بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين
خطب ابن الزبير بمكة المكرمة على المنبر وابن عبّاس جالس مع الناس تحت المنبر فقال : إن ها هنا رجلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره ، يزعم أن متعة النساء حلال
(قول ابن عباس بحلية المتعة مما لا ينكره أحد ، فقد كان يعلن بأباحتها صريحاً حتى شاع وذاع تحليله لها ونظم على ألسنة الشعراء ، فقال بعضهم :
قـد قـلـت للشيخ لما طال مجلسه * يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس
وهل ترى رخصة الاَطراف ناعمة *تكون مثواك حـتـى مـرجع الناس )
من الله ورسوله ، ويفتي في القملة والنملة ، وقد احتمل بيت مال البصرة بالاَمس ، وترك المسلمين بها يرتضخون النوى ، وكيف ألومه في ذلك ، وقد قاتل أُمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله صلى الله عليه وآله ومن وقاه بيده ؟؟
فقال ابن عبّاس لقائده سعد بن جبير بن هشام مولى بني أسد بن خزيمة : استقبل بي وجه ابن الزبير ، وارفع من صدري ، وكان ابن عبّاس قد كفّ بصره فاستقبل به قائده وجه ابن الزبير ، وأقام قامته فحسر عن ذراعيه ، ثم قال : يا بن الزبير :
قـد أنصفت القارة من راماها
*
إنـا إذا مـافئـة نلقـاهـا
نـرد أولاها علـى أُخراهـا
*
حتى تَصيرَ حرضاً دعواها
يا ابن الزبير : أما العمى فإن الله تعالى يقول : ( فإنّها لا تعمي الاَبصارُ ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور ) ، وأما فتاي في القملة والنملة فإن فيها حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك ، وأمّا حملي المال فإنّه كان مالاً جبيناه فأعطينا كلَّ ذي حقّ حقّه ، وبقيت بقية هي دون حقّنا في كتاب الله فأخذناها بحقّنا.
وأمّا المتعة فسل أُمّك أسماء(أسماء بنت أبي بكر ) إذا نزلت عن بردي عوسجة ، وأمّا قتالنا أُمّ المؤمنين فبنا سميت أُمّ المؤمنين لا بك ولا بأبيك ، فانطلق أبوك وخالك إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها ، ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها ، وصانا حلائلهما في بيوتهما ، فما أنصفا الله ولا محمداً من أنفسهما ، أن أبرزا زوجة نبيه صلى الله عليه وآله وصانا حلائلهما.
وأمّا قتالنا إيّاكم فإنّا لقيناكم زحفاً ، فإن كنّا كفاراً فقد كفرتم بفراركم منّا ، وإن كنّا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيّانا ، وأيم الله لولا مكان صفية فيكم ، ومكان خديجة فينا ، لما تركت لبني أسد بن عبد العزى عظماً إلا كسرته .
فلمّا عاد ابن الزبير إلى أُمه سألها عن بردي عوسجة ؟
فقالت : ألم أنهك عن ابن عبّاس وعن بني هاشم فإنّهم كُعُمُ الجواب إذا بُدِهوا.
فقال : بلى ، وعصيتك .
فقالت : يا بني ، احذر هذا الاَعمى الذي ما أطاقته الاِنس والجن ، واعلم أن عنده فضائح قريش ومخازيها بأسرها فإياك وإيّاه آخر الدهر .
فقال أيمن بن خزيم بن فاتك الاَسدي :
يا ابن الزبير لقد لاقيـت بائقة * من البوائق فالطُفْ لطفَ محتال
لاقيـته هاشمياً طـاب مـنبته * في مغرسيه كريم العم والخـال
مازال يقرع عنك العظم مقتدراً * على الجواب بصوت مُسمع عال
حتى رأيتك مثل الكلب منجحراً * خلف الغبيط وكنت الباذخ العالي
إن ابن عبّاس المعروف حكمته * خير الاَنام لـه حال من الحـال
عيرته «المتعة» المتبوع سنتها * وبالـقتال وقـد عيَّرت بالمـال
لما رماك على رسل بأسـهمه * جرت عليك بسيفِ الحال والبال
فاحتز مقولك الاَعلى بشفـرته * حزاً وحياً بـلا قيـل ولا قـال
وأعلم بأنك إن عاودت غـيبته * عادت عليك مخازٍ ذات أذيال
(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج20 ص 129 ـ 131 ، العقد الفريد للاَندلسي : ج4ص 98 ـ 99 ، مروج الذهب للمسعودي : ج 3 ص 81 نشر دار الاندلس بيروت ، وص 89 ـ 90 نشر مطبعة السعادة القاهرة ، كتاب الفتوح لابن أعثم : ج 6 ص 251 ـ 252 ، بتفاوت ، وقد ذكرها باختصار كل من : صحيح مسلم : ج 2 ص 1026 ، والسنن الكبرى للبيهقي : ج 7 ص 205 (ك النكاح) )
وقد ذكر الراغب الاَصفهاني : أن عبدالله بن الزبير عَيِّر عبدالله بن عباس بتحليله المتعة فقال له : سل أُمّك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك ؟
فسألها ، فقالت : ما ولدتك إلاّ في المتعة
(محاضرات الاَدباء للاِصفهاني : ج 3 ص 314 . ) .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته