بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين الأئمة الهداة الميامين
واللعنة الدائمة على أعدائهم ومبغضيهم إلى قيام يوم الدين
أهم مشكلة واجهت المسلمين في الصدر الأول من الإسلام هي افتراق الأمة، وقد وردت النصوص القرآنية والروايات مؤكدة على هذا المفهوم الخطير الذي دَبَّ في أوساط المسلمين ، ومن هذه الروايات :
(لتفترقنّ هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة، والذي نفسي بيده إنّ الفرق كلّها ضالة إلا من اتبعني وكان من شيعتي). [أمالي المفيد].
وقد أخذت الفرقة ألواناً شتى، منها ما كان في الصدر الأول في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانت على شكل مواجهة للرسول في حال السلم والحرب وجاءت أغلبها من المنافقين والمتربصين والذين في قلوبهم مرض، ولكنها لم تؤثر أثرها البالغ في تشتت قوى المسلمين وذلك لوجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولكن ما الذي حدث بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
حدث اختلاف عظيم أوجد فراغاً عقائدياً، وبدأت مرحلة جديدة وهى مرحلة من يخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهو الخلاف في الإمامة الذي بدأت بوادره تظهر في مسألة الكتاب الذي أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتبه حتى لا تفترق الأمة ويحدث الضلال بعده.
فقد روى البخاري في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من كتاب الجهاد والسير، وروى مسلم في كتاب الوصايا، عن سفيان عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير أنّه سمع ابن عباس يقول: يوم الخميس، وما يوم الخميس. ثمّ بكى حتّى بلّ دمعه الحصى، قلت: يا ابن عباس، ما يوم الخميس؟ قال: اشتدّ برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه، فقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً. فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع، فقالوا: ما له أهجر؟! استفهموه. فقال: ذروني فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تدعوني إليه - الحديث - [صحيح البخاري: ج 4 ص 85؛ صحيح مسلم: ج 5 ص 75].
وروى البخاري في باب كتابة العلم من كتاب العلم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لمّا اشتدّ بالنبيّ (صلى الله عليه) [وآله] وجعه، قال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده). قال عمر: إنّ النبيّ غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط، فقال: (قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع). فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه) [وآله] وبين كتابه. [صحيح البخاري: ج 1 ص 39].
وبعد وفاته (صلى الله عليه وآله) بدأت تطرح مسألة الإمامة بأبعاد متعدّدة فهل هي شورى أم نصّية،وهل هي في قريش أو المهاجرين أو الأنصار؟
والعجيب أنّ هذا الاختلاف الذي اختلقته الأهواء والشهوات حدث مع وجود الروايات التي بلغت حد التواتر في خلفاء الرسول، بل وأمام من سمع من الرسول روايات في حق وصيّه علي بن أبي طالب (عليه السلام) كحديث الغدير وغيره من الأحاديث، ومع كل هذا حدث انشطار عظيم وتفرقت الأمة وظهرت المذاهب ونشأت الفرق مما أدى إلى هتك الحرمات والحروب والنزاعات التي ينقلها لنا تاريخ الإسلام والمسلمين.
وقبل أن ننتقل إلى بحث الإمامة، وأسباب التفرق في عهدهم لابد من التعرض لظاهرة ظهرت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وهي ظاهرة الوقف التي امتدت بعد ذلك لتشكل خطراً عظيماً بعد وفاة الإمام الكاظم (عليه السلام)، فبعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) أنكر عمر بن الخطاب موته كما يذكر ابن أبي الحديد حيث قال:
لما مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشاع بين الناس موته طاف عمر على الناس قائلاً: إنه لم يمت ولكنه غاب عنا كما غاب موسى عن قومه وليرجعنّ فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون إنّه مات، فجعل لا يمر بأحد يقول إنّه مات إلا يخبطه ويتوعّده، حتى جاء أبو بكر فقال: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات ومن كان يعبد ربّ محمد فإنّه حيٌّ لم يمت، ثم تلا قوله تعالى: (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم)، قالوا فوالله لكأنّ الناس ما سمعوا هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، وقال عمر: لما سمعته يتلوها هويت إلى الأرض وعلمت أنّ رسول الله قد مات. [نهج البلاغة: ج 1 ص 179].
فهذه الظاهرة تعتبر البذرة الأولى لنشوء ظاهرة الوقف في تاريخ الإسلام إذ ابتدأت برسول الله (صلى الله عليه وآله).
ثم تحولت هذه الظاهرة الفردية لتظهر ثانياً بشكل جماعة وفرقة وهي الطائفة التي تسمى بالسبأية وهي أول فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي (صلى الله عليه وآله) من هذه الأمة، وأيضاً هذا مذهب الحربية، وكلتا الطائفتين تدّعي أنّ علياً لم يمت وإنّه حيّ وانّه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض.
وأيضاً بعد وفاة الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) افترق أصحابه فرقتين فرقة قالت بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وزعموا أنّه المهدي وإنّه القائم، وإنّه لم يقتل، وهو حيّ مقيم بجبل يقال له العلمية وهو في طريق مكة ويستدلون على ذلك بأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قال القائم المهدي اسمه اسمي وأسم أبيه اسم أبي.
وفرقة وقفت على الإمام الباقر (عليه السلام) وقالوا بأنه حي لم يمت ودليلهم: أن عليّاً نصَّ على إمامة الحسن ونص الحسن على إمامة أخيه الحسين ونص الحسين على إمامة ابنه علي زين العابدين ونص علي بن الحسين على إمامة محمد المعروف بالباقر، وزعموا أنّه المهدي المنتظر بما رُوي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال لجابر بن عبد الله الأنصاري أنّك تلقاه فأقراه مني السلام...
ثم الوقف على جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم أجمعين) قال النوبختي: ففرقة منها قالت أنّ جعفر بن محمد حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وأنّه المهدي وزعموا أنّهم رووا عنه أنّه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه فإنِّي أنا صاحبكم، وأنّه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عني أنّه غسلني وكفنني فلا تصدقوه فإنّي صاحبكم صاحب السيف.
وهذه الفرقة تسمى الناووسية وسميت بذلك لرئيس لهم من أهل البصرة يقال له فلان بن فلان الناووسي.
الوقف على الإمام الكاظم (عليه السلام)
(أقوى مراحل الوقف عنفاً ضدّ النصوص ونسف معتقد الإمامة)
بعد أن قبض الإمام الكاظم (عليه السلام) ظهرت طائفة وأنكرت موته وقالت بأنّ الصادق (عليه السلام) قال لبعض أصحابه عدّ الأيام، فعدّها من الأحد حتى بلغ السبت فقال له: كم عددت؟ فقال: سبعة. فقال الصادق: سبت السبوت وشمس الدهور ونور الشهور من لا يلهو ولا يلعب وهو سابعكم هذا، وأشار إلى ولده موسى الكاظم...
واتساع هذا المعنى من الوقف بلغ ذروته في عهد الكاظم (عليه السلام) بحيث لم يحدث في عهد أي إمام من الأئمة ما حدث بعد وفاة الكاظم (عليه السلام)، وبدأت هذه الظاهرة تتخذ لباساً جديداً حيث بدأ دور تحريف الروايات وتأويلها وكل هذا حدث لأسباب عديدة:
1 - تطور هذه الظاهرة التي بدأت بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) مروراً على ستة من الأئمة (عليهم السلام) فتطور هذا النوع من الاعتقاد.
2 - الأموال التي تجمعّت عند الوكلاء فكان هذا العامل له دور مهم جداً في التحريف والتلاعب بالروايات، والمال كما قيل يسيل له لعاب الرجال وله دور كبير في البناء والإفساد، إذ هو سلاح ذو حدين فيمكن استخدامه في الشر كمحاربة الدين وعلمائه ، ويمكن استخدامه في الخير كمساعدة الفقراء والمساكين، والقرآن الكريم قدّمه على البنين لأهميته عند الناس، قال تعالى: (إنّما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجرٌ عظيمٌ)، وعن النبي (صلى الله عليه وآله): (لكلّ أمةٍ فتنة، وفتنة أمتي المال).
3 - الحالة المأساوية التي كان يعيشها الشيعة، والاضطهاد من السلطة الباغية الطاغية في ذلك العهد.
4 - اعتقاد أكبر عدد من الصحابة بهذا المعتقد.
وقد أنكر الكثير من الأصحاب إمامة الرضا (عليه السلام) فانطلق رجال الواقفة لتأسيس هذا المذهب الفاسد وكان منهم بعض وكلاء الإمام الكاظم (عليه السلام) حيث تجمعت عندهم الأموال الكثيرة فطمعوا بها ومالوا إلى الدنيا واستمالوا بعض الناس حيث بذلوا لهم الأموال وكان منهم علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي.
الوقف على الإمام العسكري (عليه السلام)
وعادت الظاهرة هذه المرة بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام)، فبعد وفاته وعدم من يقوم مقامه ظاهراً لاختفاء ولادة الحجة (صلوات الله عليه) لظروف خاصة وأنه لم يطلع على ذلك إلا الخواص، افترق أصحابه بعده إلى فرق:
1 - منهم من قال بأنه حي لم يمت، ودليله على ذلك أنّ الإمام لا يجوز أن يموت وليس له ولد، والأرض لا تخلو من حجة وإمام، وأن للقائم غيبتين وهذه غيبته الأولى ثم يظهر للناس وبعدها يغيب غيبةً أخرى.
2 - ومنهم من قال بأنّه مات وعاش بعد موته، وهو القائم المهدي، ودليلهم هو: أنّهم قالوا روينا أنّ معنى القائم هو أنّه يقوم من بعد الموت، ويقوم ولا ولد له، ولو كان له ولد لصح موته، وبما أنّه لا ولد له ظاهراً ولم يوص فهو الإمام.
وقالوا: إنا قد روينا أنّ القائم إذا بلغ الناس خبر قيامه قالوا: كيف يكون فلان إماماً وقد بليت عظامه، فهو اليوم حي مستتر ولا يظهر وسيظهر ويقوم بأمر الناس ويملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً.
وأنت ترى كيف أنّهم يؤولون الروايات ويستندون بذلك لما رووه أو لما سمعوه، ولعلهم تمسكوا بما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنّه قال في خطبه (اللهم إنّك لا تخلي الأرض من حجّة لك أمّا ظاهر مشهور أو باطن مغمور لئلا تبطل حججك وبيناتك).
3 - وهناك فرق أخرى ولكن لم يظهر منها الوقف فالوقف لم يظهر إلا من فرقتين كما بيناه.
والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين الهداة الميامين