سؤال:
من اين لكم هذه الافترائت على الشيخية الكرمانية وما هو دليلكم الشرعي والعقلي على بطلان عقيدتهم وشكرا مسبقا على الاجابة .
جواب:
الاخ عباس الشيخي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد الدعاء لكم بمزيد من التوفيق والسداد , نعلمكم بأننا لم نتهم أحدا .. ولاتوجد عندنا عداوة مع أحد , وانما نطرح البحوث العلمية ,طالبين بذلك اصابة الحق , ونستقبل النقد بسعة صدر كاملة , لايماننا بأن النقد العلمي البناء هو الذي يطور العمل ويجعله اكثر دقة .
ونحن بدورنا سنذكر لكم بحثا مفصلا عن الموضوع , راجين منكم ومن القراء الكرام قراءته بدقة وابداء النظر حوله :
((الشيخية والكشفية والركنية)):
فرقة من الشيعة الإمامية ظهرت في أواخر النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي، وسميت بذلك نسبة إلى زعيمها الأول شيخ أحمد الأحسائي المتوفى عام 1241ه - 1825م ، وتسمى بالكشفية أيضاً لما يصرح به زعيمها من الكشف والإلهام ، أو لأن الله سبحانه قد كشف غطاء الجهل وعدم البصيرة في الدين عن بصائرهم، (دليل المتحيرين 10)، كما تسمى بالركنية أيضاً لقولها بالركن الرابع والشيعي الكامل واعتباره من أصول الدين كما سيأتي ذلك في الصفحات اللاحقة، وهذه الأفكار التي أدت إلى حوادث نزاعها بينها وبين الشيعة الأصولية الذين أنكروا هذه المسائل .
وهذه المسائل التي طرحها الشيخ أحمد الأحسائي أدت إلى البعض بتبنيها، وبالأخص تلميذه المقرب السيد كاظم الرشتي، إذ بعد وفاة الشيخ أحمد عهد إليه بالخلافة لأستاذه، أو بالركنية والمرجعية لأمور الدين ... واستمر أمر هذه الفرقة متبنياً لأراء الأحسائي وتلميذه كاظم الرشتي إلى أن حصل الافتراق بينهما بعد وفاة كاظم الرشتي فقسم تبع محمد كريم خان الكرماني وقسم اتبع الشيخ حسن جوهر وهكذا برزت إلى الوجود مدرستان مدرسة تبريز والمسماة بشيخية تبريز ومشيخة كرمان، ووقع نازع بينهما.
وزعيم الشيخية التبريزية الآن عبد الله عبد الرسول الاحقاقي وموطنه الكويت، وزعيم الشيخية الكرمانية الآن الحاج عبد الرضا خان الابراهيمي، وموطنه كرمان، ولهم مركز واسع في العراق في البصرة وأكثرهم في منطقة (التنومة)، و(المُدَيْنة)، وينوب عن الزعيم الخان السيد علي الموسوي وقد بثت هذه الطائفة بعض الآراء والأفكار التي أدت إلى حدوث النزاع بينهم وبين الطرف الآخر، وقد ذكروا عدة فروق بينهم وبين الشيعة الأصولية تزيد على ثلاثين فرقاً ، إلا أنّها في الحقيقة مسائل جزئية لا يمكن جعلها من الخصائص المكونة للفرقة الشيخية، وأهم المسائل التي طرحت وهي محل الخلاف بين الطرفين هي أربع: المعاد الجسماني، والغلو والتفويض، والمعراج، والركن الرابع. فإن هذه المسائل هي أهم نقاط الخلاف بين الشيخية وغيرهم.
وقد أدت الأفكار التي طرحها الشيخية إلى حصول نزاع شديد بينهم وبين خصومهم واتخاذ بعض المواقف من قبل ما تبونه من آراء وأفكار وعموماً فإن من يرجع إلى الأفكار التي طرحها الجانبان (الكرمانية والتبريزية) يجدها تحتوي على أمور غريبة لا تمت إلى الدين بصلة؛ حيث جعلوا الفروع من الأصول، بل وأضافوا إلى الأصول أشياء لم يقم عليها دليل قرآني أو روائي كمسألة الركن الرابع والتي جعلوها من أصول الدين ومن لم يؤمن بها أو لم يعرفها فهو لم يعرف التوحيد ولا النبوة ولا الإمامة.
وسندرس هذه النقاط الأربعة تباعاً ، ونطرح ما يؤمن به الشيخية فيها ثم التعقيب عليها بما أمكن .
النقطة الأولى: المعاد الجسماني:
يعتقد الشيعة الإمامية كما يعتقد سائر المسلمين أنّ الله عز وجل يعيد الخلائق ويحييهم بعد موتهم يوم القيامة للحساب والجزاء، وأنّ المعاد هو الشخص بعينه وجسده وروحه لو رآه الرائي لقال: هذا فلان. فهم ممن يقول باتيان المعادين الجسماني والروحاني ( أصل الشيعة وأصولها : 87).
لكن الشيخية قالوا: إن الجسم جسمان والجسد جسدان: جسد عنصري دنيوي وهو مخلوق من عناصر هذه الدنيا التي تحت فلك القمر، وهذه تفنى ويلحق كل شيء إلى أصله ويعود إليه، فيعود ماؤه إلى الماء وهواؤه إلى الهواء وناره إلى النار وترابه إلى التراب ولا يرجع ولا يعود؛ لأنه كالثوب يلقى من الشخص.
والثاني: جسد أصلي من عناصر ( هورقليا ) ، وهو كـامن في هذا المحسوس، وهو مركب من الروح فيقوم للحساب وهو الجسد الذي يتألم ويتنعم وهو الباقي وبه يدخل الجنّة والنار … وهذا عين عبارة شرح زيارة الجامعة (هدية النملة إلى مجدد المـــلة 32 ، وشـرح زيارة الجامعة 369، 370 ) وهكـــذا تلميذه كاظم الرشتي كما ذكر ذلك في كتابه ( دليل المتحرين: 79 ) ، والشيخ حسن جوهر في كتابه ( المخازن: ص123).
فالشيخ الأحسائي وتلامذته من بعده، ومن اتبعهم يؤمنون بأن هذا الجسد لا يرجع في الآخرة وإنما هناك مادة (هورقليا) هي التي تعاد يوم القيامة وهي التي تنعم وتتلذ، وهي المسماة بالروايات بالطين حينما يسأل الإمام عن جسد الإنسان بعد الموت فقال يتآكل حتى لا يبقى منه إلا الطينة، فقد فسرها الأحسائي بـ (الهورقليا) إلى المادة الأصلية الباقية التي لا تفنى.
وهذا الكلام خلاف ما عليه الشيعة الإمامية الأصولية وكذلك فلاسفتهم ومتكلميهم فهم يؤمنون بما نطقت به الشريعة الحقة من أن المعاد للروح وللجسد معاً؛ لأن ذلك ما أخبر به الصادق الأمين وكل أخباره حق لا ريب فيها.
وعليه فيكون منكر ذلك منكر لأمر متفق عليه بين الشيعة ومسلم عندهم.
لكن على أيّ حال لا يمكن القول بأن الشيخ أحمد الإحسائي ينكر المعاد الجسماني وإنما هو وقع في خطأ في فهم المعاد الجسماني، وبعد ورود الاشكالات على مسألة المعاد الجسماني، وإضافة إلى روايات الطينة وغيرها اخترع الشيخ أحمد للإنسان جسماً آخر سماه (هورقليا)، وبيّن أنه هو الجسم الحقيقي دون غيره ، وأنه هو الذي يتألم ويمرض وغير ذلك، وأما هذا الجسم العنصري فلا قيمة له لا في ألم أو حس أو غير ذلك .
النقطة الثانية: المعراج النبوي:
اتفق المسلمون عمواً على أن النبي(ص) عرج إلى السماء، واُسري به من مكة إلى المسجد الأقصى، ومن هناك كان عروجه إلى السماء قال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) الاسراء: 1.
وقد اختلفوا في كيفية عروجه (ص) إلى ربه فهل كان بجسده وروحه معاً، أم كان بروحه دون جسده؟ ذهب عموم المسلمين ـ إلا مـا شذ منهم ـ إلى أنّ عروجه كان بروحه وجسده معاً، وأن ذلك من المعجزات الإلهية التي تثبت نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشذ بعض إلى الذهاب بعروج روحه دون جسده فقط، قال الفخر الرازي: (اتفق أكثر المسلمين على أنّ رسول الله (ص) عرج بجسده المطهر، وذهب شرذمة منهم إلى أن عروجه كان روحانياً) مفاتيح الغيب 5: 360.
والشيعة الإمامية تؤمن بأن المعراج كان بالروح والجسد لقوله تعالى: (أسرى بعبده)، فقد أطلق المعراج على الظاهر من النبي (ص) وهو هيكله المادي والروحي، وأيضاً لكون المعراج معجزة من المعاجز فلذلك كان بروحه وجسده معاً، هذا ما تعتقده الشيعة الإمامية الاثني عشرية.
وأما الشيخية فهم لا يعتقدون بالعروج الجسماني للنبي (ص) ، وينكرون كون النبي (ص) عرج بروحه وجسده المادي الذي كان متلبساً به، وإنما عرج بروحه وبمادة (الهورقليا ).
قال الشيخ أحمد الأحسائي: (إن الصورة البشرية عند إرادة صعوده يجوز فيها احتمالان، في الواقع هما سواء، وفي الظاهر الأول أبعد من المعقول والآخر أقرب!! ; فالأول : إن الصاعد كلّما صعد ألقى منه عند كل رتبة ما منها فيها، مثلاً: إذا أراد تجاوز الهواء ألقى ما فيه من الهواء فيها، وإذا أراد تجاوز كرة النار ألقى ما فيه منها فيها، فإذا رجع أخذ ما له من كرة النار، وإذا وصل الهواء أخذ ماله من الهواء.
لا يقال على هذا: إن هذا قول بعروج الروح خاصة؛ لأنه إذا ألقى ما فيه عند كل رتبة لم يصل منه إلا الروح؟ لأنا نقول: إنا لو قلنا بذلك فالمراد بها إعراض ذلـك؛ لأن ذوات تـلك لو ألقاها بطلت بنيته بالكلية، فيجب أن لا يكون ذلك موتاً؛ لأن القائلين بعروج الروح يقولون: إن بنيته باقية لا تتفكك، وإنما مرادنا أن الجسم بالنسبة إلى عالم الفساد يتلطف إذا صعد إلى عالم الكون ، وإلا فهو على ما هو عليه من التجسد والتخطيط.
والثاني: إن الصورة البشرية التي هي المقدار والتخطيط تابعة للجسم في لطافته وكثافته وان الأجساد اللطيفة النورانية تكون بحكم الأرواح لا تزاحم فيها ولا تضايق، ولهذا يبلغ المعصوم من مشرق الدنيا إلى مغربها في أقل من طرفة عين) الرسالة القطيفية في جوامع الكلم 1: 181.
وهو هنا وإن حاول التقسيم واللف والدوران لكن رأيه واضح في أن العروج لم يكن بهذا الجسد الكثيف؛ لأن صعود العناصر تقضي الخرق والالتئام .
ولذلك رد عليه الشيخ محمد رضا الهمداني في هدية النملة إلى مجدد الملة ص23 وقال: (قال الشيخ أنه لمّا أراد العروج ألقى في كل كرة ما منها. فألقى ترابه في التراب، وماءه في الماء وهواءه في الهواء وناره في النار وكل قبضة في تلك السماء، ثم لما رجع أخذ من كل كرة ما ألقى فيها).
وقد خالف بذلك ما عليه الشيعة الإمامية من أن عروجه كان بهذا الجسم الكثيف وهو من معجزات النبوة.
وأما مسألة الخرق والالتئام، وأن النبي (ص) عند عروجه ألقى كل ما فيه من هواء وماء وحرارة وتراب في فلكها السماوي المخصوص به فهو كلا غير صحيح.
وذلك:
أولاً: إن نظرية الأفلاك، وأن هناك أفلاك نارية، وأفلاك مائية، وأفلاك ترابية وغير ذلك غير صحيحة، خصوصاً بعد ملاحظة أن الأفلاك تكتسب حرارتها من غيرها، فهي غير نارية بالذات ، وإنما النارية عارضة لها، وكذلك المائية والهوائية .
ثانياً : إن نزع ذلك في حقيقته هو نزع للجسد؛ لأنه يؤمن أن الجسد مكون من هذه العناصر الأربع، فإذا نزعها انتفت عنه وانتهت .
النقطة الثالثة: الغلو:
الدين الإسلامي، دين سماوي ، مبني على أصول شرعية وعقلائية، جاء موافقا للفطرة، وللذوق العقلائي . وجاء هاديا الناس إلى أن يعتقد بألوهية الله سبحانه وتعالى، ولا يشركون به شيئاً، فهو الموجد للكون وخالقه ، ومجري حركاته وسكناته، وهو رازق من فيه، ومحي كل حي ومميت كل ميت وهو الذي يشفي وهو الذي يمرض، وبمشيئته يحصل كل شيء، قال تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) الزخرف الآية 83 ، وبيّن أنه القادر فوق عباده فقال: (وهو القاهر فوق عباده)، وبين أن كل من في الأرض عبيده، وكلٌ آتيه طوعاً أو كرهاً: (قل كلٌ آتي الرحمن عبداً) وصور للإنسان أنه هو الخالق له ولكل شيء فقال: (والله خلقكم وما تعملون) الصافات 96، وقال مبيناً خلق الإنسان وكيفية إنشائه: (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلاسلة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه) السجدة 7 - 9، وقد ذم الله سبحانه وتعالى غلو المسيحيين في عيسى فقال: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه) النساء: 71.
وبين الله سبحانه وتعالى أنه المتفرد بالعلم بالغيب فقال: (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر) الأنعام: 59. وقال: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً * إلا من ارتضى من رسول) الجن 26 - 27 .
وبين الله سبحانه وتعالى اختصاصه بالرزق والإحياء والإماتة والإمراض والاشفاء، وغيرها مما هي من شؤون ربوبية الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: (إن الله هو الرازق ذو القوة المتين) الذاريات 58، وقال: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار) يونس 31، وقال تعالى: ( لا إله إلا الله يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين) الدخان 8 ، وقال عن لسان إبراهيم عليه السلام: (الذي خلقني فهو يهدين والذي أطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين) الشعراء 78 - 81 .
إلى غير ذلك من الآيات المؤكدة لهذه الحقائق والتي أكدها أئمة أهل البيت عليهم السلام بشكل واضح وصريح فقد ورد في الاحتجاج للطبرسي رداً على المفترين الغلاة قال فيه الإمام المهدي سلام الله عليه: (يا محمد بن علي، تعالى الله عز وجل عمّا يصفون سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاؤه في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه (قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب إلا الله) .
وأنا وجميع آبائي من الأولين: آدم ونوح وابراهيم وموسى وغيرهم من النبيين ومن الآخرين محمد رسول الله وعلي بن أبي طالب وغيرهم ممن مضى من الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين إلى مبلغ أيامي ومنتهى عصري عبيد الله عز وجل. يقول الله عز وجل :
(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى * قال ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) .
يا محمد بن علي، قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه، فأشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيداً ورسوله محمد - صلى الله عليه وآله - وملائكته وأنبياؤه وأولياؤه عليهم السلام، وأشهدك وأشهد كل من سمع كتابي هذا أني بريء إلى الله والى رسوله ممن يقول: إنا نعلم الغيب، ونشاركه في ملكه أو يحلنا محلاً سوى المحل الذي رضيه الله لنا وخلقنا له، أو يتعدى بنا عما قد فسرته لك وبينته في صدر كتابي.
وأشهدكم؛ أن كل من نبرأ منه فإن الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياؤه. وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانة في عنقك ..) الاحتجاج 2: 474 .
فعقيدة الاسلام والمتمثلة بأهل البيت عليهم السلام واضحة المعالم محدودة الاصول والأطراف وهي موافقة لكتاب الله سبحانه وتعالى، في نفي المشاركة له في الرزق والإحياء والإماتة والغيب وغيره ذلك ، وبهذا وغيره ينفى كل شيء دخيل عليها أو شيء يوهم غير ذلك من نسبة أمور لا واقع لها إلى أئمة أهل البيت عليهم السلام.
إلا أن الشيخ أحمد الأحسائي نجده غير ذلك تماماً، ففي كلماته تجد ما ينفي قول الأئمة فيهم أنفسهم فهو ينسب إليهم الإحياء والإماتة والرزق وصفات مختصة بالله سبحانه وتعالى. قال في شرح الزيارة الجامعة 326 : (.. (ألا إلى الله تصير الأمور) أنها تصير إلى علي، وبيان ذلك أن الأمور حادثة مخلوقة والحادث المخلوق لا يصل إلى القديم ولا يرجع إليه سبحانه؛ لأنه تعالى متعال عن كل شيء، وإنما المعنى أن الأمور تصير وترجع إلى أمره تعالى، وأمره تعالى جعله عند وليّه ، فالمصير إلى إليه مصير إلى الله، والراد إليه راد إلى الله، وقد قال تعالى: (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم). وقد دلت الأدلة القاطعة مع الإجماع!! على إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم، فإن الأخبار متواترة بذلك..).
ويقول في ص10: (الأربعة عشر معصوماً هم صفات الله وأسماؤه وآلاؤه ونعمه ورحمته الواسعة ورحمته المكتوبة، وهم معانيه، وهم وجه الله الذي يتوجه إليه الأولياء، وهم اسم الله المبارك ذي الجلال والإكرام، ووجهه الباقي بعد فناء كل شيء والوجه الذي ينقلب في الأرض ومقصد كل متوجه وسائر من مطيع حيث يحب الله، ومن عاص حيث يكره الله ، وهم أوعية غيبه، وهم ظاهره في سائر المراتب وجميع المعاني والمقامات، آياتهم ظاهرة في الآفاق، وفي أنفس الخلق، ومعجزاتهم باهرة، وهم ملوك الدنيا والآخرة).
وقال في ص36 : (والطاعة حادثة وهم ذلك الحدث).
وقال في ص132: (فانحصرت العبادة التي هي فعل ما يرضي والعبودية التي هي رضا ما يفعل فيهم وبهم عليهم السلام، فإن التسبيح والتقديس والتحميد والتكبير والتهليل والخضوع والخشوع والركوع والسجود وجميع الطاعات وأقسام العبادات وكذلك العبودية؛ كل ذلك أسماء معانيها تلك الذوات القدسية والحقائق الإلهية).
وقال في ص289: (ولله الأسماء الحسنى، أي ملكه وخلقه ، فادعوه بها فتقول : يا كريم يا رحيم يا غفور إلى سائر أسمائه ، وهي هم) - يعني أهل البيت - !!
وقال في ص385: (إن أهل البيت خلق فوق بني آدم وجسومهم لن ترى في الأبصار بل حتى البصائر) !!
وقال في ص438: (فإذا كان الله غنياً لم يرد شيئاً لنفسه وإنما يريده لغيره وهم (يعني أهل البيت) ذلك الغير، والطاعة حادثة وما تنسب لغير حادث وهم ذلك الحادث المنسوب إليه الحادث.
إن الله تعالى حصر شؤونه في أهل البيت وحصر حاجات خلقه عندهم).
وقال في ص 384 : (وهم العلل الأربعة للمخلوقات فالعلة الفاعلة بهم والعلة المادية منهم أي من شعاعهم وظلهم ، والعلة الصورية بهم على حسب قوابل الأشياء من خير أو شر والعلة الغائية هم؛ لأن الأشياء خلقت لأجلهم).
وقال في ص58 من حياة النفس: (وأما الرزق فهو ما ينتفع به الحي وليس لغيره منعه منه، والمراد بالغير غير الله وغير رسوله وأهل بيته).
ويذهب الشيخ أحمد الأحسائي إلى فوق ذلك فيقول بأن الخلق كلهم عبيد لأهل البيت عليهم السلام، عبودية رقية ملكية، وليت عبودية طاعة، قال: (أما نسبة العبد إلى الله فلا توقف لأحد في أنه عبد رق وعبد طاعة لا يملك شيئا من أمره ..
وأما نسبتهم إلى الخلق فالمعروف عند كثير من العلماء ومن بعض الأخبار أنهم عبيد طاعة لا عبيد رق .
والذي يدل عليه الدليل عقلاً ونقلاً أنه - يعني الإمام - أولى بهم من أنفسهم بالأولوية التي كانت لرسول الله، وهي إنه سبحانه خلق الأشياء له ولأهل بيته الطاهرين. وفي الحديث القدسي: خلقتك لأجلي وخلقت الأشياء لأجلك. وقول علي عليه السلام: نحن صنائع ربنا والخلق بعد صنائع لنا. أي صنعهم الله لنا، واللام في ( لنا ) للملك، وهذا المعنى هو الذي تقيده أخبارهم إنارة، لأن التصريح فيه فصح بالحكمة فوجب الإشارة للتقية) شرح الزيارة ص28.
وهناك كلمات كثيرة ضربنا عنها صفحاً روماً للاختصار.
لكن نقول: إن علماء الشيخية في القديم والحديث قد تجاوزوا الحد في تقديس أئمة أهل البيت عليهم السلام وغالوا في حبهم كثيراً وفوضوا إليهم بعض الأمور، مدعين في بعض الأحيان الإجماع على ما يعتقدونه!! وهو بعيد كل البعد، لان زعماء الطائفة في القديم والحديث قد طرحت مذهب أهل البيت عليهم السلام وبينه بشكل يلائم العقل والفطرة والوجدان، وقاموا بالأخذ من منبع النبوة الصافي الذي يعرض الدين الإسلامي الحنيف وأئمته بشكل يحدد لكل شخص مقامه ووظائفه، لا يتجاوزها ولا يحيد عنها، والتحذير من الروايات الغريبة والضعيفة التي فيها كلام يخالف الأصول الكلية، والقواعد العامة التي بينها الله سبحانه وتعالى، وبيّنها أئمة أهل البيت عليهم السلام في كلماتهم وأقوالهم وأفعالهم ومثالاً على ذلك ما قال ياسر الخادم نقلاً عن الإمام الرضا عليه السلام حيث قال: (قلت للرضا: ما تقول في التفويض؟ قال: إن الله فوض إلى نبيه أمر دينه فقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فأما الخلق والرزق فلا...) عيون أخبار الرضا 1: 141، وما نقله آنفاً عن الإمام الحجة سلام الله عليه حينما تبرّأ من نسبة بعض الأفعال إليهم كعلم الغيب ونحوه .
وفي الحقيقة إن هذه الأقوال والكلمات والاعتقاد بها جرّ على أئمة أهل البيت وشيعتهم ويلات كثيرة، وأدت إلى طرح المذهب الشيعي المتمثل بالإسلام الحقيقي بشكل مشوه، وبشكل ينفر منه الطبع الإنساني، بل والمنبع الصافي للإسلام، وأدت إلى الطعن بأئمة وشيعة أهل البيت ورميهم بالغلو والزندقة، واتهامهم بأنهم أهل باطن لا يعيرون للحياة الدنيا أي أهمية، فهم مذهب كهنوتي قنصوي أقرب من كونهم يطرحون الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجاء به القرآن الكريم، وهذا واضح لدى أبسط فرد احتك بشخص مسلم لم يطلع إلا على هذه الآراء الشخصية التي شذت عن علماء الطائفة وارتأت روايات خاصة يرويها بعض القنوصين كعلي بن حمزة البطائي وغيره.
لقد جاء الإسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور مبيّناً تفرد الله سبحانه وتعالى بالألوهية وما يتبعها من شؤون من إحياء وإماتة، ورزق وعلم كل شيء وغير ذلك، وإن هذا الرسول الذي أُرسل إليهم وظيفته تبليغ شرع الله سبحانه وتعالى ولا يملك من نفسه شيئا مما أضافت إليه هذه الأفكار الكهنوتية القنوصية، والإمام من بعده هو حافظ للشريعة عن الانحراف والانعطاف في المزالق والمهاوي المهلكة، لا يملكون لأنفسهم شيئاً ولا رزق ولا إماتة ولا إحياء ولا غير ذلك، وكل هذا هو خروج عن تعاليم السماء، والانعطاف بالرسالة من مسيرها الأصلي الذي جاءت به وهو ألوهية الله سبحانه وتعالى وحاكميته على الكون كله، وعليه تتفرع كل الأمور الأخرى من عبودية له، وتشريع مختص به وقدرة مختص بها، وتصرف بالشؤون ... وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى.
النقطة الرابعة: الركن الرابع:
إن الدين الإسلامي، والمذهب الشيعي يقرران بأن الله سبحانه وتعالى هو الإله المنفرد بالألوهية، وان الله سبحانه هو الذي تجب طاعته عقلاً وشرعاً، وان الله سبحانه وتعالى أرسل رسلاً مبشرين ومنذرين وتجب طاعتهم لأنهم رسل الله إلى البشر، وكذلك الإمام بعد النبي تجب طاعته لأنها طاعة لله وللنبي (ص)، فهذه هي السلسلة الحقيقة التي يجب الارتباط بها: الله، الرسول، الإمام. والله سبحانه وتعالى هو الإله المتفرد بشؤون الخلق والرزق والحاكمية والألوهية. والنبي والإمام قد عصمهم الله سبحانه وتعالى ولذلك وجبت طاعتهم لأنهم يمثلون الشريعة الإلهية الصادقة. وأما غير النبي والإمام فهم بشر حالهم حال غيرهم لا تجب طاعة أحد لأحد، ولا يجب الأخذ بكلام أحد دون أحد بل هم سواسية، والفقيه يرجع إليه في الأمور الفقهية الفرعية المرتبطة بأمور الدين لأنه من أهل الاختصاص ومن أصحاب هذا الشأن فأرجع الإمام إليه في الحكم والفتوى في الدين، وهو إنسان يخطئ ويصيب ليس معصوماً أو كاملا تاماً بحيث لا يتخطى الخطأ، وإنما هو بشر فيجري عليه ما يجري على البشر بعد أن عرفنا أن العصمة مختصة بأربعة عشر معصوماً لا غير، وهو وظيفته إرشاد الأمة إلى ما فيه الخير والصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولزوم الرجوع إليه باعتباره متخصصاً بالفقه واستنباط الأحكام الشرعية بعدما كان يعجز أي إنسان لم يمارس تلك الفنون معرفة الحكم الشرعي.
هذه هي عقيدة الشيعة في العالم المجتهد الفقيه، ولأجل ذلك جاز عندهم تعدد الفقهاء ووجود أكثر من واحد منهم في زمن واحد.
إلا أنا نجد الشيخية قد خالفوا ذلك، وادعوا أن هناك ما يمكن تسميته بالنيابة الخاصة، وأن الفقيه هو النائب عن المعصوم الخاص ويكون عالماً بكل ما يحتاج إليه الناس ويكون هو الواسطة بين الإمام والرعية، ويجب دعوة الخلق إليه، ولا يحق لغيره أن يتصدى للأمور العامة إلا بإذنه، ولأجل ذلك سموه بالناطق والنائب، والقطب، والركن الرابع... وغير ذلك من التسميات، وهو إنسان كامل تام.
قال الكرماني في رسالة أرسلها إلى كاظم الرشتي:
(اعتقادي أن من لم يعرف السابق عليه والباب الذي تجري منه جميع الفيوض لم يعرف شيئاً من التوحيد والنبوة والإمامة، وأنا عبدك الأثيم!! محمد كريم قد انقطعت من الدنيا كلها إليك.
إن الشيخ الأجل الأمجد كان قطب زمانه لتصريح النبي ـ ص ـ فيه: أنت قطب(*) !!
فالشيخ الأكبر هو الذي يعبد به الرحمن وتكتسب به الجنان؛ لأنه العقل. وقد رأينا أن الأمر بعده رجع إليك ظاهراً، فأنت نائبه بالنصّ الجلي منه، فإذن أنت الذي يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان، وأنت باب الله لا يؤتى إلا منه كما سمعت منك في الطيف!!
والآن يكون قرب ثلاث سنين إني جعلتك لوجهتي باب تجاهي في أوقات دعواتي وصلواتي وأقدمك بين يدي حوائجي وإرادتي في كل أحوالي وأموري، وأعتقد أن من لم يفعل هذا صلى إلى غير جهة القبلة والوجهة!!!
فإن كان كائن عليك لا أرانا الله ذلك فمن ولي الأمر بعدك ؟ ولو كان يجوز نبي بعد نبيا وادعيتم النبوة لم نطلب منكم معجزة، بل والله مع ذلك لو ادعيت ذلك الآن لصدقتك بلا معجزة!!!). إحقاق الحق: 168.
وهكذا كفر بعينه. فانظر إلى هذا الكلام حيث أشار فيه:
1ـ وجود الركن الرابع الذي هو خليفة الإمام، وهو الذي يكون القبلة، وهو الذي يعبد به الرحمن، ومن لم يقرّ بذلك يكن غير مدركاً لله ولا لرسوله ولا للإمام!!
2ـ إن الشيخ أحمد هو باب الإمام، وأن النبي ـ ص ـ نصه ذلك المنصب وقال له: أنت نائبي.
3ـ ان كاظم الرشتي هو نائب الاحسائي، وذلك رآه الكرماني في المناب (الطيف).
4ـ إن كاظم الرشتي لو ادعى النبوة لصدقه الكرماني بلا حاجة إلى معجزة!!
وأرى أن هذا الكلام لا يحتاج إلى تعليق؛ لأنه فاسد وباطل بأوضح البديهيات، لكن النقطة الأخيرة منه خطيرة جداً، حيث ان المعتقد بها يخرج عن الملّة لكونه غير معتقداً بختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وحشرنا مع محبيه، وهو خلاف البديهي من الدين الإسلامي.
وإذا انتقلنا مع الكرماني في كتابه ارشاد العوام نجده يصرح بكلام خطير جداً جداً لا يمكن لأي مسلم قبوله، وخلاصة كلامه المثبوت في الجزء الرابع هي: إن صاحب الزمان أو المهدي المنتظر (عج) قد مضى إلى حال سبيله، وانتفى موضوعه إن بالموت وإن بالغيبة، ولم يعد صالحاً للاستفادة منه بوجه من الوجوه، وعلينا أن نسعى لمعرفة الإمام الناطق الحي الذي يجب أن يكون بيننا لنراه ونحادثه، ونعرض عليه ما يحدث لنا من مشاكل ونطلب منه تلا فيها وإيجاد الحلول لها.
قال في ارشاد العوام 4 / 3: (فكيف استطيع مع لساني الكليل ويدي القاصرة ونفسي الضعيفة إن أحمل هذا الأمر على رقاب هؤلاء الناس المنكوبين الذي عاشوا في جاهلية الغيبة ألفاً وعشر سنين ونشأوا على الهدى والخيالات).
وقال في المصدر السابق 4 / 7: (إن حاكماً ـ يقصد الإمام المهدي عج ـ كان قبل ألف سنة لا يصلح اليوم ولا يمكن ضبط العالم والسيطرة عليه بحاكم قد ودع الدنيا)!!
فهنا يؤمن بأن المهدي(عج) قد ودع الدنيا!!
وقال في المصدر السابق 4 / 9: (إن وجود الحاكم بين الخلق ضروري لكي يروه ويسمعوا منه وإذا كان في الإمكان أن لا يروه فالأجدر بهم أن يكتفوا بالله الذي لا يرونه وعليه فقد اختفت ثمرة الحكومة وفائدتها إذا لم يروه ويسمعوه ويشكوا إليه داؤهم ويطلبوا منه العلاج لها. فما هو الفرق بين الإمام الغائب والله؟ فكلاهما غير مدرك.
وإذا استطاع الخلق اليوم أن يكتفوا بالله فقد استطاعوا الاكتفاء بالإمام الغائب؛ لأنه يتصرف في الملك وراء الستار وفي ظهر الغيب، والله كذلك فما الفرق بينهما؟
وإذا كان الحجة على الخلق تتم بالإمام الغائب؟ فما هي الحاجة إلى إرسال الرسل وتعرضهم للمشاق؟ فليبقوا وراء الغيب ويتصرفوا في العالم!!
وقد علمت بأنّ الحجة على الخلق لا تتم إلا بمشاهدة من يقيم عليهم الحجة، وأي حجة تمكن إقامتها والإمام غائب في الوقت الذي يولد فيه الناس ويموتون والإمام غائب؟
وإذا كان التاريخ والخبر كافيين كان وجود النبي وحده كافياً، ولم تكن هناك حاجة إلى أوصيائه الذي تحملوا في سبيل تأدية رسالته وحفظها ما لا يطاق من المصائب. ومن هذا يظهر أن الأحاديث والكتب السالفة لا تكفي).
وقال أيضاً 4 / 12: (وقد اتضح من هذا الفصل أنّ قوام بقاء هذا العالم ومداره هو الحاكم والمحكوم، إذ لا يمكن أن يخلو - إن ظاهراً وإن باطناً - من حاكم إلهي يقوم مقامه تعالى وينوب عنه، على أن يكون مشهوداً مرئياً، ونابهاً للغاية وذكياً، والتفت إلى أننا نوزع المطالب في هذا الكتاب ونفرقها على عدة أماكن ونقول في كل موضع شيئاً لئلا يحرم أهل الحكمة. ولئلا يلتفت فاقدو الأهلية وينتبهوا إلى جواهر وأسرار الحكمة الإلهية ويجدوا طريقاً إليها ولا قوة إلا بالله).
وقال في المصدر السابق 4: 13 (وبديهي أن الأستاذ الغائب والأستاذ الميت لا يعلم ولا يقبل تلاميذه، وهم لا يستطيعون أن يحصلوا منه على معرفة شيء كما لم تجر عادة الله بأن يتعلم أحد بهذا الشكل، وإذن فالواجب أن يكون في كل عصر أستاذ حاضر موجود).
وقال في 4 / 14: (ولم يكن من طبيعة هذا العالم ولا جرى العادة فيه أن يحصل الإنسان على العلم من الأموات، وأن يقنع بهم ويكتفي في التعليم).
وقد صرّح في موطن بعدم ضرورة عصمة الإمام، بينما يصرح في مكان بأن الركن الرابع معصوم!!
قال مصرّحاً بعد ضرورة عصمة الإمام: (وإذا لم يكن معصوماً فهو كأحد الناس ويجب أن يكون معصوماً في حفظ الدين على الأقل، ولو بمساعدة الغير إذا لم يكن معصوماً في كل شيء) المصدر السابق 6 / 94.
وقال مصرحاً بعصمة الركن الرابع: (وإذن فالإمام الغائب لا يجدي الناس نفعاً، وهم يريدون إماماً حياً حاضراً معصوماً) 4 / 7.
وهذا الكلام لا يمكن أن يقرّ به إنسان مسلم شهد الشاهدتين وآمن بالله ورسوله وأئمة أهل البيت عليهم السلام، إذ إن هذه المسألة ـ وهي القول بالركن الرابع، واتباعها يسمون الركنية وهي مختصة بشيخية كرمان الموجودين في إيران والعراق في البصرة وكربلاء ـ لم يرد بها دليل ولم تقم عليها حجة بل الدليل على خلافها؛ لأنه لا حاكمية لأحد بعد الله ورسوله ومن نصبه الله ورسوله وجعله هادياً ومعتمداً، ولم ينطق بها لسان الشرع أبداً، فضلاً عن جعل الركن هو الباب إلى الله ورسوله وأئمته، بحيث من لم يعرفه فهو لم يعرف التوحيد ولا النبوة ولا الإمامة، فإن في ذلك رمي للقائلين بشهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ـ ص ـ بالجهل وعدم الإيمان؛ لأنهم أخلوا بالتوحيد، وبالتالي هو إدخال شرط في التوحيد، وأن المسلم لا يصح منه توحيده ما لم يقرّ بالركن الرابع ويعترف له بالوجيه والبابية وغير ذلك ويكون فاقداً للشهادة ما لم يقرّ بذلك!!
وهذا تحميل لشريعة السماء بما لم تجئ به أصلا وإدخال شيء فيها لم يقله الله ورسوله وهذا يدخل ضمن المغالاة في الدين، والانحراف عن المسار الحقيقي الذي رسمته شريعة السماء والتي بينته في تعاليمها من لزوم الإيمان بالله والاعتقاد بوحدانيته وأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأنه أرسل رسله بالهدى مبشرين ومنذرين وأن آخرهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مبعوث للبشر كافة يحمل تعاليم السماء المتمثلة بالقرآن الكريم، وقد شرح الرسول ـ ص ـ ما خفي منه وما أجمل وبيّنه للناس، وعلى الناس اتباعه واقتفاء أثره، وقد نصب لهم إماماً بعده وأنه الذي يرشد الناس على الخير والصلاح ويحافظ على شريعة السماء من الانحراف، ويوضح ما خفي منهما وما أُجمل، وعلى المسلم القيام بتعاليم الإسلام من واجبات ومحرمات فمن التزم بذلك بالإيمان بالله ورسوله وعمل ما فرض عليه وانتهى عما نهي عنه عند ذلك يكون إنساناً مسلماً مؤمناً مستحقاً لدخول الجنة، وبقية الأمور مسائل مصطنعة لا تمت بصلة إلى الإسلام أصلا كالإيمان بالركن الرابع، وكالإيمان بأن الأئمة هم وجه الله وأنهم حملة العرش وأنهم يوجه إليهم المسلم في صلاته وأنهم يرزقون ويخلقون وإلى غير ذلك من المسائل التي لا ارتباط لها بتعاليم الإسلام الحنيف، وهي مسائل خارجة خروجاً تاماً عن جوهر الإسلام وحقيقته.
هذا هو الذي ينبغي للإنسان المسلم الالتزام به والاعتقاد به وأن يعيش الإسلام حقيقة واقعية يمارس حياته العملية اليومية، بحيث يراه يجري معه في العبادة الخاصة وفي المصنع والمعمل وفي الشارع وفي الدائرة، يراه يتعايش مع كافة جوانب الحياة التي هي كنهر جار لا يقف عند حدٍ، فعليه جعل الإسلام كذلك بحراً عذباً جارياً لا يقف عند حد وحدود، ولا يجعلوه طقوس كهنوتية تتعايش بالرموز أو الألغاز أو المنامات الليلة، والأحلام الخيالية، وحصر الإسلام العظيم الذي فيه الخير للبشرية دنياً وآخرة حصره بمفاهيم وألغاز أقرب للشعوذة منها إلى الواقعية، والتعامل معه كدين يعالج الروح أو يتعامل بعوالم الملكوت واللاهوت وما شابه ذلك من كلام لم ينزل به سلطاناً. الإسلام دين الفطرة السليمة والوجدان الصافي، والروح المعتدلة التي تعرف حقها وحق الجسد الذي هو بيتها التي تعيش فيه؛ جاء الإسلام ورسالته لخير الاثنين معاً لا واحداً منها. وأيضاً جاء بتعاليم كله سمحاء كما قال النبي ـ ص ـ جئتكم بالشريعة السهلة السمحاء، التي تعاليمها واضحة لكل أحد، لا تحتاح إلى عناء وتكلف، وتعاليمها فيها مرونة كاملة بحيث تسهل الأمر على العاجز والضعيف وصاحب الحاجة، لا تكلف الإنسان ما هو فوق طاقته (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، ولا يحمل الجريرة والتبعة على غير مرتكبها (كل نفس بما كسبت رهينة)، ولها حقوق وكيان واحترام، وعليها حقوق وأمور يجب أن تؤديها حفظاً لكيانها وحفظاً للكيان الاجتماعي الذي تعيش فيه، ليتعايش المسلمون فيما بينهم بود واحترام وكينونة ذات بناء محكم وشامخ؛ فلأجل ذلك جاءت تعاليم تنسجم مع الفطرة، وتنسجم مع العقل الإنساني هذا الكيان العظيم، فمن الظلم بعد ذلك تحميل رسالة السماء مسائل وأشياء لم ينزل الله بها سلطاناً، أو حصرها بيد أناس هم بشر يخطئون ويصيبون، ولا عصمة لهم بقول أو بفعل، وجعلهم مقياساً يقاس به تعاليم السماء، بدل عكس الأمور ومقايسة أفعالهم إلى الشرع المبين.
ومن الأمور المهمة التي تفتقدها الشيخية بقسميها مسألة التقليد؛ حيث إنهم لا يرجعون في الفروع إلى فقيه يقلدونه ويأخذون منه أحكام دينهم، وإنما يرجعون إلى أناس ليس لهم أهلية الفتوى. وفي الواقع أن هناك تلاعباً عند زعماء الشيخية يريدون الإقرار به الآن، وإنما أقر به الكرماني سابقاً حيث شجب مسألة التقليد، واعتقد بأن الإنسان يرجع مباشرة إلى روايات أهل البيت عليهم السلام من دون حاجة إلى تقليد فقيه أو مجتهد وكانت الأدلة عند الحاج محمد كريم خان تقتصر على الكتاب والسنة ويقول: (فالواجب تقليد آل محمد) فصل الخطاب: ص9.
وكان يقول: (ليس ثمة حاجة إلى الرسائل العملية فإن رسائل المشايخ الموجودة لديهم كافية، وهي عين متون أخبار آل محمد) فهرست كتب مرحوم شيخ أحمد أحسائي 1: 24، وقال: (ينبغي أن يقلص تجديد الرسائل والفتاوى المختلفة؛ لأن الدنيا يجب أن تسير نحو الوحدة والتكامل وتوحيد الكلمة) 1: 5 .
ودمتم في رعاية الله
مركز الأبحاث العقائدية