عن الموقع | اتصل بنا | أسئلة متكررة | أضفنا للمفضلة | أعلن عن موقعنا

:: الصفحة الرئيسية :: 

  أبحاث و مقالات

     الألف

     ب

     ت

     ث

     ج

     ح

     خ

     د

     ذ

     ر

     ز

     س

     ش

     ص

     ض

     ط

     ظ

     ع

     غ

     ف

     ق

     ك

     ل

       اللعن

     م

     ن

     هـ

     و

     ي

     متفرقات

  مواضيع مميزة

  أشرطة سمعية

  صور و وثائق

  مواضيع خفيفة

  قسم البرامج

  مواقع صديقة

  إصدارات الموقع

 البحث في الموقع

أبحاث و مقالات » ل » اللعن

آخر تعديل: 20/07/2009 - 4:12 ص

 اللعن والبراءة عقيدة إسلامية.. حاول الأمويون تحريفها
  كتبه: العاملي | 12:54 ص | 12/03/2005

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(من كتاب جواهر التاريخ ج2 -الفصل الحادي عشر)

خطة معاوية في إجبار الناس على سب علي عليه السلام ولعنه !

لماذا اختار معاوية سياسة أجبار الناس على سب علي عليه السلام ولعنه والبراءة منه؟ مع أنه سياسي محنك ، يعرف أن هذا مشروع حادٌّ عنيف ، باهضُ التكاليف ؟

فمهما يكن علي بن أبي طالب عليه السلام في رأيه ، فهو ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وعضده ، وهو بشهادته عالم شجاع ، صاحب فضائل ! وهو محبوب من أوساط واسعة من المسلمين ، ومنهم من يعتقدون أنه إمامٌ رباني ووصي النبي صلى الله عليه وآله بأمر الله تعالى .

فما الداعي لمعاوية لأن يجعل لعنه والبراءة منه (فريضة)على الناس بمرسوم خلافي ، ويشدد على ولاته في تنفيدها على منابر الجمعة وقصور الحكام ، ويأمرهم يمتحنوا بها الناس ويقتلوا من لا ينفدها ، أو يعترض عليها ؟!

لقد بذل معاوية لذلك جهوداً كبيرة وأموالاً طائلة ، وسخر له أجهزة الدولة وأئمة المساجد ، وشغل به الناس وامتحنهم ، وقتل بموجبه الألوف المؤلفة !

فلماذا كان يراه أمراً ضرورياً حتى لو بلغت نفقاته المالية ملايين ، وبلغت كلفته السياسية توترات في البلاد ومشكلات ، وسفكاً للدماء .

قبل أن نصل الى السبب الحقيقي عند معاوية ، فلنقرأ هذه الأولوية المطلقة التي أعطاها للمشروع ، فجعله أهم من كل مشاريع الأمن والإعمار والفتوحات !

قال الطبري في تاريخه:4/187: (أن معاوية بن أبي سفيان لما ولَّى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة41 ، دعاه فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال: أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا...وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة ، فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني ، ويسعد سلطاني ويصلح به رعيتي ، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة: لاتتحم عن شتم عليٍّ وذمه ! والترحُّم على عثمان والاستغفار له ، والعيب على أصحاب عليٍّ والاقصاء لهم ، وترك الاستماع منهم! وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والإدناء لهم والاستماع منهم .

فقال المغيرة: قد جَرَّبْتُ وجُرِّبْتُ وعملتُ قبلك لغيرك ، فلم يذمم بي دفع ولا رفع ولا وضع ، فستبلو فتحمد أو تذم . قال: بل نحمد إن شاء الله ) . ( وتاريخ الكوفة ص315 وجمهرة خطب العرب:2/184، والمنتظم:5 /241 ، رواه مبتوراً ، والنصائح الكافية ص100)

قال أحمد بن حنبل في مسنده:1/189: (لما خرج معاوية من الكوفة استعمل المغيرة بن شعبة قال: فأقام خطباء يقعون في عليٍّ ، قال: وأنا إلى جنب سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل(ابن عم عمر بن الخطاب) قال: فغضب فقام فأخذ بيدي فتبعته فقال: ألا ترى إلى هذا الرجل الظالم لنفسه ، الذي يأمر بلعن رجل من أهل الجنة فاشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم ! قال قلت: وما ذاك؟ قال قال رسول الله(ص):أثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ، قال قلت: من هم ؟ فقال رسول الله: وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى والزبير وطلحة و عبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك . قال: ثم سكت ، قال قلت: ومن العاشر ؟ قال: قال أنا) . انتهى .

أقول: بقطع النظر عن رأينا في هذا الحديث المعروف باسم (حديث العشرة المبشرة) ، فإن مقدمته تدلك على شدة حرص معاوية على تنفيذ مشروعه ، وسرعة إطاعة المغيرة لأمره ، وابتدائه بتعيين خطباء من العلماء والرواة ، برواتب من بيت المال ، وكل عملهم أن يجلسوا في المساجد والبيوت والساحات ، ويخطبوا في الناس ، ويدرِّسوهم ، ويرووا لهم أي شئ فيه سب عليً عليه السلام وذمه وشتمه ، وأي شئ مدح عثمان ومعاوية وبني أمية !

وقد روى هذا الحديث عدد من مصادرهم وصححوه: كالنسائي في فضائل الصحابة ص32 ، كرواية أحمد ، وفي ص27، بنحوه وفيه: (فقلت ألا تعجب من هذا الظالم أقام خطباء يشتمون علياً ! فقال: أوَقد فعلوها ؟!) وفي سننه:5/55 ، بنحوه ، وفي ص59 ، كرواية أحمد . وابن أبي عاصم في السنة ص604 ، بنحو رواية أحمد . وأبو يعلى:2/258، بنحوه . وخيثمة الأطرابلسي في مسنده ص201، كما في أحمد . وابن حبان:15/457، بنحوه ، وكنز العمال:13/249، وتاريخ دمشق:21/75، و:35/273، , و:60/253، وتهذيب الكمال:15/136، والنهاية:7/393 ، وغيرها).

هدف معاوية: رد اللعن على بني هاشم !

لم ينس معاوية أن نبي بني هاشم صلى الله عليه وآله حتى الأمس كان يلعن أبا سفيان وبني أمية وزعماء قريش ، المتحالفين معه ضد بني هاشم ، ويسميهم أئمة الكفر !

لقد أعلن محمد بن عبدالله أنه نبي مرسل من ربه ، وأن على الجميع الإيمان به وطاعته ، فكذبه زعماء قريش ، فأقنع محمد أهل يثرب اليمانيين بدعوته ، وتحالف معهم ضد قومه ، ونزل قرآنه بلعنهم وسبهم ، وربَّى من اتبعه على ذلك ، في قنوت صلواته وفي آيات قرآنه !

كيف ينسى معاوية آيات القرآن التي كان يتلوها النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنون فتدوي بها جنبات المدينة ، ويكتبها العرب فيرددونها في أحيائهم وحدائهم لإبلهم ! وفيها الحملات الشعواء على المكذبين لمحمد ووصفهم بأبشع الأوصاف ! حتى الطعن في نسبهم وأمهاتهم فقال: ( فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ . وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ . وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ . هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ . أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ . إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَلِينَ . سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ).(القلم:8-15)

وكيف ينسى ان محمداً جَرَّأ العوام على الخروج على طاعة أبي سفيان وبقية زعماء القبائل ، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا . يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا . وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا . رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا . (الأحزاب:57-68)

وحتى بعد أن انتصر محمد صلى الله عليه وآله وفتح مكة وخضع له أبو سفيان وزعماء قريش لم يقنعه ذلك ، فنزلت عليه سورة التوبة وهاجمتهم وسمتهم منافقين: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ). (التوبة:67-68) .

وسمتهم (أئمة الكفر) وجعلت قتالهم فريضة دينية ، فقال: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ . أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) .( التوبة:12-14) .

ثم هاجمهم في مكة فغلبهم ، وسماهم الطلقاء أي أسرى الحرب العبيد له ولأهل بيته ، أطلقهم ولم يعتقهم ليبقوا على ملكيته ، بينما سمى أسرى أهل الطائف العتقاء فهم أحسن منهم درجة ، وجعل ولاءهم لبعضهم وفصلهم عن المسلمين الى يوم القيامة ! فقال: (المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة)!

( مسند أحمد:4/363 ، وهو صحيح على شرط الشيخين. راجع بحث المؤلفة قلوبهم والطلقاء)

وسمى بني أمية وهم برأي معاوية معدن الحق والملك في قريش والعرب ، سماهم الشجرة الملعونة ، ووصفهم بأنهم كإبليس يحسدون النبي وبني هاشم ! (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا . وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ اسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا . قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلاً . قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا .(الإسراء:60-63) .

ثم ادعى القرآن أنهم إذا استعادوا حقهم وحكموا من بعده سيفسدون ويقطعون رحمهم مع بني هاشم ، فقال: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ . (محمّد:22-23)

وقد تقدم قول معاوية لابن عباسفإنا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته فكفَّ لسانك ! فقال: يا معاوية أتنهانا عن قراءة القرآن؟! قال: لا . قال: أتنهانا عن تأويله ؟! قال: نعم . قال: فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به؟ ثم قال: فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟ قال: العمل به . قال: فكيف نعمل به ولا نعلم ما عنى الله ؟ ! قال: سل عن ذلك من يتأوله غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك ! قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان ؟!! يا معاوية أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام؟! فإن لم تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف . قال: إقرؤا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئاً مما أنزل الله فيكم وارووا ما سوى ذلك) !! (الإحتجاج:2/16)

وكيف ينسى معاوية أن النبي صلى الله عليه وآله واجهه وأباه وأخاه ، فلعنهم مباشرةً في أكثر من مناسبة ، فتحملوا وكظموها ! وهذا أبو ذر الغفاري والحسن بن علي وأمثالهم يواجهون معاوية بأن النبي لعنه ودعا عليه ! ويروون أنه لعن أبا في سبعة مواطن حفظها الناس ورووها ! يوم هاجر النبي وجاء أبو سفيان من الشام ، فسب النبي وأوعده وهم أن يبطش به . ويوم بدر . ويوم أحد . ويوم حنين حيث ائتمر مع هوازن واليهود ، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيراً... ويوم الحديبية إذ صدوا النبي والمسلمين عن العمرة . ويوم الأحزاب إذ جاء أبو سفيان بجمع قريش فلعن رسول الله القادة والأتباع والساقة إلى يوم القيامة . فقيل له: يا رسول الله أما في الأتباع مؤمن؟ قال: لا تعيب اللعنة مؤمناً من الأتباع ، أما القادة فليس فيهم مؤمن ولا مجيب ولا ناج . ويوم العقبة في رجوع النبي صلى الله عليه وآله من تبوك إذ تآمر لقتله اثنا عشر رجلاً ليقتلوه سبعة منهم من بني أمية ، وخمسة من سائر قريش ، فلعن الله ورسول الله من حل الثنية غير النبي صلى الله عليه وآله وسائقه وقائده . (الإحتجاج:1/401 ، مختصراً)

وفي الترمذي:4/295 ، عن عمر: (قال: قال رسول الله يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام ، اللهم العن صفوان بن أمية). وفي البخاري:5/35 ، أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول في قنوت صلاة الصبح: (اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً).انتهى.

وقد تقدمت الأحاديث في لعن النبي صلى الله عليه وآله لأبي سفيان ومعاوية وبني أمية .

قد تسأل: كيف يكون لعن علي عليه السلام برأي معاوية رداً على لعن النبي صلى الله عليه وآله ولعن القرآن لأبي سفيان وأئمة المشركين ؟

والجواب: يجب أن تعرف أن علياً عليه السلام يمثل تحدي الإسلام وتحدي النبي صلى الله عليه وآله للمكذبين المشركين ، فهو سيف محمد صلى الله عليه وآله الذي جندل أبطال قريش وزعماءها ، وأذاقها مرارات الثكل والهزيمة ، وبما أنها لاتستطيع أن تعلن تأزمها وبغضها النبي صلى الله عليه وآله صراحة ، فهي تعلنه على علي وبني هاشم ! وقد تقدم قول عثمان لعلي عليه السلام : (ما أصنع بكم إن كانت قريش لاتحبكم وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين كأن وجوههم شنوف الذهب ، تشرب آنافهم قبل شفاههم)! (تاريخ دمشق:3/116 ، والمنمق ص35، وشرح النهج:9/22 ، وتذكرة ابن حمدون ص1567 ، ونثر الدرر للآبي ص259).

لاحظ جيداً قوله: ( لا تحبكم... قتلتم..) ومعناه أن الجريمة في بني هاشم وهم المسؤولون عنها ، لافرق بين أن يكون القاتل علي أو النبي صلى الله عليه وآله !

فالموضوع بنو هاشم ، والموجود منهم ورئيسهم الذي مثَّل في عهد النبي كل التحدي العسكري لزعامة قريش بقتل عشرات زعمائها وصناديدها ، هو علي عليه السلام !

لذا كان من الضروري عند معاوية تدمير شخصية علي بن أبي طالب وأهل بيته ، فأعطي لمشروع إسقاطه الأولوية على كل مشاريع الأمبراطورية الأموية ، وكان يسميه أبا تراب ، ويصفه بأقذع الأوصاف !

وقد تسأل: وهل معنى هذا أن معاوية كان يخطط لإسقاط شخصية النبي صلى الله عليه وآله وضرب الإسلام ؟!

الجواب: ولماذا لا ؟ أليس هو وأبوه صرَّحا برفضهما للأذان لأن النبي صلى الله عليه وآله بزعمهما وضع إسمه مع إسم الله تعالى! فقال أبوه: أنظروا الى أخي بني هاشم أين وضع إسمه ، وقال معاوية: وهل يبقى لأحد مع هذا ذكر ، لا والله إلا دفناً دفناً !

وهل يكون الدفن إلا بدفن علي أولاً ؟!

وقد تقول: معنى هذا أن نتهم معاوية في عقله ، لأنه لايمكنه دفن ذكر النبي صلى الله عليه وآله الذي يقوم ملك معاوية على إسمه ودينه !

والجواب: أنظر الى تصورات معاوية الخيالية عن ولده يزيد ووصيته له ، لتعرف أنه كان يفكر في الفراغ ، فالذي يتعب نفسه أربعين سنة في تأسيس إمبراطورية ، ثم يسلمها الى ولد أهوج كيزيد فيقضي على ذكر آل أبي سفيان في سنتين ويمسح بهم الأرض ! إنما يعيش في خيال العظمة الكاذب ، ويتصور أن بإمكانه أن يرفع شخصية أبي سفيان وشخصيته الى الأسرة المختارة لخلافة الله في أرضه ، وبإمكانه أن ينقص من شخصية محمد وبني هاشم ، حتى ينساهم الناس ويصير القرآن نازلاً على معاوية ، ألس هو كاتب الوحي وأمين الله على وحيه ؟!

اختار معاوية اللعن بالذات لأنه سلاح ديني؟

اللعن سلاح ديني ، استعمله الله تعالى ضد إبليس وأتباعه منذ أهبط الله آدم عليه السلام الى الأرض . وهو يعني غضب الله تعالى وطرد الملعون من رحمته !

وبعد آدم عليه السلام كان الأنبياء يستعملونه بتوجيه ربهم ضد الكافرين المطرودين من رحمة الله . وقد استعمله النبي صلى الله عليه وآله بتوجيه ربه ضد أنواع من المكذبين والمنافقين والعاصين . فكان له وقع عظيم عليهم ، لأن اللعن في ثقافة العرب الوثنية اليهودية أمر كبير يثير أعصابهم !

ويصعب علينا أن نحدد بالضبط من أين جاءت هذه العقيدة عند العرب في اللعن ، لكن يكفي دليلاً على عمقها في ثقافتهم أنهم اختاروا عبارة: (أبيت اللعن) ، تحية لملوكهم ! أي أبيت أن تفعل ما يوجب لك اللعن ، بينما اختاروا تحية لعامتهم: عِمْ صبحاً ، أي أنعم صباحاً !

قال ابن منظور في لسان العرب:14/5: ( كانت العرب يحيي أحدهم الملك يقول أبيت اللعن . وفي حديث ابن ذي يزن: قال له عبد المطلب لما دخل عليه: أبيت اللعن ، هذه من تحايا الملوك في الجاهلية والدعاء لهم ، معناه: أبيت أن تأتي من الأمور ما تلعن عليه وتذم بسببه).

وفي:13/387: (واللعن: الإبعاد والطرد من الخير، وقيل: الطرد والإبعاد من الله ، ومن الخلق السب والدعاء... وقوله تعالى: بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ ، أي أبعدهم . وقوله تعالى: وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ، قال ابن عباس: اللاعنون كل شئ في الأرض إلا الثقلين... قال الأزهري: اللعين المشتوم المسبب ، واللعين: المطرود.. واللعين: الشيطان ، صفة غالبة لأنه طرد من السماء ، وقيل: لأنه أبعد من رحمة الله . واللعنة: الدعاء عليه). انتهى. وتعميمهم للاعنين لادليل عليه ، بل الصحيح أن اللاعنين هم الذين لهم من الله حق اللعن ، ابتداء أو إمضاء .

وفي:12/641: (عن ابن الأعرابي ، قال: ويقال أنعم صباحاً وعم صباحاً بمعنى واحد . قال الأزهري: كأنه لما كثر هذا الحرف في كلامهم حذفوا بعض حروفه لمعرفة المخاطب به ، وهذا كقولهم: لاهمَّ ، وتمام الكلام اللهم). وفي فتح الباري:6/391وقيل إن قحطان أول من قيل له أبيت اللعن وعم صباحاً).

وقد استبدلها الإسلام بالسلام ، ففي كنز الفوائد للكراجكي ص75: (ومن ذلك أن صفوان بن أمية وعمرو بن وهب الجعفي قالا: من لنا بمحمد ؟ فقال عمرو بن وهب: لولا ديْنٌ عليَّ لخرجتُ إلى محمد حتى أقتله ! فقال صفوان: عليَّ دينك ونفقة عيالك إن قتلته ! فخرج حتى قدم المدينة فدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أنعم صباحاً أبيت اللعن . فقال النبي صلى الله عليه وآله :قد أبدلنا الله بها خيراً منها . قال: إن عهدك بها حديث . قال: أجل ، ثم أكرمنا الله بالنبوة . ثم قال: يا عمرو ما جاء بك؟ قال ابني أسير عندكم! قال: لا، ولكنك جلست مع صفوان ! ثم قص عليه الذي قال ! فقال عمرو: والله ما حضرنا أحد ، وما أتاك بهذا إلا الذي يأتيك بأخبار السماء ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله). انتهى .

فمعاوية إذن أمام سلاح استعملته الأديان ، واعتقد به العرب بعمق، وحرصوا على تبرئة ملوكهم وتنزيههم عنه ، فهدفه أن يرد على بني هاشم السلاح الذي استعملوه ، فيجعل لعن علي عليه السلام وأهل بيته ، ديناً يتربي عليه المسلمون ، ويترسخ في ثقافتهم وأجيالهم ، ويقابله مدح بني أمية وأنهم أهل لشعار (أبيت اللعن) !

مفهوم معاوية وقريش للعن يختلف عن المفهوم الإسلامي

المفهوم الإسلامي للعن أنه حكم إلهي بطرد شخص شرِّير من رحمة الله تعالى ، وهو كأي حكم لايثبت إلا بإخبار وتبليغ من النبي صلى الله عليه وآله ، وهذا الإخبار لايكون إلا بوحي الله تعالى ، فيكون معنى قوله صلى الله عليه وآله : لعن الله فلاناً ، أن الله أخبرني أنه صدر فيه حكم الطرد من رحمته ، وها أنا أخبركم . فاللعن لا يتحقق إلا بإخبار معصوم .

أما إنشاء اللعن بقولك: لعن الله فلاناً ، فمعناه أني ألعن من لعنه الله تعالى ، فإن كان الشخص صدر لعنه من الله تعالى فقد وقع لعنك في محله ، وإلا فهو مجرد ادعاء منك ، ليس له أي أثر !

أما في مفهوم معاوية وقريش ، فاللعن إنشاءٌ ، وله تأثير وضعي(أوماتيكي) من أي شخص صدر ! وقد أخذوه من ثقافتهم الوثنية ، وثقافة اليهود ، كما ستعرف !

وقد أصروا على ذلك وادعوا أن لعن النبي صلى الله عليه وآله لزعماء قريش المشركين كان عملاً من عند نفسه ، وأن الله تعالى وبَّخَه على ذلك وأنزل عليه آية (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَئٌْ) فندم ودعا الله أن يجعل لعنته لقريش وظلمه لهم (صلاةً وقربةً ، وزكاةً وأجراً ، وزكاةً ورحمةً ، وكفارةً له يوم القيامة ، وقربةً تقربه بها يوم القيامة ، ومغفرةً وعافيةً ، وكذا وكذا .. وبركةً ورحمةً ومغفرةً وصلاةً .. على حدِّ تعابيرهم )! وقد رووا ذلك بعشرات الروايات ودونوها في أصح كتبهم (البخاري:7/157) ! فصار الملعونون على لسان النبي صلى الله عليه وآله بهذه الأدعية أربح وأفضل من غيرهم !

لكن مع كل ما قاله القرشيون لتهوين اللعن ، فإن حساسيتهم منه عالية متأثرة بالمفهوم الجاهلي ، حتى لو أن شخصاً لعن بعيراً لنفروا منه ، لأنه حلت فيه اللعنة وصار مشؤوماً ، ولم يستفيدوا منه ! ولم يرافقوه ، على حاجتهم الشديدة اليه !

وقد فعل ذلك عمر ! ففي مصنف ابن أبي شيبة:6/163 بسند صحيح عندهم: (بينما عمر يسير في أصحابه وفي القوم رجل يسير على بعير له من القوم يضعه حيث يشاء فلا أدري بما التوى عليه فلعنه ، فقال عمر: من هذا اللاعن؟ قالوا: فلان ، قال: تخلف عنا أنت وبعيرك ، لا تصحبنا راحلة ملعونة) !! (وكنز العمال:3/877).

ثم نسبوا ذلك الى النبي صلى الله عليه وآله فرووا في صحيح مسلم:8/ 23: (بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم إذ بصرت بالنبي(ص)وتضايق بهم الجبل فقال: حِلّْ ، اللهم العنها ! قال فقال النبي(ص): لاتصاحبنا ناقة عليها لعنة) ! وقال النووي: (وفي رواية: لاتصاحبنا راحلة عليها لعنة من الله تعالى) ( الأذكار النووية ص352).

وفي مجمع الزوائد:8/76: ( وعن أنس بن مالك قال سار رجل مع النبي فلعن بعيره فقال النبي(ص): يا عبد الله لاتسر معنا على بعير ملعون . رواه أبو يعلي والطبراني في الأوسط بنحوه ورجال أبي يعلي رجال الصحيح . وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله(ص)في مسير فلعن رجل ناقة فقال: أين صاحب الناقة؟ فقال الرجل: أنا . فقال: أخرها فقد أجبت فيها . رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح). انتهى .

وفي فيض القديرللمناوي:1/441: (عن أبي هريرة)وهو مما بيض له الديلمي بإسناد ضعيف ، لكن يقويه رواية الديلمي له بلفظ: إذا أحرم أحدكم فليؤمن على دعائه إذا قال اللهم اغفر لنا ، فليقل آمين ، ولا يلعن بهيمة ولا إنساناً ، فإن دعاءه مستجاب).

فهذه أربعة أحاديث (صحيحة) عندهم تؤيد فعل عمر ! وتدل على أن اللعن أمرٌ إنشائي ، وأن الجارية أو الرجل إذا لعنا شخصاً أو حيواناً ، فقد حلت عليه اللعنة الإلهية وسكنت في دمه وروحه ، وصار مشؤوماً ! ويوصي الرابع منها المحرم أن لايلعن ، لأن دعاءه مستجاب ، ولعنته لحيوان أو شخص تجعله شراً محضاً !

قال الطبراني في كتاب الدعاء ص576: ( عن عمران بن حصين قال: لعنت امرأة ناقة لها فقال النبي(ص)إنها ملعونة فحِلُّوا عنها ! (أي حلوا رباط حملها وخذوه عنها) قال: فلقد رأيتها تتبع المنازل ، ما يعرض لها أحد ، ناقة ورقاء) ! انتهى.

وهكذا صارت الناقة الورقاء الجيدة ملعونة يجب تركها ، وأن يبتعد عنها الناس حتى لايتعرضوا لشر اللعنة الإلهية التي حلت فيها ! هذا هو الإسلام عندهم !

وأكثر من هذا ، فقد قال ابن رجب الحنبلي في شرح حديث لبيك ص47: (وكان بعض السلف لا يدخل بيته بشئ ملعون ، ولا يأكل من بيض دجاجة يلعنها ، ولا يشرب من لبن شاة لعنها ! قال بعضهم: ما أكلت شيئاً ملعوناً قط . وذكر ابن حامد من أصحابنا عن أحمد قال: من لعن عبده فعليه أن يعتقه ، أو شيئاً من ماله أن عليه أن يتصدق به ! قال: ويجئ في لعن زوجته أنه يلزمه أن يطلقها). انتهى .

مدحوا رواتهم وعلماءهم بأنهم لايلعنون شيئاً

وفي طبقات ابن سعد:7/223: أن النكري: (حدث أن أبا الجوزاء لم يلعن شيئاً قط ولم يأكل شيئاً لُعن قط ، قال: حتى إن كان ليرشو الخادم في الشهر الدرهم والدرهمين حتى لاتلعن الطعام إذا أصابها حر التنور) !! (وحلية الأولياء:3/ 79).

وهكذا يمكنك أن تشتري مصيرك من الطباخة بدرهمين ، حتى لاتطعمك طعاماً أو خبزاً ملعوناً فيجري في دمك وتكون ملعوناً أو نصف ملعون !

وعلى هذا يكون الله تعالى غير عادل والعياذ بالله ، حيث جعل مصير الناس بألسنة بعضهم وكلهم لهم خصوم أصحاب ألسنة حداد !

ما أدري كيف يتعقل علماؤهم أن الله الحكيم الحليم ، يجعل رضاه وغضبه ، ومصير إنسان أو حيوان ، لعبة بيد رجل عامي أو امرأة ؟! فما أسهل أن يقوم شخص بلعن كل طعامهم وشرابهم فيحرمهم منه ، أو يلعن أشخاصهم فتحل فيها اللعنة ! ولو سألنا من يعتقد بهذه العقيدة اليهودية كإمامهم ابن رجب: لو أن أحداً لعن إمامه ابن تيمية فهل يتركه ويهرب منه ؟!

إن مشكلتهم الذهنية أنهم خلطوا بين الإنشاء الإمضائي للعن ، الذي يتحدث عنه القرآن ، وبين الإنشاء المحض الذي يتصورون أنه كاف لوقوع اللعنة !

ومشكلتهم قبل ذلك سياسية ، فهم يريدون أن يكون اللعن إنشاء ، ولا يقبلونه إخباراً فقط ، لأنهم لاطريق لهم لتخليص الملعونين القرشيين المحبوبين عندهم ، إلا بإعطاء قيمة دينية لإنشا ءاللعن !

وهذا العنصر القرشي الجاهلي في اللعن ، مهمٌّ عند معاوية ، فهو يريد أن يصدر من الناس إنشاء لعن متواصل على علي بن أبي طالب عليه السلام وأهل بيته بني هاشم ، ليؤثر فيهم تأثيراً وضعياً وتحل عليهم اللعنة الإلهية ، وينظر لهم الناس بهذا المنظار !

وقد بحثناه في كتاب ألف سؤال وإشكال على المخالفين:2/مسألة 145.

المفهوم الإسلامي للَّعن في مذهب أهل البيت عليهم السلام

اللعن في مذهب أهل البيت عليهم السلام في أصله إخبار ، لأنه قرار إلهي تابع لقوانين يعلمها الله تعالى وحده ، وقد يُعلِّمها لنبيه والأوصياءمن آله صلى الله عليه وآله .

وهو قرارٌ يتضمن ثلاثة أحكام: الحكم على صاحبه بأنه يستحق النار ، والحكم عليه بأنه لا يؤمل منه الخير ، والحكم عليه بالطرد من مجتمع المؤمنين في الدنيا .

أما إنشاء اللعن من غير المعصوم عليه السلام فهو تصديقٌ له صلى الله عليه وآله في إخباره بلعن الملعونين ، واتباعٌ له بالبراءة ممن لعنه الله تعالى ، أو رسوله صلى الله عليه وآله أو أوصياؤه عليهم السلام .

فاللعن حق محصور بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله والمعصومين عليهم السلام لأنه لايمكن لغيرهم أن يعرف موجبات استحقاقه ، وأن فلاناً ملعونٌ عند الله أو غير ملعون ؟!

* *

إن اللعن ككل أفعال الله الحكيمة العادلة له قانون استحقاق ، فلا نصدق من يدعي أنه فوضى ، وأن كل إنسان يمكنه أن يلعن فيزرع اللعنة في دم إنسان أو حيوان ! وهذا معنى مارواه الجميع: (إن اللعنة إذا خرجت من في صاحبها ترددت بينهما فإن وجدت مساغاً وإلا رجعت على صاحبها ) . (الكافي:2/360 ، وشبيهه في تفسير الطبري:13/278، وقريب من معناه في مجمع الزائد:8/74 ، ووثقه وقال رواه أحمد). ومساغها هو الملعون من الله تعالى ورسوله وأوصيائه فقط ، وإلا كان لعنه سبّاً وشتماً للناس وظلماً ، لايؤثر عليهم شيئاً ، بل يرجع على صاحبه ، فينال جزاءه بقانون أيضاً .

لقد طمأن أهل البيت المسلمين بقاعدة عقلية تقول إن الله تعالى لايمكن أن يلعن المؤمن ، واستدلوا بقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً) (الأحزاب:64) ، وأن المؤمن الذي يرتكب جريمة توجب لعنه ، يكون خرج عن الإيمان ، ففي الكافي :2/27: عن الإمام الباقر عليه السلام قال من حديث طويل: ( لما أذن الله لنبيه صلى الله عليه وآله في الخروج من مكة إلى المدينة ، أنزل عليه الحدود وقسمة الفرائض ، وأخبره بالمعاصي التي أوجب الله عليها وبها النار لمن عمل بها ، وأنزل في بيان القاتل: )وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً . ولا يلعن الله مؤمناً ، قال الله عز وجل: إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ).

ومعنى لعن المعصوم لأحد ، أن الله تعالى لعنه وأخرجه من الإيمان وحكم عليه باستحقاق العذاب ، ولذا قد يهدد المعصوم أناساً باللعن ليردعهم بذلك عن معصيتهم ، كما هدد الإمام الصادق عليه السلام تاركي الأمر بالمعروف! (الكافي:8/158)

ولذلك لاتجد في مصادرنا لعناً غير منطقي ، فلا امرأة تلعن ناقتها فتصير ملعونة ، فيأمر النبي صلى الله عليه وآله بطردها من الخدمة ! ولا رجل يلعن بعيره كذلك ! ولا أثر للعن الناس على حيوان أوإنسان أوطعام ، ولو أتعب اللاعن نفسه من الصباح الى المساء بل لعنه لغو أو عبث ، أو ظلم يرجع على صاحبه ، إلا أن يكون لمن ثبت استحقاقه للعن بنص الله تعالى ورسوله وآله صلى الله عليه وآله .

وعليه ، فإن لعن معاوية وبني أمية لعلي وأهل بيته عليهم السلام ليس أكثر من ظلامة يرجع اللعن فيها على فاعليها والآمرين بها ، ويرجع ثوابه للمظلومين الطاهرين عليهم السلام .

وفي المقابل ، فإن الملعون بحق واستحقاق كزعماء قريش وبني أمية ، وكافة من صدر فيهم لعن في القرآن أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله ، أو لسان أحد من المعصومين من عترته عليهم السلام ، لاينفعه أن يمدحه الناس ويعظموه ويقدسوه ! فهو ملعون من قرنه الى قدمه ، شاء أم أبى ، وشاء الخلق أم أبوا ، ولا وسيلة ولا حيلة لرد اللعن عنه ، أو تخفيفه عليه ، كما زعم رواة قريش في لعن النبي صلى الله عليه وآله لزعمائها !

ففي الكافي:2/187، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (ما اجتمع ثلاثة من المؤمنين فصاعدا إلا حضر من الملائكة مثلهم ، فإن دعوا بخير أمنوا وإن استعاذوا من شر دعوا الله ليصرفه عنهم ، وإن سألوا حاجة تشفعوا إلى الله وسألوه قضاها . وما اجتمع ثلاثة من الجاحدين إلا حضرهم عشرة أضعافهم من الشياطين ، فإن تكلموا تكلم الشيطان بنحو كلامهم وإذا ضحكوا ضحكوا معهم ، وإذا نالوا من أولياء الله نالوا معهم ! فمن ابتلي من المؤمنين بهم فإذا خاضوا في ذلك فليقم ولا يكن شرك شيطان ولا جليسه ، فإن غضب الله عز وجل لا يقوم له شئ ، ولعنته لا يردها شئ ، ثم قال صلوات الله عليه: فإن لم يستطع فلينكر ولو بقلبه وليقم ، ولو حلب شاة أو فواق ناقة): انتهى.

بل ورد أن اللعنة قد تسري الى البطن السابع من الذرية ، فعن الإمام الرضا عليه السلام قال: (أوحى الله عز وجل إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام : إذا أُطعتُ رضيتُ ، وإذا رضيتُ باركتُ ، وليس لبركتي نهاية . وإذا عصيتُ غضبتُ ، وإذا غضبتُ لعنتُ ولعنتي تبلغ السابع من الورى) ! (الكافي:2/275) .

بل قد تسري في ذرية الملعون الى يوم القيامة ، فقد قال الإمام الباقر عليه السلام لسدير عندما اقترح عليه امرأة ليتزوجها فقال عليه السلام : (يا سدير ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن قوماً فجرت اللعنة في أعقابهم إلى يوم القيامة ، وأنا أكره أن يصيب جسدي جسد أحد من أهل النار). (الكافي:5/569) .

المفهوم القرشي للعن شبيه بالمفهوم اليهودي !

1- نجد في ثقافة اليهود والنصارى أن الله لعن قابيل لقتله هابيل: (11. فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك). (العهد القديم ص8).. وهذا يشبه ما في القرآن ، ولا يتناقض معه .

2- ونجد لعنة نوح عليه السلام لحام وذريته ، وتبريكه لسام! فقد اتهمت توراتهم نوحاً عليه السلام بأنه شرب خمراً ! ونام فانكشفت عورته فلم يسترها كنعان ، فلعنه وجعل ذريته عبيداً للساميين ! قالت: (وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً . 21. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه . 22. فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجا . 23. فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء . فلم يبصرا عورة أبيهما .24. فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير . 25. فقال ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته . 26. وقال مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبداً لهم . 27. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام وليكن كنعان عبدا لهم).(العهد القديم ص15). وهذا من أساطير اليهود عن تفضيل الساميين وذم الحاميين !

3- ونجد أن اللعنة عندهم تشمل حتى الأنبياء عليهم السلام ! (27. أبوك الأول أخطأ ووسطاؤك عصوا عليَّ . 28. فدنست رؤساء القدس ، ودفعت يعقوب إلى اللعن ، وإسرائيل إلى الشتائم). (العهد القديم ص1045). وهذا من افتراء اليهود على أنبياء الله عليهم السلام !

4- وأن اللعنة قد تتحول الى بركة كما زعم القرشيون لزعمائهم: (لأنهم لم يلاقوا بني إسرائيل بالخبز والماء ، بل استأجروا عليهم بلعام لكي يلعنهم وحول إلهنا اللعنة إلى بركة). (العهد القديم ص776). ومن هنا أخذ القرشيون مقولة أن النبي صلى الله عليه وآله طلب من الله أن يحول لعنته الى بركة !

5- وأن البركة كاللعنة تقع على المبارك عليه حتى بالحيلة: (أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة....(العهد القديم ص298) . وقد أطالت التوراة ص42 وما بعدها في رواية قصة يعقوب ، كيف احتال على أبيه إسحاق وكذب عليه فأوهمه أنه أخوه عيسو وسرق بركته ! قالت: (26.فقال له إسحق أبوه تقدم وقبلني يا ابني . 27. فتقدم وقبله فشم رائحة ثيابه وباركه وقال أنظر رائحة ابني كرائحة حقل قد باركه الرب . 28. فليعطك الله من ندى السماء . ومن دسم الأرض . وكثرة حنطة وخمر . 29. ليستعبد لك شعوب . وتسجد لك قبائل . كن سيدا لإخوتك . وليسجد لك بنو أمك . ليكن لاعنوك ملعونين . ومباركوك مباركين... 34. فعندما سمع عيسو كلام أبيه صرخ صرخة عظيمة ومرة جداً وقال لأبيه باركني أنا أيضاً يا أبي. 35. فقال قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك)!!

ومنه أخذ القرشيون مقولة أن اللعنة تؤثر(أوماتيكياً)من أي شخص صدرت ، وبدون أي قانون للإستحقاق !

6- وأن اللعنة وقعت على اليهود ، فلا ترتفع عنهم حتى اليوم الموعود لخروج الرب! (10. وتتحول الأرض كلها كالعربة من جبع إلى رمون جنوب أورشليم . وترتفع وتعمر في مكانها من باب بنيامين إلى مكان الباب الأول إلى باب الزوايا ومن برج حننئيل إلى معاصر الملك . 11. فيسكنون فيها ولا يكون بعد لعن ، فتعمر أورشليم بالأمن). ( العهد القديم ص1353) . (وقال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الانسان ، لأن تصور قلب الانسان شرير منذ حداثته . ولا أعود أيضاً أميت كل حي كما فعلت). (العهد القديم ص14).

ولعنة اليهود على لسان الأنبياء عليهم السلام حقيقة ثابتة عندنا وعندهم ، بل تحولت في حياتهم الى عقدة ، فكلما أصابتهم مصيبة قالوا إنها بسبب لعنة أنبيائهم ! ويسمون يوم هزيمتهم على يد النبي صلى الله عليه وآله في خيبر(يوم الغفران) زاعمين أن هزيمتهم غفران لذنوبهم ! وهذا النص يقول إن هذه اللعنة سترتفع عنهم في آخر الزمان عندما يقيمون دولتهم ، ويأتي نبيهم المنتظر !

وعقيدتنا أن تشكيل دولتهم ليس نهاية لعنتهم ، بل هو حشر لهم تمهيداً لظهور الإمام المهدي ونزول المسيح عليهما السلام لمقاومتهم وهزيمتهم! قال الله تعالى: (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً). (الاسراء:104) .

7- ونجد عند النصارى أن كل من يصلب ملعون حتى لو كان صالحاً !

(13. المسيح افتدانا من لعنة الناموس ، إذ صار لعنة لأجلنا ! لأنه مكتوب: ملعون كل من علق على خشبة . 14 لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع ، لننال بالإيمان موعد الروح). (العهد الجديد ص307).

وهذه العقيدة أخذوها من اليهود ، وأن بعض الأعمال أو الحالات تؤثر على الشخص فتجعله ملعوناً بشكل (أوتوماتيكي) ولو لم يكن مستحقاً ، ومنها الصلب ! وأن المسيح عليه السلام تحمل أن تقع عليه اللعنة ليفدي بها المؤمنين به !

محاولة أتباع معاوية المتأخرين إنكار جريمته !

نكتفي هنا بما كتبه الحافظ الشيخ حسن السقاف في موقعه التنزيه:http://www.altanzih.org/)

(ثبت في الصحاح والسنن أن معاوية كان يأمر الناس بسب سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه: روى مسلم في الصحيح(2404) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟! فقال: أمَّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهن له رسول الله(ص)فلن أسبه ! لأنْ تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حُمْر النَّعم ، سمعت رسول الله (ص)يقول له وقد خلَّفَه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان ! فقال له رسول الله (ص): أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي .

وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال فتطاولنا لها فقال: أدعوا لي علياً فأتيَ به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ. دعا رسول الله(ص) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللهم هؤلاء أهلي(5) .

وقد روى ابن ماجه (121) بسند صحيح(6) عن سعد بن أبي وقاص قال: قدم معاوية في بعض حجاته فدخل عليه سعد فذكروا علياً فنال منه ! فغضب سعد ؛وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول الله (ص)يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه ، وسمعته يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي ، وسمعته يقول: لأعطين الراية اليوم رجلاً يحب الله ورسوله .

فهذه رواية صريحة في أن معاوية نال من سيدنا علي: أي سبه وشتمه !!

وقد أمر معاوية ولاته أن يشتموا ويسبوا سيدنا علياً ويأمروا الناس بذلك ومن ذلك: ما رواه مسلم في الصحيح (2409)عن الصحابي الجليل سهل بن سعد قال: اسْتُعْمِلَ على المدينة رجل من آل مروان ؛ قال: فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم علياً ! قال فأبى سهل ؛ فقال له: أما إذ أبيت فقل لعن الله أبا التراب ، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب وإن كان ليفرح إذا دعي بها ....

فبهذا ثبت أن معاوية كان يسب سيدنا علياً رضي الله عنه ويأمر الناس بسبِّه وقد صح أن النبي (ص)قال: من سب علياً فقد سبني . فقد روى أحمد في المسند (6/323) عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة فقالت لي: أَيُسَبُّ رسول الله (ص)فيكم؟! قلت: معاذ الله أو سبحان الله أو كلمة نحوها ! قالت: سمعت رسول الله (ص)يقول: من سب علياً فقد سبني) (7) .

أقول: ورواه الحاكم(3/121)وزاد: ومن سبني فقد سب الله . وسب معاوية وشيعته لسيدنا علي عليه السلام والرضوان مشهور بل متواتر ، ويحتاج هذا لجمع مصنف خاص فيه، (8) . فالآن ملخص الأمر هو أن معاوية سب سيدنا علياً وأمر بالسب والنبي الأعظم (ص)يقول: من سب علياً فقد سبني . فهل أنتم مع رسول الله (ص)وسيدنا أم مع من يسب سيدنا علياً ويسب سيدنا رسول الله(ص)؟!

وهل يجوز أن نحب وندافع عمن يسب سيدنا علي رضي الله عنه ومن يسب سيدنا رسول الله (ص)؟! أين التقوى وأين الإيمان ، وأين الخوف من الله تعالى؟!!

هامش: (5) ذكرنا أن هذا الحديث رواه مسلم (2404) وكذا الترمذي (3724) وغيرهما .

(6) وهذا قد صححه متناقض عصرنا الألباني في صحيح ابن ماجه (1/26) .

(7) ورواه النسائي في الكبرى (5/133) وله روايات عديدة ذكرها الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (/130) وله ألفاظ أخرى وروايات عديدة منها ما رواه ابن أبي شيبة (12/76-77) ، والطبراني في الكبير (23/322) وأبو يعلى (12/444) وغيرهم . وصححه الشيخ شعيب الأرنأوط في تعليقه على المسند (44/329) والألباني في صحيحته (3332) .

(8) منه ما في مسند أحمد (1/187) وسنن أبي داود (4649و4650) وغيرهما بإسناد صحيح إنكار الصحابي سعيد بن زيد على المغيرة بن شعبة أنه يُسب في مجلسه سيدنا علي بن أبي طالب عليه السلام والرضوان حيث يقول سعيد بن زيد: (يا مغيرة بن شعبة ! ألا تسمع أصحاب رسول الله (ص)يُسَبُّون عندك ولا تنكر ولا تُغَير؟! وقد صحح هذا متناقض عصرنا الألباني في ( صحيح أبي داود) (3/880/3887) . ومنه ما رواه ابن أبي عاصم في سنته (1350) عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: كنا عند معاوية فقام رجل فسب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسب وسب فقام سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فقال: يا معاوية ألا أرى يُسَب علي بين يديك ولا تغير !! فإني سمعت رسول الله (ص)يقول: ( هو مني بمنزلة هارون من موسى) . انتهى .

أقول: ولو لم يكن عندهم إلا هذا الحديث الصحيح على شرط الشيخين لكفى! قال الخطيب في الإكمالص78: (وقد أخرج الحاكم ( 3/499) في ذلك من حديث قيس بن أبي حازم قال: كنت بالمدينة فينا أنا أطوف في السوق إذ بلغت أحجار الزيت ، فرأيت قوماً مجتمعين على فارس قد ركب دابة وهو يشتم علي بن أبي طالب والناس وقوف حواليه ! إذ أقبل سعد بن أبي وقاص ، فوقف عليهم فقال: ما هذا ؟ فقالوا: رجل يشتم علي بن أبي طالب ! فتقدم سعد فأفرجوا له حتى وقف عليه فقال: يا هذا على ما تشتم علي بن أبي طالب؟! ألم يكن أول من أسلم ، ألم يكن أول من صلى مع رسول الله(ص)؟ ألم يكن أزهد الناس ؟ ألم يكن أعلم الناس ؟ وذكر حتى قال: ألم يكن ختن رسول الله (ص)على ابنته ؟ ألم يكن صاحب راية رسول الله (ص) في غزواته؟ ثم استقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللهم إن هذا يشتم ولياً من أوليائك فلا تفرق هذا الجمع حتى تريهم قدرتك! قال قيس: فوالله ماتفرقنا حتى ساخت به دابته فرمته على هامته في تلك الأحجار فانفلق دماغه) !! قال الحاكم والذهبي: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين). انتهى. وفي تاريخ دمشق:57/248، أن مروان جاء ليعوده فوبخه سعد لشتمه علياً عليه السلام وقال ويلك يامرون وأرعد بوجهه فخرج مروان مغضباً !

وهذه خلاصة ما كتبه الدكتور حسن بن فرحان المالكي في كتابه: نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي ص17: (يا أصحاب الحديث: أنقذوا التاريخ الإسلامي ! لا تنقذوه من تلفيقات المستشرقين وأذنابهم من المستغربين بل من بعض المؤرخين الإسلاميين... الذين يتلاعبون بتاريخنا الإسلامي ، فيصححون الضعيف ، ويضعفون المتواتر!! منهجهم (يعقل ، ولا يعقل) و (ممكن ، ولا أظن) ! وسأبدأ بالحوار مع الدكتور عبد الحليم عويس ، يقول في كتابه (بنو أمية): خذ مثالا واحدا فقط وهو ما ذكره في مرآة الجامعة ، العدد السابق نفسه عندما قال بالحرف الواحد: ( فلا يعقل قبول ما يشاع عن بني أمية من أنهم كانوا يسبون علياً كرم الله وجهه على المنابر لأن ذلك يتنافى مع طبيعة البيئة الإسلامية...الخ. فتعال معي أخي القارئ لنفتش في الكتب الستة وبعض كتب المحدثين والفقهاء !:

1 - صحيح البخاري ، وأظنه من الكتب الستة ! مع شرح فتح الباري(7/70) نجد فيه حديثاً( عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أن رجلا دعا سهل بن سعد فقال: هذا فلان أمير المدينة يدعوه عليا عند المنبر). الحديث وفسر ابن حجر هذا القول برواية أخرى عند الطبراني من وجه آخر عن عبد العزيز نفسه ، وهي (يدعوك لتسب علياً ! . وهذا السبب صريح في حديث مسلم الآتي :

2 - صحيح مسلم(7/124) وهو من الكتب الستة ! (عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: استعمل على المدينة رجل من آل مروان قال ( أبو حازم): فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا قال: فأبى سهل فقال له ( الأمير) أما إذا أبيت فقل لعن الله أبا التراب ! فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب ، وما سماه إلا النبي صلى الله عليه وسلم... الحديث. أقول: فهذا صحيح مسلم يفسر رواية البخاري وكلاهما من الكتب الستة).الى آخر ما أورده .

مشاكل اجتماعية وقبلية سببها مرسوم معاوية !

روى المؤرخون والمحدثون أرقاماً عديدة من النتائج السيئة لتنفيذ مرسوم معاوية في البلاد المختلفة ، حيث جعل لعن علي عليه السلام فريضة وامتحن المسلمين بها ! ففي تاريخ الطبري:4/198: (وجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له: إن امرءاً منا من بني همام يقال له صيفي بن فسيل من رؤس أصحاب حجر ، وهو أشد الناس عليك ، فبعث إليه زياد فأتي به فقال له زياد: يا عدو الله ما تقول في أبى تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب ! قال: ما أعرفك به ، قال: ما أعرفه ! قال: أما تعرف علي بن أبي طالب ؟ قال: بلى ، قال: فذاك أبو تراب ! قال: كلا ذاك أبو الحسن والحسين ! فقال له صاحب الشرطة: يقول لك الأمير هو أبو تراب وتقول أنت لا ؟! قال: وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد ! قال له زياد: وهذا أيضاً مع ذنبك ! عليَّ بالعصا ، فأتيَ بها فقال: ما قولك؟ قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين ! قال: إضربوا عنقه بالعصا حتى يلصق بالأرض ! فضرب حتى لزم الأرض ، ثم قال: أقلعوا عنه ، فقال: إيه ما قولك في علي؟ قال: والله لو شرَّحتني بالمواسي والمُدى ما قلتُ إلا ما سمعتَ مني ! قال: لتلعننه أو لأضربن عنقك ! قال: إذا تضربها والله قبل ذلك ، فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت ! قال: إدفعوا في رقبته ، ثم قال: أوقروه حديداً وألقوه في السجن !! (خاف زياد من مضاعفات قتله قبلياً) !

ثم بعث إلى عبد الله بن خليفة الطائي وكان شهد مع حجر(عندما ذهبوا لاعتقاله) وقاتلهم قتالاً شديداً ، فبعث إليه زياد بكير بن حمران الأحمري وكان تبيع العمال ، فبعثه في أناس من أصحابه ، فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عدي بن حاتم(الطائي) فأخرجوه ، فلما أرادوا أن يذهبوا به وكان عزيز النفس امتنع منهم ، فحاربهم وقاتلهم فشجروه ورموه بالحجارة حتى سقط ! فنادت ميثاء أخته: يا معشر طئ أتسلمون ابن خليفة لسانكم وسنانكم! فلما سمع الأحمري نداءها خشى أن تجتمع طئ فيهلك، فهرب !

وخرج نسوة من طئ فأدخلنه داراً ، وينطلق الأحمري حتى أن زياداً فقال إن طيئاً اجتمعت إليَّ فلم أطقهم أفأتيتك ! فبعث زياد إلى عدي وكان في المسجد فحبسه ، وقال جئني به ! وقد أُخبر عدي بخبر عبد الله فقال عدي: كيف آتيك برجل قد قتله القوم ! قال: جئني حتى أرى أن قد قتلوه ! فاعتلَّ له وقال: لا أدرى أين هو ولا ما فعل ! فحبسه فلم يبق رجل من أهل المصر من أهل اليمن وربيعة ومصر إلا فزع لعدي ، فأتوا زيادا فكلموه فيه ! وأُخرج عبد الله فتغيب في بُحتر ، فأرسل إلى عدي إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلت! فبعث إليه عدي: والله لو كنت تحت قدمي ما رفعتهما عنك! فدعا زياد عدياً فقال له: إني أخلس سبيلك على أن تجعل لي لتنفيه من الكوفة ولتسير به إلى الجبلين ، قال: نعم). انتهى. ويقصد جبلي طئ: أجأ وسلمى ، واسمهما الآن جبال شمر . ( معجم قبائل العرب:2/688) .

بعض المناطق رفضت تنفيذ مرسوم معاوية !

قال الحموي في معجم البلدان:3/191: (قال الرهني: وأجل من هذا كله أنه لعن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، على منابر الشرق والغرب ولم يلعن على منبرها إلا مرة ، وامتنعوا على بنى أمية حتى زادوا في عهدهم أن لا يلعن على منبرهم أحد ولا يصطادوا في بلدهم قنفذا ولا سلحفاة ، وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله ،(ص)، على منبرهم وهو يلعن على منابر الحرمين مكة والمدينة)؟ . انتهى. (والأربعين البلدانية لابن عساكر:3/191) .

ومن المسوع أن منطقة طبرستان أيضاً لم تقبل بمرسوم معاوية ، ومنع الناس لع أمير المؤمنين عليه السلام على منبرهم ، ولم أجد مصدره في حدود مراجتي .

حتى في الشام كان الناس يكرهون لعن علي عليه السلام

في تاريخ اليعقوبي:2/223: (وفي هذه السنة عمل معاوية المقصورة في المسجد وأخرج المنابر إلى المصلى في العيدين ، وخطب الخطبة قبل الصلاة ، وذلك أن الناس (كانوا) إذا صلوا انصرفوا لئلا يسمعوا لعن علي ، فقدم معاوية الخطبة قبل الصلاة ، ووهب فدكاً لمروان بن الحكم ، ليغيظ بذلك آل رسول الله ).

هدف معاوية أن يطمس شخصية علي عليه السلام ويجعل لعنه (سُنَّةً) !

قال المسعودي في مروج الذهب:3/39، وفي طبعة:2/72: (ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته(معاوية)إلى أن جعلوا لعن علي سنة ، ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير ! وذكر بعضهم أنه قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم: من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر؟ قال: أراه لصاً من لصوص العرب) ! (ورواه العصامي في سمت النجوم العوالي ص883 ) .

وفي كتاب العثمانية للجاحظ ص285، بسنده عن الزهري قال: (قال ابن عباس لمعاوية: ألا تكف عن شتم هذا الرجل ؟ قال: ما كنت لافعل حتى يربو عليه الصغير ويهرم فيه الكبير . فلما ولى عمر بن عبد العزيز كف عن شتمه فقال الناس: ترك السنة . قال: وقد روى عن ابن مسعود إما موقوفا عليه أو مرفوعا: كيف أنتم إذا شملتكم فتنة يربو عليها الصغير ويهرم فيها الكبير ، يجرى عليها الناس فيتخذونها سنة ، فإذا غير منها شئ قيل: غيرت السنة !

قال أبو جعفر: وقد تعلمون أن بعض الملوك ربما أحدثوا قولا أو دينا لهوى . فيحملون الناس على ذلك حتى لايعرفون غيره)! ( ورواه شرح النهج:13/222)

وفي الغدير:2/102: (قال الجاحظ في كتاب الرد على الإمامية: إن معاوية كان يقول في آخر خطبته: اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك ، وصد عن سبيك ، فالعنه لعناً وبيلاً ، وعذبه عذابا أليماً ! وكتب ذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر ، إلى أيام عمر بن عبد العزيز . وإن قوماً من بني أمية قالوا لمعاوية: يا أمير المؤمنين إنك قد بلغت ما أملت ، فلو كففت عن هذا الرجل ! فقال: لا والله حتى يربو عليه الصغير ، ويهرم عليه الكبير ، ولا يذكر له ذاكر فضلاً).

خليفة أموي لايجيد العربية ولا الأخلاق !

في شرح النهج:4/58: (وروى أهل السير أن الوليد بن عبد الملك في خلافته ذكر علياً عليه السلام فقال: لعنه الله كان لص ابن لص . بالجر ، فعجب الناس من لحنه فيما لا يلحن فيه أحد ومن نسبته عليا عليه السلام إلى اللصوصية وقالوا: ما ندري أيهما أعجب؟! وكان الوليد لحاناً). (ونثر الدرر للآبي ص389 ، والتذكرة الحمدونية ص633).

وفي البيان والتبيين للجاحظ:1/317 ، وفي طبعة ص278 ، أنه صعد المنبر فقال: علي بن أبي طالب لص ابن لص ، صب عليه شؤبوب عذاب ! فقال أعرابي كان تحت المنبر: ما يقول أميركم هذا...الخ). ( ونسبه في الغارات:2/843 ، الى خالد بن عبد الله القسري ، والي معاوية على العراق) .

تملق الولاة لمعاوية

في العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل للسيد محمد بن عقيل ص94: (وذكر المبرد أن خالداً هذا لما كان أمير العراق كان يلعن علياً فيقول: اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، صهر رسول الله على ابنته ، وأبا الحسن والحسين ! ثم يقبل على الناس ويقول: هل كنَّيْتُ).( وهو في كامل المبرد ص399 ، ونثر الدرر للآبي ص798 ، والأغاني:22/25 ).

وقد تعلم خالد القسري التملق من زياد بن أبيه ، الذي قتلَ وهدم البيوتَ وعذَّبَ وسجنَ كل من لم يلعن علياً عليه السلام ، مدة حكمه الكوفة والبصرة نحو خمس سنوات ! ثم اتخذ قراراً أن يحشر كل الناس وبدأ بشخصيات الكوفة وعلمائها فأهلكه الله !

(وأراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من علي عليه السلام ولعْنه ، وأن يقتل كل من امتنع من ذلك ، ويخرِّب منزله ، فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون ، فمات لا رحمه الله بعد ثلاثة أيام ، وذلك في خلافة معاوية). (شرح النهج:4/58).

الوالي يكذب ويطلب شهادة المسلمين !

في الفتوح لابن الأعثم:4/296: (دخل عمرو بن أبي أرطاة البصرة مغضباً وأقبل حتى نزل دار الإمارة ، فلما كان من الغد دخل المسجد الأعظم ثم صعد المنبر ، ثم إنه شتم علي بن أبي طالب وولده ثم قال: يا أهل البصرة ! نشدت الله رجلاً علم أني صادق إلا صدقني أو كاذب إلا كذبني . قال: فوثب إليه رجل يكنى أبا بكرة فقال له: كذبت يا عدو الله ! قد كان علي بن أبي طالب خير منك ومن صاحبك الذي ولاك علينا ! فقال عمرو: خذوه ! فبادرت إليه الجلاوزة ووثب رجل من بن ضبة فألقى نفسه عليه ، ثم خلصه الناس وغيبوه فلم يقدر عليه).(ونحوه المنتظم:5/186، وكامل ابن الأثير:3/278) .

تملق الناس للولاة ومعاوية

في الغارات للثقفي:2/842: (قال هشام بن الكلبي قال: إني أدركت بني أوَد وهم يُعلمون أبناءهم وحرمهم سبَّ علي بن أبي طالب عليه السلام ! وفيهم رجل دخل على الحجاج فكلمه بكلام فأغلظ عليه الحجاج في الجواب ، فقال: لا تقل هذا أيها الأمير ! فما لقريش ولا لثقيف منقبة يعتدون بها إلا ونحن نعتد بمثلها ! قال: وما مناقبكم ؟ قال: ما ينقص عثمان ولا يذكر بسوء في نادينا قط ! قال: هذه منقبة . قال: ولا رؤي منا خارجي قط ! قال: منقبة . قال: وما شهد منا مع أبي تراب مشاهده إلا رجل فأسقطه ذلك عندنا . قال: منقبة . قال: وما أراد رجل منا قط أن يتزوج امرأة إلا سأل عنها هل تحب أبا تراب أو تذكره بخير؟ فإن قيل: إنها تفعل اجتنبها . قال: منقبة . قال: ولا ولد فينا ذكر فسمي علياً ولا حسناً حسيناً ، ولا ولدت فينا جارية فسميت فاطمة . قال: منقبة . قال: ونذرت امرأة منا إن قتل الحسين أن تنحر عشر جزور ، فلما قتل وفت بنذرها . قال: منقبة . قال: ودعي رجل منا إلى البراءة من علي ولعنه ، فقال: نعم وأزيدكم حسناً وحسيناً ، قال ، منقبة والله). وفي الصراط المستقيم:3/245: (محمد بن سيرين: كان مؤدبا للحجاج على ولده ، وكان يسمعه يلعن علياً عليه السلام فلا ينكر عليه ! فلما لعن الناس الحجاج خرج من المسجد وقال: لا أطيق أسمع شتمه) .

وفي الإشتقاق لابن دريدص165: (وكان علي بن أصمع على البارجاه ، ولاه علي بن أبي طالب فظهرت له منه خيانة فقطع أصابع يده ، ثم عاش حتى أدرك الحجاج فاعترضه يوماً فقال: أيها الأمير ، إن أهلي عقوني ، قال: وبم ذاك؟ قال: سموني علياً . قال: ما أحسن ما لطفت . فولاه ولاية ثم قال: والله لئن بلغتني عنك خيانة لأقطعن ما أبقى عليٌّ من يدك . وكان جرير مرَّ بعلي بن أصمع فسلم فلم يرد عليه فقال جرير: ألا قل لباغي ألأم الناس واحداً عليك عليُّ الباهليُّ بن أصمعا) !

وفي مختصر أخبار شعراء الشيعة للمرزباني ص57: (وكان عنده يوماً إذ دخل رجل من أهل الشام فقام خطيباً ، فكان آخر كلامه أن سب علياًفأطرق الناس فتكلم الأحنف مخاطباً لمعاوية فقال: إن هذا القائل ما قال لو يعلم أن رضاك في لعن الأنبياء والمرسلين ، لما توقف في لعنهم ! فاتق الله ودع عنك علياً فقد لقي ربه بأحسن ما عمل عامل...الخ.).

ومن طريف الإستطراد هنا: أن شخصاً عرف أن عند معاوية بنتاً مشلولة مقعدة لاتصلح للزواج فخطبها منه ! قال في الفائق:2/348: (خطب إليه رجل بنتا له عرجاء فقال: إنها ضميلة فقال: إني أردت أن أتشرف بمصاهرتك ولا أريد بها السباق فى الحلبة ! فزوجه إياها ) ! انتهى . وأصلها صميلة بالصاد أي يابسة ! (ونهاية ابن الأثير:3/101، و53 ، ولسان العرب:11/385و396 ، وتاج العروس:7/407و414 ) .

عطية لم يقبل أن يلعن علياً عليه السلام وهو ضعيف الحديث !

(عطية بن سعد بن جنادة العوفي ، من جديل قيس ، ويكنى أبا الحسن ، قال: لما ولدت أتى بي أبي علياً عليه السلام فأخبره ففرض لي في مائة ثم أعطى أبي عطاي ، فاشترى أبي منها سمناً وعسلاً....فقال يا أمير المؤمنين إنه ولد لي غلام فسمه قال: هذا عطية الله فسمي عطية.... هرب عطية إلى فارس فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفي أن ادع عطية فإن لعن علي بن أبي طالب وإلا فاضربه أربعمائة سوط واحلق رأسه ولحيته فدعاه فأقرأه كتاب الحجاج فأبى عطية أن يفعل فضربه أربعمائة وحلق رأسه ولحيته) . (الطبقات:6/304 ، وقال الذهبي في العبرص68: (روى عن أبي هريرة وطائفة ، وقد ضربه الحجاج أربع مئة سوط على أن يشتم علياً فلم يفعل، وهو ضعيف الحديث) .

وحريز مدمنٌ على لعن علي عليه السلام وهو من ثقاة البخاري والصحاح!

في كشف الحقائق للشيخ علي آل محسن ص203: (حريز بن عثمان الحافظ أبو عثمان الرحبي: عده الذهبي(6)والسيوطي(7)وابن العماد الحنبلي(8)من حفاظ الحديث ، وهو ناصبي معروف ، روى له البخاري والأربعة ، سئل عنه أحمد بن حنبل فقال: ثقة ثقة . وقال: ليس بالشام أثبت من حريز . ووثقه ابن معين ودحيم ، وأحمد ، وابن يحيى ، والمفضل بن غسان ، والعجلي ، وأبو حاتم ، وابن عدي والقطان . قال ابن المديني: لم يزل من أدركناه من أصحابنا يوثقونه...قال ابن حبان: كان يلعن علياً بالغداة سبعين مرة ، وبالعشي سبعين مرة) !

وفي أنساب السمعاني:907: (حريز بن عثمان الرحبي الحمصي يروي عن عبد الله بن بسر وراشد بن سعد وأهل الشام ، روى عنه بقية . ولد سنة ثمانين ومات سنة ثلاث وستين ومائة ، وكان يلعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالغداة سبعين مرة وبالعشي سبعين مرة ! فقيل له في ذلك فقال: هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي).

وفي شرح النهج:4/69: (قال(أبو جعفر الإسكافي): وقد كان في المحدثين من يبغضه وروى فيه الأحاديث المنكرة ، منهم حريز بن عثمان ، كان يبغضه وينتقصه ويروي فيه أخبارا مكذوبة....عن محفوظ(بن المفضل بن عمر): ( قلت ليحيى بن صالح الوحاظي: قد رويت عن مشايخ من نظراء حريز ، فما بالك لم تحمل عن حريز ! قال: إني أتيته فناولني كتاباً ، فإذا فيه: حدثني فلان عن فلان أن النبي(ص)لما حضرته الوفاة أوصى أن تقطع يد علي بن أبي طالب ! فرددتُ الكتاب ولم أستحل أن أكتب عنه شيئاً ! قال أبو بكر: وحدثني أبو جعفر قال: حدثني إبراهيم ، قال: حدثني محمد بن عاصم صاحب الخانات قال: قال لنا حريز بن عثمان: أنتم يا أهل العراق تحبون علي بن أبي طالب ونحن نبغضه ! قالوا: لمَ ؟ قال: لأنه قتل أجدادي . قال محمد بن عاصم: وكان حريز بن عثمان نازلاً علينا). (وتاريخ دمشق:12/347 ، و249 ، و:12/350) .

عمرو بن سعيد الأشدق جبَّارٌ من بني أمية !

في الغدير:10/264: (استناب معاوية على المدينة عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي المعروف بالأشدق الذي جاء فيه في مسند أحمد: 2/522 من طريق أبي هريرة مرفوعاً: ليَرْعُفَنَّ على منبري جبار من جبابرة بني أمية يسيل رعافه . قال: فحدثني من رأى عمرو بن سعيد رعف على منبر رسول الله حتى سال رعافه . سمي عمرو بالأشدق لأنه صعد المنبر فبالغ في شتم علي فأصابته لقوة أي داء في وجهه) . (وتقدم ذلك من معجم الشعراء للمرزباني ص31) .

وواصل الحكام الأمويون سياسة معاوية !

في المناقب والمثالب للقاضي النعمان ص328: (قطع عبد الملك ذكر فضائل علي عليه السلام ، وأخذ على أيدي المحدثين: أن لا يذكروا شيئاً منها ولا يظهروا كتاباً فيها ، وأمر من استماله منهم بدنياه وأناله منها وأرضاه ، أن وضع له أخباراً في فضائل بني أمية ، وأظهر لعن علي عليه السلام على المنابر ، وتتبع من ينتحل فضله ويقول بإمامته بالقتل والتشريد .

ومن معارفه في التهيب عند الناس وتخويفهم نفسه أنه خطب فيما روي عنه فقال: إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف ، ولا بالخليفة المداهن ، ولا بالخليفة المأبون . يعني بالمستضعف عثمان ، وبالمداهن معاوية ، وبالمأبون يزيد... ومات عبد الملك بدمشق يوم الخميس ، النصف من شوال سنة ست وثمانين ، وكانت ولايته من يوم بويع إلى يوم توفي إحدى وعشرين سنة وشهراً ونصفاً).

من محاولات الشيعة للتخلص الذكي !

في الأذكياءلابن الجوزي ص88: (قامت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة فقام صعصعة بن سرحان فتكلم ، فقال المغيرة: أرجوه فأقيموه على المصطبة فليلعن علياً ! فقال: لعن الله من لعن الله ولعن علي بن أبي طالب ، فأخبره بذلك فقال: أقسم بالله لتقيدنه ، فخرج فقال: إن هذا يأبي إلا علي بن أبي طالب فالعنوه لعنه الله . فقال المغيرة: أخرجوه أخرج الله نفسه ).

وقد تقدم من مختصر أخبار شعراء الشيعة للمرزباني ص57 ، قول الأحنف بن قيس لمعاوية ، عندما رأى بعضهم يتملق له بلعن علي عليه السلام إن هذا القائل ما قال ، لو يعلم أن رضاك في لعن الأنبياء والمرسلين عليهم السلام لما توقف في لعنهم ! فاتق الله ودع عنك علياً فقد لقي ربه بأحسن ما عمل عامل ، هو والله المبرز في سبقه ، الطاهر في خلقه الميمون النقيبة ، العظيم المصيبة ، أعلم العلماء ، وأحلم الحلماء ، وأفضل الفضلاء ، ووصي خير الأنبياء! فقال معاوية: لقد أغضيتَ العين على القذى، وقلت بما لاترى ، وأيْمُ الله لتصعدن المنبر فتلعنه طوعاً أو كرهاً . فقال: إن تعفني فهو خير وإن تجبرني على ذلك فوالله لايجري به لساني أبداً ! فقال: لا بد أن تركب المنبر وتلعن علياً . قال: إذاً والله لأنصفنك وأنصفن علياً ، قال: تفعل ماذا ؟ قال: أحمد الله وأثني عليه وأصلي على نبيه صلى الله عليه وآله وأقول: أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن علياً وإن علياً ومعاوية اقتتلا ، وأذعن كل واحد منهما أنه كان مبغياً على الآخر وعلى فئة، فإذا دعوت فأمِّنوا على دعائي ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبيائك ورسلك وجميع خلقك ، الباغي منهما على صاحبه ، والعن اللهم الفئة الباغية على الفئة المبغي عليها ، آمين رب العلمين ، اللهم العنهم لعنا وبيلا وجدد العذاب عليهم بكرةً وأصيلا . قال: بل قد أعفيناك يا أبا بحر) !! (ونحوه في المستطرف:1/100، وفي طبعة 69، ونهاية الإرب:ص1691 ، والعقد الفريدص834 ، وتذكرة ابن حمدون ص599 ، وجمهرة خطب العرب:2/357).

شيعي يبيع فرسه باستثناء بلده من مرسوم معاوية !

في ربيع الأبرار:1028: (أن يزيد بن عبد الملك وهو يزيد الناقص مدر بالخيل فبلغه عن فرس لرجل من عبد القيس فراهة واستيلاء في الحلب على القضب ، فوجه إليه من يشتريه له فقال: لا أبيعه إلا بحكمي فبذلوا له عشرة آلاف دينار . فقال: لو أعطيتموني بوزن الفرس مائة مرة دنانير ما بعته إلا بحكمي . قالوا: فما حكمك؟ قال: ترك لعن علي بن أبي طالب . فكتب يزيد إلى الآفاق بذلك ، وأخذ الفرس . فترك لعنه إلى اليوم ). (والمستطرف:1/101).

إلغاء عمر بن عبد العزيز مرسوم اللعن الخلافي

قال في شرح النهج:4/58: (فأما عمر بن عبد العزيز فإنه قال: كنت غلاما أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود فمر بي يوما وأنا ألعب مع الصبيان ، ونحن نلعن عليا ، فكره ذلك ودخل المسجد ، فتركت الصبيان وجئت إليه لأدرس عليه وردي ، فلما رآني قام فصلى وأطال في الصلاة شبه المعرض عني حتى أحسست منه بذلك ، فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي ، فقلت له: ما بال الشيخ ؟ فقال لي: يا بنى ، أنت اللاعن علياً منذ اليوم ؟ قلت: نعم ، قال: فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم ! فقلت: يا أبت ، وهل كان علي من أهل بدر ! فقال: ويحك ! وهل كانت بدر كلها إلا له ! فقلت: لا أعود ، فقال: الله أنك لا تعود ! قلت: نعم فلم ألعنه بعدها ثم كنت أحضر تحت منبر المدينة ، وأبى يخطب يوم الجمعة وهو حينئذ أمير المدينة فكنت أسمع أبي يمر في خطبه تهدر شقاشقه ، حتى يأتي إلى لعن علي عليه السلام فيجمجم ، ويعرض له من الفهاهة والحصر ما الله عالم به ، فكنت أعجب من ذلك ، فقلت له يوما: يا أبت ، أنت أفصح الناس وأخطبهم ، فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك ، حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل ، صرت ألكن عيِياً ! فقال: يا بني ، إن من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم ، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد ! فوقرت كلمته في صدري ، مع ما كان قاله لي معلمي أيام صغرى ، فأعطيت الله عهداً لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لأغيرنه ، فلما من الله عليَّ بالخلافة أسقطت ذلك ، وجعلت مكانه: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) . وكتب به إلى الآفاق فصار سنة). ومدحه الشعراء لذلك ، فقال كثير عزة يشكره:

ولِيتَ فلم تشتمْ علياً ولم تُخفْ بَرِيَاً ولم تقبل إساءة مجرم

وكفَّرتَ بالعفو الذنوب مع الذي أتيت فأضحى راضياً كل مسلم

ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه من الأود البادي ثقاف المقوم

من قصدية طويلة . وقال الشريف الرضي من قصيدة:

يا بن عبد العزيز لو بكت العيـْــــن فتى من أمية لبكيتك

غير أني أقول إنك قد طِبــْـتَ وإن لم يَطبْ ولم يَزْكُ بيتُك

أنت نزهتنا عن السب والشتــْـم فلو أمكن الجزاء جزيتك

دير سمعان ، لا أغبك غيث خير ميت من آل مروان ميتك

فلو اني ملكتُ دفعاُ لما نابك من طارق الردى لفديتك

(شرح النهج:4/58 ، ومختصر أخبار شعراء الشيعة ص69، والحماسةص150)

وفي الطبقات:5/393: (كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون علياً رحمه الله فلما ولي عمر أمسك عن ذلك ، فقال كثير عزة الخزاعي...).

وقال الذهبي في سيره:5/147: (كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون رجلاً رضي الله عنه ، فلما ولي هو أمسك عن ذلك فقال كثير عزة...)

وفي تاريخ اليعقوبي:2/305: (ونكث عمر أعمال أهل بيته وسماها مظالم ، وكتب إلى عماله جميعا: أما بعد ، فإن الناس قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله ، وسنن سيئة سنتها عليهم عمال السوء ، قلما قصدوا قصد الحق والرفق والاحسان ، ومن أراد الحج فعجلوا عليه عطاءه حتى يتجهز منه ، ولا تحدثوا حدثاً في قطع وصلب حتى تؤامروني ، وترك لعن علي بن أبي طالب على المنبر ، وكتب بذلك إلى الآفاق فقال كثير...وأعطى بني هاشم الخمس ، ورد فدكاً ، وكان معاوية أقطعها مروان فوهبها لابنه عبد العزيز ، فورثها عمر منه ، فردها على ولد فاطمة . فلم تزل في أيديهم حتى ولي يزيد بن عبد الملك ، فقبضها) .

حكم من لعن أمير المؤمنين عليه السلام

في البخاري:7/97و223: (لعن المؤمن كقتله ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله).

وقال ابن تيمية في الفتاوى:4/255: (واللعنة أعظم من السب ، وقد ثبت في الصحيح عن النبي(ص)أنه قال: لعن المؤمن كقتله . فقد جعل النبي(ص)لعن المؤمن كقتله وأصحاب رسول الله خيار المؤمنين كما ثبت عنه أنه قال: خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، وكل من رأى رسول الله (ص)مؤمناً به فله من الصحبة بقدر ذلك ، كما ثبت في الصحيح ).

وفي تاريخ دمشق:42/166: (عن سويد بن غفلة عن عمر بن الخطاب قال: رأى رجلاً يشتم علياً كانت بينه وبينه خصومة ، فقال له عمر: إنك من المنافقين ! سمعت رسول الله (ص) يقول: إنما علي مني بمنزله هارون من موسى إلاأنه لا نبي بعدي).

وفي فيض القدير:5/533: (ونقل ابن سعد أن هشام المخزومي لما ولي المدينة آذى علياً بن الحسين ، وكان يشتم علياً كرم الله وجهه على المنبر ! فلما ولي الوليد عزله وأمر بأن يوقف للناس فقال هشام: ما أخاف إلا من علي(بن الحسين أي الإمام زين العابدين عليه السلام ) فأوصى(زين العابدين عليه السلام ) خاصته ومواليه أن لا يتعرضوا له البتة ، ثم مر به فقال: يا ابن عمي عافاك الله ، لقد ساءنا ما صنع بك ، فادعنا لما أحببت).

وفي المحاسن:1/259: (عن ابن مسكان قال قال لي أبو عبد الله عليه السلام : إني لأحسبك إذا شُتم علي بين يديك لو تستطيع أن تأكل أنف شاتمه لفعلت ؟ فقلت: إي والله جعلت فداك ، إني لهكذا وأهل بيتي ، فقال لي: فلا تفعل ، فوالله لربما سمعت من يشتم علياً وما بيني وبينه إلا أسطوانة فأستتر بها ، فإذا فرغت من صلاتي فأمرُّ به فأسلم عليه وأصافحه) !!

وفي الكافي:7/269: (عن عبدالله بن سليمان العامري قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أي شئ تقول في رجل سمعته يشتم علياً عليه السلام ؟ويتبرأ منه ؟ قال فقال لي: والله حلال الدم وما ألف منهم برجل منكم . دعه لا تعرض له ، إلا أن تأمن على نفسك).

وفي الحدود والتعزيرات للسيد الگلپايگاني:1/280: (قال محمد بن مسلم: فقلت لأبي جعفر عليه السلام : أرأيت لو أن رجلا سب النبي صلى الله عليه وآله أيقتل ؟ قال: إن لم تَخفْ على نفسك فاقتله . إلى غير ذلك من الأخبار .

وأما إذا سب أحد الأئمة عليهم السلام فإنه يقتل أيضاً ، وادعي اللاخلاف بل الاجماع على ذلك ، مضافا إلى دلالة الروايات عليه ، منها: صحيحة هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما تقول في رجل سبابة لعلي عليه السلام ؟ قال فقال: حلال الدم والله لولا أن يعم بريئا قلت: فما تقول في رجل مؤذ لنا؟ قال: في ماذا ؟ قلت: فيك ، يذكرك فقال لي: له في علي عليه السلام نصيب؟ قلت: إنه ليقول ذلك ولا يظهره ، قال: لا تعرض له) . ولعل النهي عن التعرض له كان للتقية أي الخوف على هشام . ومنها رواية العامري قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام : أي شئ تقول في رجل سمعته يشتم عليا عليه السلام ويبرأ منه ؟ فقال لي: والله هو خلال الدم. الحديث .

ومنها رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: من قعد في مجلس يسب فيه إمام من الأئمة يقدر على الانتصاف فلم يفعل ألبسه الله عز وجل الذل في الدنيا وعذبه في الآخرة ). (وشرح اللمعة للشهيد الثاني:9/194).

في صراط النجاة:3/298: (س 918: هل يجوز أن يلعن الفاسق ، أو يتهجم عليه ، بألفاظ مؤذية ، في غير حضوره ، أو يدعى عليه ، أم لا ؟

الخوئي: لا يجوز لعن المؤمن ، أو سبه ، أو الدعاء عليه ، بل عليه أن يأمره بالمعروف أو ينهاه عن المنكر إن أمكن ، والله العالم .

التبريزي: يضاف إلى جوابه رحمه الله: إلا إذا كان مبدعاً) .

والنتيجة: أنه الجميع متفقون على وجود عدة آيات وأحاديث صحيحة تجعل من سب علي عليه السلام جريمة توجب القتل أو التعزيز لأن من يسبه فاسق أو مبتدع !

يضاف اليه أن (من سب علياً فقد سبني)والألباني في صحيحته (3332)

قال المحامي أحمد حسين يعقوب في نظرية عدالة الصحابة ص55 ، بعد حديث النبي صلى الله عليه وآله : من سب علياً فقد سبني: (عِرْضُ ولي الله بالنص ، وأخو رسول الله بالنص ، وعميد آل البيت بالنص ، وباب مدينة العلم اللدني بالنص ! هو على الأقل صحابي يحمل هذا اللقب كما يحمله غيره ، فما حكم من يسبه ويفرض سب علي والإنتقاص منه في جميع المقاطعات التي كانت تخضع لحكم معاوية ؟

وما حكم الذين أطاعوا معاوية بسبه ؟ هل يشملهم هذا الحديث الآنف؟

وعند ما نصحه بعض خلصائه للتوقف عن سب علي وشيعته قال: والله لا أدع سبه وشتمه حتى يهرم عليه الكبير ويشب عليه الصغير )!!

وقال في مساحة للحوار ص273: (أما معاوية فقد اشترك مع أبيه في مقاومة الرسول وفي التآمر عليه ، واشترك مع أبيه في حرب الرسول وقيادة البطون والأحزاب ، ولم يترك وسيلة من وسائل المقاومة ، ولا فناً من فنون الحرب ، إلا استعمله ضد الرسول حتى إذا تم فتح مكة ، وأحيط بمعاوية اضطر لإعلان إسلامه مكرهاً ، فصار كأبيه طليقاً ، ومن المؤلفة قلوبهم وصحب الرسول سنة وهو على حاله ! ومات الرسول وهو على حاله ! وبقدرة إعلام دولة البطون ، وحسب تقديم خلفائها ، صار معاوية المؤهل الوحيد لولاية بلاد الشام كلها ، والوالي الوحيد الذي لا يسأل عما يفعل بولايته طوال عشرين عاماً ، وصار الصحابي الجليل ، وكاتب الوحي الأمين وأمير المؤمنين ، حبه دين ، والخروج عليه فسوق وكفر ، وموالاته إيمان وكرهه عصيان . وصار علي بن أبي طالب ، حاشا له ، يستحق السب والشتم واللعن في العشي والإبكار تنفيذاً لأمر معاوية وأركان دولة البطون!

واقتنعت الأكثرية الساحقة من المسلمين بأن سب علي ولعنه وشتمه ، تنفيذاً لأمر معاوية ، أمور تقربها من الله زلفى فلعنته بالفعل في جميع الأوقات ، وصار ذلك جزءاً من العقيدة الدينية للأكثرية الساحقة من أبناء الأمة الإسلامية !

فتعجب لا أراك الدهر عجباً ، ولكن عجبك يزول إذا عرفت قدرة إعلام البطون تلك القدرة القادرة على تحويل الأسود إلى أبيض فاقعاً والأبيض إلى أسود قاتماً! وبقدرة قادر ، صار الذي يحب معاوية ويتشيع له ثقة مؤتمناً على نقل أحاديث الرسول والمشاركة في إدارة دولة المسلمين ، وصار عاشقاً لوحدة المسلمين ومشفقاً عليها ! أما الذي يحب علياً بن أبي طالب ويتشيع له فهو ليس بثقة ، ولا يؤتمن على نقل أحاديث الرسول ، وينبغي أن يجرد من حقوقه المدنية فلا تقبل له شهادة ! ومن باب سد الذرائع يجب أن يقتل كل أولئك الذين يوالون علياً وأهل بيت النبوة حتى لا يفرقوا الأمة بعد اجتماع كلمتها على أمير المؤمنين معاوية ! ليس في الدنيا كلها عاقل واحد يمكن أن يقبل هذا المنطق أو يستسيغه أو يرتاح ضميره إلى تلك الأحكام الجائرة ! فتعالى الله عما يصفون .

وقال الشيخ حسن بن فرحان المالكي في كتابه الصحبة والصحابة ص60:

(حديث ابن عمر: أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين.... وكل آثار ابن عمر في النهي عن سب أصحاب النبي(ص)إنما تنزل على من سب أمثال عثمان وعلي ، فإن ابن عمر يعرف الصحبة الشرعية تماماً ، فنحن أخذنا نصوصه في النهي عن سب عثمان وعلي وجعلناها في النهي عن سب الطلقاء ! فليت شعري لو سئل النبي(ص) هل سيقول إن هؤلاء مأجورون أجراً واحداً !؟ أم سيقول: من سب عليا فقد سبني ! اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) !!

لماذا أمرنا النبي صلى الله عليه وآله بلعن بني أمية قاطبة ؟

ثبت عندنا أنه صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته المعصومين عليهم السلام لعْنُ بني أمية قاطبة ، فقد ورد في زيارة عاشوراء وغيرها ، وأفتى به فقهاؤنا .

ففي كامل الزيارات ص329 ، في زيارة الإمام الحسين عليه السلام : (يا أبا عبد الله إني سلم لمن سالمكم ، وحرب لمن حاربكم إلى يوم القيامة ، فلعن الله ال زياد وال مروان ، ولعن الله بني أمية قاطبة ، ولعن الله ابن مرجانة ، ولعن الله عمر بن سعد ، ولعن الله شمرا ، ولعن الله أمة أسرجت وألجمت وتهيأت لقتالك ).

وفي ص332: (اللهم خص أنت أول ظالم ظلم آل نبيك باللعن ، ثم العن أعداء آل محمد من الأولين والآخرين ، اللهم العن يزيد وأباه والعن عبيد الله بن زياد وآل مروان وبني أمية قاطبة إلى يوم القيامة ). (ومصباح المتهجد ص774 ، ومزار الشهيد الأول ص180 ، ومزار ابن المشهدي ص481 ، ومصباح الكفعمي ص483 ، وجامع أحاديث الشيعة:12/415).

وقال المحقق الكركي في رسائله:2/227: (والحاصل أن بني أمية قاطبة ملعونون مطرودون ، وبذلك وردت النصوص عن أهل البيت عليهم السلام . وقد ذكر المفسرون أن قوله تعالى: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ.. المراد بها: شجرة بني أمية).انتهى .

وقد بحث فقهاؤنا إشكالية في هذا الحكم هي أنه يوجد في بني أمية مؤمنون بشهادة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ، وشهادة التاريخ ، والمؤمن لايجوز لعنه ، فكيف يأمرنا النبي وآله صلى الله عليه وآله بتعميم اللعن لهم قاطبة ؟

وتركز بحثهم في أصول الفقه على جواز التمسك بعموم النص في موارد الشك في المصداق ، وهل يصح إثبات عدم إيمان من يُشك بإيمانه من بني أمية بعموم نص لعنهم . قال صاحب كفاية الأصول ص223: (بل يمكن أن يقال: إن قضية عمومه للمشكوك ، أنه ليس فرداً لما علم بخروجه من حكمه بمفهومه ، فيقال في مثل: لعن الله بني أمية قاطبة: إن فلاناً وإن شك في إيمانه يجوز لعنه لمكان العموم ، وكل من جاز لعنه لا يكون مؤمناً ، فينتج أنه ليس بمؤمن ، فتأمل جيداً).

(وكفاية الأصول ص 221 ونهاية النهاية:1/289، ومحاضرات في أصول الفقه:5/202 ، وأجود التقريرات:1/476 ، والمحكم في أصول الفقه:2/98 ، ونهاية الأفكار:3/346 ، وفوائد الأصول:1/537 ، و:4/62، و منتهى الأصول:1/317 ، وحقائق الأصول:1/502 ، وتهذيب الأصول:2/21 ، وغيرها).

وقد أجيب عن هذا الإشكال ، بأجوبة عديدة ضعيفة ، وأقواها ما أجاب به السيد الأصفهاني في مكيال المكارم:2/391 ، قال: (مقتضى ما عرفت مما ذكرنا ، وما لم نذكر ، كقوله عليه السلام : ولعن الله بني أمية قاطبة ، عموم اللعن على جميع بني أمية ، مع أن علماءنا ذكروا في أولياء أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام وخواصهم جماعة ينتهي نسبهم إليهم ، ولا ريب في حرمة اللعن على المؤمنين الموالين للأئمة الطاهرين وقد قال الله عز وجل: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وقال تبارك وتعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ . وقد قيل في توجيه ذلك والجمع بين الدليلين وجوه غير نقية عن المناقشة ، والأظهر عندي في هذا المقام أن يقال: إن المراد من بني أمية من يسلك مسلكهم ويحذو حذوهم في معاداة أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين عليهم السلام ، وأوليائهم ، سواء كان من هذا الحي ، أم سائر الأحياء . فإن من سلك مسلكهم يعد منهم وطينته من طينتهم وإن لم يكن في النسب الظاهري معدوداً منهم ، ومن كان موالياً لأمير المؤمنين والأئمة الطاهرين فهو منهم من أي حي كان .

والدليل على ما ذكرناه قوله عز وجل: وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ . قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ . والنبوي: سلمان منا أهل البيت . وقولهم عليهم السلام : شيعتنا منا ، وإلينا ، وفي البرهان وغيره عن عمر بن يزيد الثقفي قال قال أبو عبد الله عليه السلام : يا ابن يزيد أنت والله منا أهل البيت . قلت: جعلت فداك من آل محمد؟ قال عليه السلام :إي والله ، قلت: من أنفسهم جعلت فداك ، قال: أي والله من أنفسهم يا عمر ، أما تقرأ كتاب الله عز وجل: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ. أوما تقرأ قول الله عز اسمه: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وفي هذا المعنى روايات كثيرة).

أقول: أولاً ، ينبغي التذكير بأن البحث الأصولي المتقدم أجنبي عن معنى الحديث ، لأن جواز لعن بني أمية قاطبة أو وجوبه ، لايعني أنهم جميعاً غير مؤمنين ولا يتنافى مع وجود مؤمنين منهم ، فلا عموم له من هذه الجهة ، بل يعني أن على الأمة أن تلعنهم جميعاً وتحذر وتتبرأ منهم ، لأنهم كأسرة خطر على الإسلام حتى يفنوا أو تقوم القيامة ! فالحذر اللازم منهم والحصانة المطلوبة لاتتحقق إلا بتعميم لعنهم ، وأي استثناء منهم سيكون باباً ينفذ منه بنو أمية للفساد في الأمة ! فيجب أن يترك الإستثناء لله تعالى ليستثني من لايستحق اللعن !

وعليه فلا يقال: ما ذنب المؤمنين منهم حتى يشملهم اللعن؟! لأن استثناءهم حاصل بفعل الله تعالى وحكمه بأن اللعنة لاتصيب مؤمناً حسب تعبير النبي صلى الله عليه وآله .

أما استثناء المؤمنين في الحكم الموجه الى الأمة في الحياة الدنيا فلا يصح ، لأن فيه مفسدة وخطر نفوذ شرارهم ، بادعائهم الإيمان وغش الأمة وتضليلها !

وهذا يشبه تحذير النبي صلى الله عليه وآله من اليهود ، مع أنه كان منهم مؤمنون أبرار !

وقد صرح النبي صلى الله عليه وآله بهذه الطريقة عندما لعن كل قادة الأحزاب وكل أتباعهم الى يوم القيامة . ففي الاحتجاج:1/401: (يوم الأحزاب يوم جاء أبو سفيان بجمع قريش ، وجاء عينية بن حصين بن بدر بغطفان ، فلعن رسول الله القادة والأتباع ، والساقة إلى يوم القيامة . فقيل: يا رسول الله أما في الأتباع مؤمن؟ قال: لا تصيب اللعنة مؤمناً من الأتباع ، أما القادة فليس فيهم مؤمن ، ولا مجيب ، ولا ناج ).

(والخصال ص398 ، وشرح الأخبار:2/535 ، , والإحتجاج:1/409 ، وشرح النهج:6/290 ، والغدير:10/82 ، وجمهرة خطب العرب:2/25وتفسير الطبري :1/169). وبعض هذه المصادر بسند صحيح كالخصال ، وفي عدد منها أن ذلك وقع في غزوة الحديبية ، وفي المناقب والمثالب للقاضي النعمان ص233: (وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله أشرف يوم أحد على عسكر المشركين فقال: اللهم العن القادة والأتباع ، فأما الأتباع فإن الله يتوب على من يشاء منهم ، وأما القادة والرؤوس فليس منهم نجيب ولا ناج ومن القادة يومئذ أبو سفيان ومعاوية) . انتهى . ويبدو أن ذلك تكرر منه صلى الله عليه وآله .

وفي المحتضر للحلي ص71: (وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه لعن يوماً آل فلان فقيل: يارسول الله ! إن فيهم فلاناً وهو مؤمن . فقال: إن اللعنة لا تصيب مؤمناً) .

وفي الخرائج والجرائح:2/574: (فقام(الإمام الحسن عليه السلام )خطيباً وقال: قد غررتموني كما غررتم من كان قبلي ! مع أي إمام تقاتلون بعدي ؟! مع الكافر الظالم الذي لم يؤمن بالله ولا برسوله قط ، ولا أظهر الاسلام هو ولا بنو أمية إلا فرقاً من السيف ؟ ! ولو لم يبق لبني أمية إلا عجوز درداء لبغت دين الله عوجاً ! وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله ).(والهداية الكبرى ص189، والبحار:44/43 ، ومستدرك سفينة البحار:1/228 ، ومدينة المعاجز:3/403 ، وشرح النهج:6/291 ، وكتاب الاربعين في حب علي عليه السلام :2/88).

كل هذا يدل على أن الحذر من هذه الشجرة الملعونة ضروري للأمة ، وأن عليها أن تتحصن منها بلعنها قاطبة ، أما الطيب النادر فيها ، فالله يتولى استثناءه !

هل نجحت خطة معاوية في اللعن أم خطة النبي صلى الله عليه وآله ؟

قال المفيد رحمه الله في الإرشاد:1/309: (ومن آياته عليه السلام وبيناته التي انفرد بها ممن عداه ، ظهور مناقبه في الخاصة والعامة ، وتسخير الجمهور لنقل فضائله وما خصه الله به من كرائمه ، وتسليم العدو من ذلك بما فيه الحجة عليه ، هذا مع كثرة المنحرفين عنه والأعداء له ، وتوفر أسباب دواعيهم إلى كتمان فضله وجحد حقه ، وكون الدنيا في يد خصومه وانحرافها عن أوليائه ، وما اتفق لأضداده من سلطان الدنيا ، وحمل الجمهور على إطفاء نوره ودحض أمره ، فخرق الله العادة بنشر فضائله ، وظهور مناقبه ، وتسخير الكل للإعتراف بذلك والاقرار بصحته ، واندحاض ما احتال به أعداؤه في كتمان مناقبه وجحد حقوقه ، حتى تمت الحجة له وظهر البرهان لحقه . ولما كانت العادة جارية بخلاف ما ذكرناه فيمن اتفق له من أسباب خمول أمره ما اتفق لأمير المؤمنين عليه السلام فانخرقت العادة فيه ، دل ذلك على بينونته من الكافة بباهر الآية على ما وصفناه . وقد شاع الخبر واستفاض عن الشعبي أنه كان يقول: لقد كنت أسمع خطباء بني أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على منابرهم ، فكأنما يُشال بضِبْعِهِ إلى السماء ، وكنت أسمعهم يمدحون أسلافهم على منابرهم فكأنما يكشفون عن جيفة !! وقال الوليد بن عبد الملك لبنيه يوماً: يا بنيَّ عليكم بالدين فإني لم أرَ الدين بنى شيئاً فهدمته الدنيا ، ورأيت الدنيا قد بنت بنياناً هدمه الدين . ما زلت أسمع أصحابنا وأهلنا يسبون علي بن أبي طالب ويدفنون فضائله ، ويحملون الناس على شنآنه ، فلا يزيده ذلك من القلوب إلا قرباً ! ويجتهدون في تقريبهم من نفوس الخلق فلا يزيدهم ذلك إلا بعداً !

وفيما انتهى إليه الأمر في دفن فضائل أمير المؤمنين عليه السلام والحيلولة بين العلماء ونشرها ، ما لا شبهة فيه على عاقل ، حتى كان الرجل إذا أراد أن يروي عن أمير المؤمنين رواية لم يستطع أن يضيفها إليه بذكر اسمه ونسبه ، فتدعوه الضرورة إلى أن يقول: حدثني رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ! أو يقول: حدثني رجل من قريش ، ومنهم من يقول: حدثني أبو زينب . وروى عكرمة عن عائشة في حديثها له بمرض رسول الله صلى الله عليه وآله ووفاته فقالت في جملة ذلك: فخرج رسول الله متوكئاً على رجلين من أهل بيته ، أحدهما الفضل بن العباس ! فلما حكى عنها ذلك لعبد الله بن عباس رحمه الله قال له: أتعرف الرجل الآخر ؟ قال: لا ، لم تسمِّه لي ، قال: ذلك علي بن أبي طالب ، وما كانت أمنا تذكره بخير وهي تستطيع ! وكانت الولاة الجَوَرَة تضرب بالسياط من ذكره بخير ، بل تضرب الرقاب على ذلك ، وتعترض الناس بالبراءة منه ! والعادة جارية فيمن اتفق له ذلك ألا يذكر على وجه بخير ، فضلاً عن أن تذكر له فضائل أو تروى له مناقب ، أو تثبت له حجة بحق .

وإذا كان ظهور فضائله عليه السلام وانتشار مناقبه على ما قدمنا ذكره من شياع ذلك في الخاصة والعامة ، وتسخير العدو والولي لنقله ، ثبت خرق العادة فيه ، وبأن وجه البرهان في معناه ، بالآية الباهرة على ما قدمناه). انتهى .

أقول: نعم ، هذا من زاوية فشل خطة معاوية في تحقيق هدفها النهائي !

أما من الزوايا الأخرى ، فقد نجحت خطته في أمور:

الأول: نجح معاوية ومن بعده من بني أمية في فرض جو سياسي وثقافي مضاد لعلي وأهل بيته عليهم السلام طوال ستين سنة وأكثر ! وأوقع بذلك خسارات كبيرة على الإسلام وخطه النبوي ، وحرم الأمة من ثقافته الأصيلة ، والتعرف على القدوات الحقيقية التي تمثله ، من المعصومين عليهم السلام وكبار العلماء والأبرار . فقد تم قتل الأئمة المعصومين عليهم السلام والشخصيات الفاعلة وقمعها ، وتغييب المصادر الثقافية والإعلامية لهذا الخط ، وتشريد من بقي منه وتشويه سمعتهم وتخويفهم ، وإسكات صوتهم !

في تفسير القمي:2/134: (عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لقي المنهال بن عمرو علي بن الحسين بن علي عليهم السلام فقال له: كيف أصبحت يا بن رسول الله؟ قال: ويحك أما آن لك ان تعلم كيف أصبحت؟ أصبحنا في قومنا مثل بني إسرائيل في آل فرعون ، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ! وأصبح خير البرية بعد محمد صلى الله عليه وآله يلعن على المنابر ، وأصبح عدونا يعطى المال والشرف ، وأصبح من يحبنا محقوراً منقوصاً حقه ، وكذلك لم يزل المؤمنون ! وأصبحت العجم تعرف للعرب حقها بأن محمدا صلى الله عليه وآله كان منها ، وأصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمداً صلى الله عليه وآله كان منها ، وأصبحت العرب تعرف لقريش حقها بأن محمداً صلى الله عليه وآله كان منها ، وأصبحت العرب تفتخر على العجم بأن محمداً صلى الله عليه وآله كان منها ! وأصبحنا أهل البيت لايعرف لنا حق فهكذا أصبحنا يا منهال)!(ومجمع البيان:6/266).

الثاني: أن معاوية بحملته التزويرية ضخ في الثقافة المسلمين ومصادرهم ، سيلاً من الأكاذيب والتحريفات وقلْب الحقائق ، أخذت طريقها من المنابر والرواة وعلماء السلطة ومؤلفاتهم ، واستقرت في مصادر المسلمين ، وتلقتها أجيالهم أو أكثرها بالقبول ، وتربى عليها أولادهم في الكتاتيب والمساجد !

ولا هذا المرض في ثقافة الأمة ! فلو درست تأثير معاوية في صحيح البخاري وحده لرأيت العجب ، وقد قدمنا نماذج منه تكشف هيمنة المنهج الأموي على مصادر الثقافة ، في كل المذاهب العقائدية والفقهية ، فهي وإن ولدت على يد العباسيين لكنها تغذت بغذاء الفكري الأموي !

الثالث: أن معاوية وبعده بنو مروان استطاعوا أن يشكلوا في الأمة حزباً أموياً متطرفاً ، قام على ثلاثة أسس هي: النصب ، والتجسيم ، والقدرية ! ونشط دعاته في بث سمومه ، وبالغوا في العداء لمن خالفهم ، وخاصة لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ! وما زال ورثتهم ينجمون في بلاد المسلمين ، ويلاقون منهم أشد مما لاقوه من الخوارج القدامى .

أما التشريع النبوي فقد تمسك به أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم

، وخلاصته:

1- أن اللعن لا يثبت ولا يتحقق إلا بنص من القرآن أو السنة ، وأنه حكم يصدر من العليم الحكيم عز وجل ، ومن نبيه صلى الله عليه وآله الذي لاينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله ، ومن عترة النبي المعصومين الذين عندهم علم الكتاب عليهم السلام . أما من غيرهم فلا يتحقق اللعن إلا للملعونين الشرعيين ، أما لغيرهم فلا يكون أكثر من سب وشتم .

2- أن يجب الإيمان بآيات اللعن واعتقاد لعن الملعونين في القرآن ، ولعن من صدرت عليه لعنة من رسول الله صلى الله عليه وآله أو أحد المعصومين عليهم السلام .

3- يجب الإعتقاد بلعن كل من انطبق عليه نص عام في اللعن من آية أو حديث صحيح ، كظالمي آل محمد صلى الله عليه وآله

4- الإعتقاد بلعن الملعونين فريضة كما تقدم ، أما فعل اللعن ، أي لعن الملعونين فتجري عليه الأحكام الخمسة: الوجوب أو الإستحباب أو الحرمة أو الكراهة أو الإباحة ، حسب ما يطرأ عليه من عنوان ، ويتبع فتوى مرجع التقليد .

5- اللعن والبراءة قبل الولاية ومقدم عليها رتبة ، لأن الولاية لا تصح إلا بالبراءة ، وتخلية القلب تسبق التحلية في السلوك ، ولذا كانت البراءة في شهادة التوحيد قبل الولاية ، والنفي متقدماً على الإثبات: (أشهد ألا إله إلا الله) .

6- بناء على ما تقدم ، فإن لعن أعداء محمد وآل أفضل من الصلاة عليهم صلى الله عليه وآله ، لأنه مقدمة لولايتهم ومودتهم ، والدعاء لهم والصلاة عليهم .

7- من الأغلاط الشائعة تصور أن اللعن والبراءة يتنافى مع التسامح والحرية والمحبة للناس . مع أن معاني الخير لايمكن أن تتحقق في نفس الإنسان إلا ببغض الشر والأشرار والبراءة منهم ، واعتقاد أنهم ملعونون مطرودون من رحمة الله تعالى .

فالإنسان لاتتحقق إنسانيته إلا بتوازن قوة الحب والغضب في شخصيته ، وتوجيه كل منهما الى مجالها الصحيح ، فالذي يحب الخير لاتكون شخصيته متوازنة حتى يبغض الشر ، بل لاتحصل له الحصانة المطلوبة من الشر إلا ببغضه وبغض الأشرار .



حقوق الطبع محفوظة لجميع الشيعة والموالين مع رجاء ذكر المصدر