تعريف الشهادة الثالثة :
قول " أشهد أن علياً أمير المؤمنين ولي الله " ، أي ما يُسمّى بالشهادة
الثالثة و التي أصبحت شعاراً للموالين للإمام أمير المؤمنين ( عليه
السَّلام ) و شيعته ، هي من الأمور التي تُثار بين فترة و أخرى من قبل بعض
الجماعات بغرض شن حملة إعلامية على أتباع أهل البيت ( عليهم السَّلام )
الذين تمسكوا بولاء العترة الطاهرة .
ومن الواضح ان الشيعة الإمامية لها أدلتها في التمسك القوي بذكر هذه
الشهادة رغم أن تمسكها بذلك قد كلّفها و يكلّفها الكثير .
و قبل بيان دليل الشيعة الإمامية في هذا المجال ينبغي أن نُقَّدِمَ مقدمة
ضرورية و هي :
إننا نجد أن الإمام أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) رغم تواتر النصوص على
إمامته و خلافته بعد الرسول ( صلَّى الله عليه و آله ) و تضافر الأحاديث
على أحقيّته لأمر الخلافة ، نُحّي عن هذا المنصب الإلهي بالقوة و التآمر ، و
غصبت الخلافة منه بالإكراه .
و عندما استولى معاوية على السلطة سنّ سبّ الإمام أمير المؤمنين ( عليه
السَّلام ) على منابر المسلمين في محاولة منه لمحو فضائل الإمام ( عليه
السَّلام ) و مناقبه بصورة خاصة ، و فضائل أهل البيت ( عليهم السَّلام )
بصورة عامة ، و ذلك بهدف إبعادهم عن الساحة السياسية و الاجتماعية ، و لمنع
الناس من التعرف عليهم و الالتفاف حولهم و الاستضاءة بنور هداهم .
يقول أبو الحسن علي بن محمد المدائني : " قامت الخطباء في كل كورة و على كل
منبر يلعنون علياً و يبرؤن منه و يقعون فيه و في أهل بيته ، و كان أشد
الناس بلاءً حينئذٍ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي ، فأستعمل عليهم
زياد بن سميّة ، و ضمّ إليه البصرة ، فكان يتتبع الشيعة و هو بهم عارف ،
لأنه كان منهم أيام علي ( عليه السَّلام ) ، فقتلهم تحت كل حجرٍ و مدر ، و
أخافهم و قطع الأيدي و الأرجل ، و سمل العيون ، و صلبهم على جذوع النخل ، و
طردهم و شرّدهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم " [1] .
و لعل أبسط رد طبيعي و إيجابي على مثل هذه الهجمات الشرسة و الغارات
الجائرة ، بل أقل رد متوقع من قبل الشيعة على هذا الظلم كان هو بيان
الحقيقية و الدفاع عنها بأبسط الكلمات و أصدقها حتى لا يتمّ الاعتراف بما
سنّه الغاصبون للخلافة و الحاقدون على أمير المؤمنين و أهل البيت ( عليهم
السَّلام ) .
و لعل أصدق الكلمات و أخصرها و أبلغها و أدلهّا للتعبير عن هذه الحقيقة هي
الشهادة المستمرة بأحقية الإمام علي ( عليه السَّلام ) لأمر الخلافة ـ
تبعاً للنصوص الصريحة المعتبرة لدى الفريقين ـ من خلال قول أشهد أن أمير
المؤمنين علياً وليُ الله ، عقيب الشهادة بوحدانية الله عَزَّ و جَلَّ و
نبوة خاتم الأنبياء محمد المصطفى ( صلَّى الله عليه و آله ) .
أول أذان بزيادة الشهادة
الثالثة :
ذكر الشيخ عبد الله المراغي و هو من أعلام علماء السنة في القرن السابع
الهجري في كتابه " السلافة في أمر الخلافة " [2] روايتين يمكن الوصول من خلالهما إلى
تاريخ البدء بذكر الشهادة الثالثة في الأذان .
الرواية الأولى : مضمونها أن الصحابي الجليل سلمان المحمدي (
الفارسي ) أذّن بزيادة الشهادة الثالثة ، فأنكر ذلك بعض الصحابة و رفعوا
الشكوى إلى النبي ( صلَّى الله عليه و آله ) ، لكنه ( صلَّى الله عليه و
آله ) لم يأبه بهذه الشكوى بل جابههم بالتأنيب و أقرّ لسلمان هذه الزيادة و
لم يعترض عليه ذلك .
الرواية الثانية : إن الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري أذّن بعد يوم
الغدير فزاد الشهادة الثالثة و شهد بالولاية لعلي بن أبي طالب ( عليه
السَّلام ) ، فثار جمع ممن سمع الأذان و هرعوا إلى رسول الله ( صلَّى الله
عليه و آله ) و شكوا إليه ما سمعوه من أبي ذر ، إلا أن الرسول ( صلَّى الله
عليه و آله ) لم يأبه بهم بل و بّخهم بقوله : " أما و عيتم خطبتي يوم
الغدير لعلي بالولاية ؟! " .
ثم عقّب كلامه ( صلَّى الله عليه و آله ) قائلاً : " أما سمعتم قولي في أبي
ذر : ما أظلّت الخضراء و لا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ؟! "
[3] .
الشهادة الثالثة و الحكم
الشرعي :
و إذا أردنا أن نناقش أمر الشهادة الثالثة من حيث الجواز أو الحرمة و معرفة
الحكم الشرعي بالنسبة إليها ، لزم مناقشة الأمر من جهتين :
الجهة الأولى : حكم ذكر الشهادة الثالثة بصورة عامة .
الجهة الثانية : حكم ذكر الشهادة الثالثة في الأذان و الإقامة .
أما بالنسبة إلى حكم ذكر هذه الشهادة عقيب الشهادتين أينما ذكرتا بصورة
عامة ، فلابد لنا أن نقول بأنه لاشك و إن ذكر الشهادة الثالثة بعد ذكر
الشهادتين هو مما يرضاه الله عَزَّ و جَلَّ و يحبّه النبي ( صلَّى الله
عليه و آله ) و يدعو له العقل السليم و الفطرة الإسلامية ، ذلك لأنه بعد
ثبوت الولاية للإمام أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) في يوم الغدير ، و
تضافر النصوص و تواتر الأحاديث على خلافته للرسول ( صلَّى الله عليه و آله )
بتعيين من الله العلي القدير و تصريح من الرسول ( صلَّى الله عليه و آله )
، فلا مجال إذن لإنكار مطلوبية ذكر هذه الشهادة و الإفصاح عنها و الاعتراف
بها لساناً بعد الإيمان و الاعتقاد بها قلباً .
الأحاديث الدالة على
أهمية الشهادة الثالثة :
هذا إلى جانب وجود الأحاديث الصريحة الواردة بهذا الشأن ، و التي نذكر منها
على سبيل المثال ما يلي :
رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السَّلام ) أنه قال : " لمّا
خلق الله السماوات و الأرض أمر منادياً فنادى :
أشهد أن لا إله إلا الله ـ ثلاث مرات ـ .
أشهد أن محمداً رسول الله ـ ثلاث مرات ـ .
أشهد أن علياً أمير المؤمنين حقاً ـ ثلاث مرات ـ " [4] .
رُوِيَ عن رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) أنه قال : " من قال لا إله
إلا الله تفتّحت له أبواب السماء ، و من تلاها بمحمد رسول الله تهلل وجه
الحق سبحانه [5] و استبشر بذلك ، و من تلاها بعلي ولي
الله غفر الله له ذنوبه و لو كانت بعدد قطر المطر " [6] .
و رُوِيَ عن الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) في حديث طويل أنه قال : " ...
فإذا قال أحدكم لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، فليقل : علي أمير
المؤمنين ولي الله " [7] .
رُوِيَ عن الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) أنه قال : " من قال لا إله إلا
الله ، محمدٌ رسول الله ، فليقل عليٌ أمير المؤمنين ولي الله " [8] .
رَوَى الشيخ الصدوق ( رحمه الله ) قائلاً : حضر جماعة من العرب و العجم و
القبط و الحبشة عند رسول الله ( صلَّى الله عليه و آله ) فقال لهم : " أ
أقررتم بشهادة لا إله إلا الله و حده لا شريك له ، و ان محمداً عبده و
رسوله ، و ان علي بن أبي طالب أمير المؤمنين و ولي الأمر بعدي ؟ " .
قالوا : اللهم نعم ، فكرره ثلاثاً و هم يشهدون على ذلك [9] .
الشهادة الثالثة و أراء
الفقهاء :
أتفق العلماء المراجع على جواز ذكر الشهادة الثالثة عقيب الشهادتين في
الأذان و الإقامة ، بل أكدوا على استحباب ذلك ، و في ما يلي نشير إلى بعض
هؤلاء العلماء الأعلام و الفقهاء العظام كالتالي :
1. العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ، المتوفى سنة : 1110 هجرية .
2. الشيخ يوسف البحراني صاحب كتاب الحدائق ، المتوفى سنة : 1186 هجرية .
3. الوحيد البهبهاني ، المتوفى سنة : 1206 هجرية .
4. السيد بحر العلوم ، المتوفى سنة : 1212 هجرية .
5. الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، المتوفى سنة : 1228 هجرية .
6. السيد علي الطباطبائي ، المتوفى سنة : 1231 هجرية .
7. المحقق القمي ، المتوفى سنة : 1123 هجرية .
8. الميرزا محمد إبراهيم الكرباسي ، المتوفى سنة : 1261 هجرية .
9. الشيخ محمد حسن النجفي صاحب كتاب الجواهر ، المتوفى سنة : 1266 هجرية .
10. الشيخ مرتضى الأنصاري ، المتوفى سنة : 1281 هجرية .
11. الميرزا الشيرازي ، المتوفى سنة : 1312 هجرية .
12. الفقيه الهمداني ، المتوفى سنة : 1322 هجرية .
13. المولى محمد كاظم الخراساني ، المتوفى سنة : 1329 هجرية .
14. السيد محمد كاظم اليزدي ، المتوفى سنة : 1337 هجرية .
15. الميرزا محمد تقي الشيرازي ، المتوفى سنة : 1338 هجرية .
16. الميرزا النائيني ، المتوفى سنة : 1355 هجرية .
17. الشيخ محمد حسين الاصفهاني ، المتوفى سنة : 1365 هجرية .
18. السيد أبو الحسن الاصفهاني ، المتوفى سنة : 1365 هجرية .
19. الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، المتوفى سنة : 1373 هجرية .
20. السيد عبد الحسين شرف الدين صاحب كتاب المراجعات ، المتوفى سنة : 1377
هجرية .
21. السيد محمد حسين البروجردي .
22. السيد محسن الحكيم .
23. السيد عبد الهادي الشيرازي .
24. السيد أبو القاسم الخوئي .
25. السيد محمود الشاهرودي .
26. السيد ميرزا مهدي الشيرازي .
27. السيد محمد هادي الميلاني .
28. السيد شهاب الدين المرعشي النجفي .
29. السيد محمد رضا الكَلبايكَاني .
30. السيد عبد الأعلى السبزواري .
31. السيد محمد الروحاني .
32. السيد محمد الحسيني الشيرازي .
33. السيد علي السيستاني .
34. الميرزا جواد التبريزي .
استنتاج و تنبيه :
إذن فليس لنا إلا أن نقول تبعاً لفقهاء الامامية و أعلامهم برجحان ذكر
الشهادة الثالثة عقيب ذكر الشهادتين سواءً في الأذان و الإقامة أو غيرهما
من المواضع .
هذا و ينبغي التنبيه على أن فقهاء الشيعة الإمامية أعزهم الله رغم قولهم
برجحان ذكر الشهادة الثالثة في الأذان و الإقامة ، إلا أنهم لم يعدّوها
جزءً لهما ، غير أن هناك من العلماء مَن لم يستبعد جزئيتها لهما ، كما أن
هناك من صرح بجزئيتها لهما .
_____________________________
[1] الإلهيات
على هدى الكتاب و السنة و العقل : 4 / 435 ، مُحاضرات العلامة المُحقق آية
الله الشيخ جعفر السُبحاني ( حفظه الله ) ، طبعة مؤسسة الإمام الصادق (
عليه السَّلام ) ، قم / إيران ، سنة : 1417 هجرية ، نقلاً عن شرح نهج
البلاغة : 3 / 15 ، لأبن أبي الحديد المعتزلي .
[2] هذا الكتاب
من جملة الكتب المخطوطة الموجودة في المكتبة الظاهرية بدمشق .
[3] السلافة في
أمر الخلافة : للشيخ عبد الله المراغي ، من أعلام علماء السنة في القرن
السابع الهجري ، و الكتاب مخطوط و موجود في المكتبة الظاهرية بدمشق .
[4] بحار
الأنوار ( الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ) : 37 /
295 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ، المولود باصفهان سنة : 1037 ، و
المتوفى بها سنة : 1110 هجرية ، طبعة مؤسسة الوفاء ، بيروت / لبنان ، سنة :
1414 هجرية .
[5] المراد من "
تهلَّل وجه الحق " هو المعنى الكنائي و المجازي و هو رضى الله عَزَّ و
جَلَّ ، كما هو واضح .
[6] بحار
الأنوار : 38 / 318 و 319 ، الحديث 27 من الباب : 67 .
[7] بحار
الأنوار : 27 / 1 ، الحديث 1 من الباب : 1 .
[8] بحار
الأنوار : 38 / 318 .
[9] أمالي
الصدوق : 230 ، مجلس رقم ( 60 ) ، للشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن حسين بن
بابويه القمي المعروف بالصدوق ، المولود سنة : 305 هجرية بقم ، و المتوفى
سنة : 381 هجرية .