الذي قد يحصل لعدد من الأفراد المتسافلين :  

كقوله تعالى : ( فزادهم رجساً إلى رجسهم ) { التوبة : 125 } وقوله تعالى : ( فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه ) { التوبة : 77 } وغيره كثير .

(29)

الأسلوب الثالث : الإشارة إلى نتائج الخير والطاعة للمجتمع على العموم . وخاصة في النبؤات السابقة . كقوله تعالى : ( يرسل السماء عليكم مدراراً ) { هود : 52 } وقوله تعالى : ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) { المائدة : 66 } وغير ذلك كثير .

الأسلوب الرابع : العقوبات التي كانت تحصل لبعض المجتمعات التي يكون مقتضى العدل والحكمة استئصالها عن وجه الأرض . وهو كثير في القرآن الكريم كالطوفان والرجفة والصيحة وغيرها . كما لا يخفى على المتتبع .

الأسلوب الخامس : إنجاز هذه المحاسبة في مستقبل الدهر ، بالنسبة إلى أيامنا المعاصرة . وذلك بظهور دابة الأرض ، المفسرة بالروايات عن المعصومين عليهم السلام برجوع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إلى الدّنيا للقيام بهذه المهمّة .

وذلك قوله تعالى : ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلّمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) { النمل : 82 } .

والروايات الدالة على التفسير المشار إليه عديدة ( راجع

(30)

تفسير الميزان وغيره ) ولا مجال لسردها الآن .  

ويمكن تقريب الدليل القرآني على ذلك ضمن عدة نقاط :

النقطة الأولى : قوله تعالى : ( وإذا وقع القول عليهم )  

وهذا تعبير قرآني يدلنا على سوء تحمل المسؤولية من قبل بعض الناس أو المجتمعات واستحقاقهم للعقاب . كقوله تعالى : ( ووقع القول عليهم بما ظلموا ) { النمل : 85 } ومثله قوله تعالى : ( فحق عليهم القول فدمرناها تدميرا ) { الإسراء : 16 } الواردة عدة مرات في القرآن الكريم .

والذي يبدو ضمناً من القرآن الكريم وصريحا من بعض الروايات ، أن الحساب الذي تقوم به دابة الأرض لا يقتصر على العقوبة بل يشتمل على المثوبة أيضاً . كالذي ورد بمضمون أنها تسم كل شخص بميسم على شكلين أحدهما يقول : هذا مؤمن حقاً . والآخر يقول : هذا كافر حقاً . وهذا ينتج انكشاف المستوى الباطني للأفراد إلى  

(31)

مستوى الظاهر . إذ يومئذ لا يستطيع الكافر أن يستر كفره ولا يستطيع المؤمن أن يكتم إيمانه .

النقطة الثانية : قوله تعالى في الآية الكريمة نفسها : ( أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) { النمل : 82 } .  

حيث إن الظاهر منها أن الوعد بظهور دابة الأرض حقيقي . ولكن الناس إنما يؤمنون به لأجل ضعف اليقين أو انعدامه لديهم لأن الإيمان به يحتاج إلى درجة خاصة من درجات اليقين .

وما هذا التشويش في أذهان ضعاف الإيمان عن دابة الأرض نتيجة لهذا الضعف الذي أشرنا إليه .  

النقطة الثانية : إن دابة الأرض ليست دابة بالمفهوم اللغوي بل هي إنسان . بل هي خصوص الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .

لوضوح أن وجود الدابة العجماء بأي شكل من أشكالها – لا ينتج عنه نتيجة مهمة في المجتمع ، فضلاً عن النتيجة المشار إليها . إذن فيتعيّن أن تكون ذاتاً عاقلة قادرة ، بل أكثر قدرة من الفرد الاعتيادي بكثير . وذلك لا  

(32)

يكون إلاّ أحد الأولياء العالين رتبةً ، بل لا يكون إلاّ أحد المعصومين عليهم السلام فإذاً دلّ الدّليل على تخصصها به سلام الله عليه ، كان اللازم قبول ذلك . فليس ذلك لأنّها دابة بالمعنى المفهوم في اللغة . بل لأنّها ترجع إلى الدّنيا بشكل غريب خارق للقوانين الاعتيادية وتقوم بعمل جليل خارق للعادة الاجتماعية .

أمّا الاستشهاد بظهور لفظ ( الدابة ) بكونها كذلك تماماً . فهو استشهاد باطل لما قلناه من أنّ الدّابة بالمعنى المفهوم لا تعني شيئاً ولا تنفع ولا تضر . إذن فيتعيّن أن تكون إنساناً ، لكي تحصل الموافقة والملاءمة من هذه الناحية مع المجتمع .

وتسمية الإنسان بالدابة ليس بالغريب فإن الإنسان ( حيوان ناطق ) كما ذكر المناطقة والفلاسفة . وهو يدبّ على رجليه . فهو من هذه الناحية من قسم ( الدواب ) والحيوانات من بين المخلوقات .

مع احتمال : أن يكون تسميتها بالدابة لاتصافها بالدبيب من نوع آخر ، ككثرة متابعتها للأفراد لأجل محاسبتهم . أو دبيبها في النفوس لأجل الخوف لديهم من نتائج محاسبتها

(33)

أو غير ذلك مما لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله .

وهذا هو الأنسب مع تفسيرها بأمير المؤمنين عليه السلام لأنّ حبّه يدبّ في قلوب المحبين ، وبغضه يدبّ في نفوس المبغضين سلام الله عليه .

النقطة الرابعة : أن هناك في الآية الكريمة دلائل أخرى على ما قلناه منها قوله تعالى : ( تكلّمهم ) فإن الكلام لا يكون عادة لدى الدّواب . وهذا يجعل للآية ظهوراً في خلاف ذلك أعني كونه إنساناً . وظهور القرآن حجّة .

ومنها قوله تعالى : ( أخرجنا لهم دابة من الأرض ) الظاهر بانشقاق الأرض عن الدابة وهذا عبارة أخرى عن خروج الإنسان من قبره . وبهذا يتعيّن بأمير المؤمنين عليه السلام لعدم احتمال كونها غيره على تقدير كونها إنساناً كما استظهرناه . وينبغي لنا أن نأخذ ملخصاً بمجموع الأفكار السابقة .

أولاً : أن القول بالرجعة قد يعني القول بالرجعة المعنوية المتسالم على صحتها .

ثانيا : أن القول بالرجعة قد يعني القول بظهور الإمام  

(34)

المهدي عليه السلام الذي قلناه في القسم الأول من القسم الثاني من الرجعة . وهو شامل حتى للعامة كما سبق فضلاً عن الخاصة .

ثالثا : أن القول بالرجعة مهما كان مفهومه قد عرفناه أنه ممّا دلّ عليه القرآن الكريم في أكثر من آية ولا سبيل إلى استنكار ما هو ظاهر القرآن الكريم .  

رابعا : أن القول بالرجعة لو حصرنا معناه بالرجوع بعد الموت أمكن الأخذ به لبعض المبررات السابقة كتواتر الروايات إجمالاً والحاجة إلى الخلافة بعد المهدي عليه السلام .

خامساً : أن استبعاد القول بالرجعة ليس له منشأ إلا الذوق المادي الذي قد يكون ثابتاً للفرد شعورياً أو لا شعورياً يعني من حيث يعلم أو لا يعلم .  

ومن الصحيح ما يقال من أنه يكفي في دحض القول بأي شيء عدم وجود الدليل عليه . فلو غضضنا النظر عما سبق بقي القول بالرجعة بلا دليل إلاّ أننا قلنا إن هذا وحده لا يكفي في جواز الجزم بعدمه لأنّ الجزم  

(35)

بالعدم يحتاج إلى دليل أيضاً ولا يكفي فيه الاستبعاد وإلى هذا الحد تكون مسألة الرجعة أو أي مسألة مثلها قيد الاحتمال ، وفي مثله يكون الموقف الأنسب أمام الله تبارك وتعالى هو إيكال علمها إليه ، فبأي وجه يجوز الجزم بعدمها أو التشنيع على القائلين بها ؟! .

على أننا عرفنا من هذا البحث ثبوت هذه الفكرة في الجملة وإمكان حملها على محامل صحيحة ، والحمد لله ربّ العالمين .

(36)





حقوق الطبع محفوظة لجميع الشيعة والموالين مع رجاء ذكر المصدر