عن الموقع | اتصل بنا | أسئلة متكررة | أضفنا للمفضلة | أعلن عن موقعنا

:: الصفحة الرئيسية :: 

  أبحاث و مقالات

     الألف

     ب

     ت

     ث

     ج

     ح

     خ

     د

     ذ

     ر

     ز

     س

     ش

     ص

     ض

     ط

     ظ

     ع

     غ

     ف

     ق

     ك

     ل

     م

       متعة النساء

       مصحف فاطمة (ع)

       المعاد

       المعجزة

       الملائكة

       معاوية

     ن

     هـ

     و

     ي

     متفرقات

  مواضيع مميزة

  أشرطة سمعية

  صور و وثائق

  مواضيع خفيفة

  قسم البرامج

  مواقع صديقة

  إصدارات الموقع

 البحث في الموقع

أبحاث و مقالات » م » معاوية

آخر تعديل: 27/05/2012 - 3:18 ص

  الماحق في إثبات كذب ابن آكلة الأكباد على رسول الخالق
  كتبه: الفضل | 10:57 م | 22/05/2012

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها وترجف الأرض وعمارها وتموج البحار ومن يسبح في غمراتها

قد ثبت عند المسلمين كافة اختلاف الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أغلب الأصول والفروع فما نكاد نجد مسألة إلا وقول أحدهم فيها يعارضه آخر حتى انتشر ذلك في جل المسائل عقائدية كانت أم فقهية

وقد ثبت من جملة ذلك اختلافهم في الجمع بين الحج والعمرة

فهذا عثمان ينهى الناس عنها وهذا أمير المؤمنين يفعلها ويأمر الناس بها كما ثبت في الحديث الصحيح

وتبعه على النهي معاوية بن أبي سفيان ولم يقتصر على ذلك بل تجاوزه إلى ما هو أعظم كما سنبينه هنا إن شاء الله تعالى

وسيكون بحثنا منصبا على هاتين الروايتين :

صحيح مسلم - (ج 6 / ص 310)
حدثنا عمرو الناقد حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس قال قال ابن عباس قال لي معاوية أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة بمشقص فقلت له لا أعلم هذا إلا حجة عليك

سنن أبي داود - (ج 5 / ص 125)
حدثنا موسى أبو سلمة حدثنا حماد عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي خيوان بن خلدة ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كذا وكذا وعن ركوب جلود النمور قالوا نعم قال فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة فقالوا أما هذا فلا فقال أما إنها معهن ولكنكم نسيتم

وسنجزء الموضوع إلى هذه الأجزاء الثلاثة :

1- البحث السندي للروايتين
2- استعراض شروح علماء أهل السنة لهما
3- إثبات كذب معاوية بن أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

 

الجزء الأول : البحث السندي للروايتين


الرواية الأولى :

صحيح مسلم - (ج 6 / ص 310)
حدثنا عمرو الناقد حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس قال قال ابن عباس قال لي معاوية أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة بمشقص فقلت له لا أعلم هذا إلا حجة عليك

الرواية الأولى لا يكاد يخلو كتاب من كتب أهل السنة منها ويكفي في صحتها أنها في صحيح مسلم

وقد جاءت من طريق آخر بزيادة في بعض ألفاظها :

سنن النسائي - (ج 9 / ص 482)
أخبرنا محمد بن منصور قال حدثنا الحسن بن موسى قال حدثنا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن معاوية قال أخذت من أطراف شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص كان معي بعد ما طاف بالبيت وبالصفا والمروة في أيام العشر قال قيس والناس ينكرون هذا على معاوية

وأيضا :

مسند أحمد - (ج 6 / ص 64)
حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد الواحد يعني ابن زياد حدثنا ليث عن طاوس عن ابن عباس قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات وأبو بكر حتى مات وعمر حتى مات وعثمان رضي الله عنهم حتى مات وكان أول من نهى عنها معاوية قال ابن عباس فعجبت منه وقد حدثني أنه قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص

وأيضا :

المعجم الكبير للطبراني - (ج 14 / ص 221)
حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن بن طاووس، عن أبيه، عن بن عباس، عن معاوية، قال:" قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة بمشقص في حجته".

الرواية الثانية :

سنن أبي داود - (ج 5 / ص 125)
حدثنا موسى أبو سلمة حدثنا حماد عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي خيوان بن خلدة ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كذا وكذا وعن ركوب جلود النمور قالوا نعم قال فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة فقالوا أما هذا فلا فقال أما إنها معهن ولكنكم نسيتم

وهي في مسند أحمد بلفظ مشابه

مسند أحمد - (ج 34 / ص 193)
حدثنا عفان قال حدثنا همام قال حدثنا قتادة عن أبي شيخ الهنائي قال كنت في ملإ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند معاوية فقال معاوية أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير قالوا اللهم نعم قال وأنا أشهد قال أنشدكم الله تعالى أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا قالوا اللهم نعم قال وأنا أشهد قال أنشدكم الله تعالى أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب النمور قالوا اللهم نعم قال وأنا أشهد قال أنشدكم الله تعالى أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب في آنية الفضة قالوا اللهم نعم قال وأنا أشهد قال أنشدكم الله تعالى أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جمع بين حج وعمرة قالوا أما هذا فلا قال أما إنها معهن

وهي في مصنف عبد الرزاق والمعجم الكبير ومسند عبد بن حميد ومسند الطيالسي وغيرها

ورجال الرواية ثقات بأجمعهم خلا قتادة فإنه قد وصف بالتدليس ولكنه لم ينفرد برواية الخبر كما سيأتي بل تابعه عليها بيهس بن فهدان وهو ثقة وقد قالوا كما في مصطلح الحديث أن " متابعة المدلس عن شيخه تنفي تدليسه "

ويكفي في صحتها ما يلي :

1- صححها الهيثمي في مجمع الزوائد
2- حسن سندها شعيب الأرناؤوط في تحقيق مسند أحمد وصححها في موضع آخر
3- صححها الألباني في صحيح سنن أبي داود ولكنه ادعى أن ( النهي عن القران شاذ)

ولها شاهد من رواية الحسن البصري :

حجة الوداع لابن حزم - (ج 2 / ص 62)
حدثنا عبد الله بن ربيع ، حدثنا أبو بكر محمد بن معاوية ، حدثنا أحمد بن شعيب ، حدثنا أبو داود ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا شريك ، عن أبي فروة ، عن الحسن ، قال : خطب معاوية الناس فقال : إني محدثكم بحديث سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقوني : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا تلبسوا الذهب إلا مقطعا » ، قالوا : سمعنا ، قال : وسمعته ينهى عن المتعة ، قالوا : لم نسمع ، قال : بلى وإلا فصمتا

أما ادعاء الألباني شذوذ المقطع الأخير من الرواية فمردود وسيأتي الرد إن شاء الله تعالى

قول ابن حزم حول الرواية :


حجة الوداع لابن حزم - (ج 2 / ص 63)
وأما حديث معاوية فمعلول أيضا ؛ لأن أبا شيخ لم يسمعه من معاوية

وهذا خطأ واضح فأبو شيخ قد صرح بالسماع كما في مسند أحمد حين قال (أبي شيخ الهنائي قال كنت في ملأ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند معاوية)

ثم رد ابن حزم ادعاءه هذا بقوله

حجة الوداع لابن حزم - (ج 2 / ص 66)
فصح أن أبا شيخ إنما أخذه عمن لا يدري . مرة يقول : أخبرنا حمان ، ومرة يقول : جمان ، ومرة يقول : جماز ، ومرة يقول : حمران ، وكل هؤلاء لا يعرف منهم أحد . فإن قيل بأن قتادة قد ذكر عن أبي شيخ سماعا من معاوية ، وعنده جمع من أصحاب محمد ، فقال : أتعلمون أن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب جلود النمور ؟ قالوا : اللهم نعم ، قيل لهم : ليس في هذا الحديث ذكر النهي عن القران ، ولا عن المتعة ، والحديث الذي فيه ذكر النهي عنها ليس فيه ذكر سماع أبي شيخ من معاوية ، وقد صح في بعضه أن أبا شيخ لم يأخذه إلا عن مجهول ، فسقط الاحتجاج به .

نقول : وهذا جهل واضح فالرواية التي فيها سماع أبي شيخ من معاوية قد ذكر فيه النهي عن القران والمتعة أيضا كما في رواية أحمد والطبراني وعبد بن حميد

وأما المجهولون الذين وردوا في السند بين أبي شيخ ومعاوية فقد وردوا من رواية يحيى بن أبي كثير فقط وقد اضطرب فيها كما بينه النسائي والدارقطني واضطرابه لا يعل الرواية الصحيحة

علل الدارقطني - (ج 7 / ص 72)
وسئل عن حديث أبي شيخ الهنائي عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن لبس الذهب والحرير وجلود النمور والجمع بين الحج والعمرة فقال يرويه قتادة وبيهس بن فهدان ومطر الوراق عن أبي شيخ الهنائي عن معاوية ورواه سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وهمام بن يحيى حماد بن سلمة معمر بن راشد حدث به عنه بن المبارك اختلف عنه فرواه أصحاب بن المبارك عنه عن معمر عن قتادة وخالفهم يحيى الحماني فرواه عن بن المبارك فقال عن شعبة عن قتادة والصحيح حديث معمر ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي شيخ واختلف عنه فرواه الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو شيخ قال حدثني حمان وحمان لا يضبط قال حج معاوية قال ذلك شعيب بن إسحاق عن الاوزاعي وقال عقبة بن علقمة عن الاوزاعي عن يحيى حدثني أبو إسحاق ووهم في ذلك وإنما أراد حدثني أبو شيخ ثم قال حدثني أبوحمان عن معاوية وقال علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو شيخ عن أبي حمان عن معاوية وقال حرب بن شداد عن يحيى حدثني أبو شيخ عن أخيه عن حمان عن معاوية واضطرب به يحيى بن أبي كثير فيه والقول عندنا قول قتادة وبيهس بن فهدان والله أعلم اهـ

فاضطراب يحيى بن أبي كثير لا ينظر إليه والقول عند الدارقطني هو قول قتادة ومن تابعه

وقد نص النسائي أن قتادة أحفظ من يحيى

السنن الكبرى للنسائي - (ج 5 / ص 470)
قال أبو عبد الرحمن قتادة أحفظ من يحيى بن أبي كثير وحديثه أولى بالصواب وبالله التوفيق اهـ



وأما سبب رد ابن حزم لحديث معاوية هذا ودعوى الألباني شذوذ المقطع الأخير منه فهذا ما سيتضح إن شاء الله تعالى في الجزء الثاني Click here to enlarge


الجزء الثاني : شروح علماء أهل السنة

قد واجه عدد من علمائهم إشكالا لا حل له حينما شرعوا في شرح هاتين الروايتين

فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحل بعمرة في حجته وقد جزم بعضهم بتواتر ذلك ولكن حديث معاوية يناقض ذلك حيث أن ابن أبي سفيان قد ادعى فيه أنه قد قصر عن رسول الله بمشقص

فكيف يستقيم هذا مع ذلك ؟ Click here to enlarge

وقبل الخوض في البحث هذه بعض المعلومات الهامة :

1- عمرة القضاء كانت في سنة سبع للهجرة
2- عمرة الجعرانة كانت في سنة ثمان للهجرة
3- حجة الوداع كانت سنة عشر للهجرة
4- أسلم معاوية بن أبي سفيان سنة ثمان للهجرة

وسينقسم هذا الجزء إلى عدة مراحل نستعرض في كل مرحلة محاولة أحدهم حل هذا " اللغز المشكل " Click here to enlarge

1- قول الشوكاني
2- قول ابن القيم
3- قول ابن كثير
4- قول علي القاري
5- قول ابن حجر
6- قول العظيم آبادي
7- قول المباركفوري

فنبدأ بتأويل الشوكاني في كتابه نيل الأوطار حين يشرح حديث معاوية :

نيل الأوطار - (ج 7 / ص 474)
قوله : ( قصرت ) أي : : أخذت من شعر رأسه وهو يشعر بأن ذلك كان في نسك إما في حج أو عمرة ، وقد ثبت أنه حلق في حجته فتعين أن يكون في عمرة ولا سيما وقد روى مسلم " أن ذلك كان في المروة " ، وهذا يحتمل أن يكون في عمرة القضية أو الجعرانة ولكن قوله في الرواية الأخرى : في أيام العشر يدل على أن ذلك كان في حجة الوداع ؛ لأنه لم يحج غيرها وفيه نظر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى بلغ الهدي محله كما تقدم في الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرها .
وقد بالغ النووي في الرد على من زعم أن ذلك كان في حجة الوداع فقال : هذا الحديث محمول على أن معاوية قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارنا وثبت أنه حلق بمنى وفرق أبو طلحة شعره بين الناس فلا يصح حمل تقصير معاوية على حجة الوداع ، ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع ؛ لأن معاوية لم يكن حينئذ مسلما إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان على الصحيح المشهور ، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع ، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا ؛ لأن هذا غلط فاحش فقد تظافرت الأحاديث في مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : { ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك فقال : إني لبدت رأسي ، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر } .
قال الحافظ متعقبا لقوله : ( لا يصح حمله على عمرة القضاء ) . ما لفظه .
قلت : يمكن الجمع بينهما بأنه كان أسلم خفية وكان يكتم إسلامه ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم الفتح .
وقد أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة معاوية تصريحا بأنه أسلم بين الحديبية والقضة وأنه كان يخفي إسلامه خوفا من أبويه .
ولا يعارضه قول سعد المتقدم : فعلناها - يعني : العمرة - وهذا - يعني : معاوية - كافر بالعروش ؛ لأنه أخبر بما استصحبه من حاله ولم يطلع على إسلامه لكونه كان يخفيه .
ولا ينافيه أيضا ما رواه الحاكم في الإكليل : أن الذي حلق رأس النبي صلى الله عليه وسلم في عمرته التي اعتمرها من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة ؛ لأنه يمكن الجمع بأن يكون معاوية قصر عنه أولا وكان الحلاق غائبا في بعض حاجاته ثم حضر فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق ؛ لأنه أفضل ففعل ولا يعكر على كون ذلك في عمرة الجعرانة إلا رواية أحمد المذكورة في الباب " أن ذلك كان في أيام العشر " إلا أنها كما قال ابن القيم : معلولة أو وهم من معاوية وقد قال قيس بن سعد : راويها عن عطاء عن ابن عباس عنه ؛ والناس ينكرون هذا على معاوية .
قال ابن القيم : وصدق قيس فنحن نحلف بالله أن هذا ما كان في العشر قط .
وقال في الفتح : إنها شاذة قال : وأظن بعض رواتها حدث بها بالمعنى فوقع له ذلك .
ا هـ وأيضا قد ترك ابن الجوزي في جامع المسانيد رواية أحمد هذه وقد ذكر أنه لم يترك فيه من مسند أحمد إلا ما لم يصح .
وقال بعضهم : يحتمل أن يكون في قول معاوية قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذف تقديره : قصرت أنا شعري عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وتعقب بأنه يرد ذلك قوله - في رواية أحمد - : " قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة " وقال ابن حزم : يحتمل أن يكون معاوية قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شعر لم يكن الحلاق استوفاه يوم النحر .
وتعقبه صاحب الهدي بأن الحالق لا يبقي شعرا يقصر منه ولا سيما وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم شعره بين أصحابه الشعرة والشعرتين .
وقد وافق النووي على ترجيح كون ذلك في عمرة الجعرانة المحب الطبري وابن القيم .
قال الحافظ : وفيه نظر ؛ لأنه جاء أنه حلق في الجعرانة .
ويجاب عنه بأن الجمع ممكن - كما سلف - .


تلخيص تأويل الشوكاني :

1- نص أن النبي صلى الله عليه وآله قد حلق في حجته فلا بد أن تقصير معاوية كان في عمرة
2- استشكل كون تقصير معاوية كان في عمرة لقوله في الرواية ( في أيام العشر) حيث أنه دال أنها في حجة لا عمرة
3- نص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحل وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة
4- ذكر تأويل النووي أن تقصير معاوية كان في عمرة الجعرانة
5- ذكر النووي أن النبي كان قارنا وثبت أنه حلق بمنى
6- نفى النووي أن ذلك كان في عمرة القضاء لتأخر إسلام معاوية ولا على حجة الوداع وأن ذلك ( غلط فاحش)
7- حاول الشوكاني الجمع بين قول معاوية وكونها في عمرة القضاء
8- ذكر تأويلا سمجا حين أدخل الحلاق في المسألة وأنه كان غائبا
9- ذكر قول ابن القيم أن رواية ( الأيام العشر) إما معلولة أو هي وهم من معاوية !! Click here to enlarge
10- رد الشوكاني مسألة عدم إتقان الحلاق التي ذكرها ابن حزم
11- ذكر أن النووي وابن القيم والمحب الطبري قد رجحوا أن التقصير من معاوية كان في الجعرانة
12- ذكر قول ابن حجر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد حلق في الجعرانة ولم يقصر


ذكرنا فيما مضى قول الشوكاني في كتابه نيل الأوطار وكيف أنه تخبط أيما تخبط في شرح حديث معاوية وهنا نذكر قول ابن القيم في كتابه زاد المعاد وسنرى التخبط ذاته بل لعله أعظم

وقد تعرض ابن القيم لشرح حديث معاوية في موضعين من كتابه سنذكرهما إن شاء الله تعالى

يقول ابن القيم الجوزية في الموضع الأول :

زاد المعاد - (ج 2 / ص 118)
ويحتمل أنه لم يحل فلما أخبر معاوية أنه قصر عن رأسه بمشقص على المروة ، وحديثه في " الصحيحين " دل على أنه حل من إحرامه ولا يمكن أن يكون هذا في غير حجة الوداع لأن معاوية إنما أسلم بعد الفتح والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن زمن الفتح محرما ، ولا يمكن أن يكون في عمرة الجعرانة لوجهين أحدهما : أن في بعض ألفاظ الحديث الصحيح " وذلك في حجته " . والثاني : أن في رواية النسائي بإسناد صحيح وذلك في أيام العشر وهذا إنما كان في حجته وحمل هؤلاء رواية من روى أن المتعة كانت له خاصة طائفة منهم خصوا بالتحليل من الإحرام مع سوق الهدي دون من ساق الهدي من الصحابة وأنكر ذلك عليهم آخرون منهم شيخنا أبو العباس . وقالوا : من تأمل الأحاديث المستفيضة الصحيحة تبين له أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل لا هو ولا أحد ممن ساق الهدي .

وللتلخيص نقول :

1- نص ابن القيم أن تقصير معاوية لا يمكن أن يكون في غير حجة الوداع
2- نفى أن تقصير معاوية كان في عمرة الجعرانة وذكر سببين لذلك أحدهما أن رواية النسائي صحيحة
3- ذكر ابن القيم قول شيخه أبا العباس ( يعني ابن تيمية) أنه قد تواتر عنه صلى الله عليه وآله أنه لم يحل لا هو ولا أحد ممن ساق الهدي


فكيف يستقيم هذا مع حديث معاوية ؟ Click here to enlarge


نكمل :

زاد المعاد - (ج 2 / ص 126)
وأما قول من قال إنه حج متمتعا تمتعا حل فيه من إحرامه ثم أحرم يوم التروية بالحج مع سوق الهدي . فعذره ما تقدم من حديث معاوية ، أنه قصر عن صلى الله عليه وسلم بمشقص في العشر وفي لفظ وذلك في حجته . وهذا مما أنكره الناس على معاوية وغلطوه فيه وأصابه فيه ما أصاب ابن عمر في قوله إنه اعتمر في رجب فإن سائر الأحاديث الصحيحة المستفيضة من الوجوه المتعددة كلها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يحل من إحرامه إلا يوم النحر ولذلك أخبر عن نفسه بقوله لولا أن معي الهدي لأحللت وقوله إني سقت الهدي وقرنت فلا أحل حتى أنحر وهذا خبر عن نفسه فلا يدخله الوهم ولا الغلط بخلاف خبر غيره عنه لا سيما خبرا يخالف ما أخبر به عن نفسه وأخبر عنه به الجم الغفير أنه لم يأخذ من شعره شيئا ، لا بتقصير ولا حلق وأنه بقي على إحرامه حتى حلق يوم النحر ولعل معاوية قصر عن رأسه في عمرة الجعرانة ، فإنه كان حينئذ قد أسلم ، ثم نسي فظن أن ذلك كان في العشر كما نسي ابن عمر أن عمره كانت كلها في ذي القعدة . وقال كانت [ إحداهن ] في رجب وقد كان معه فيها ، والوهم جائز على من سوى الرسول صلى الله عليه وسلم . فإذا قام الدليل عليه صار واجبا . وقد قيل إن معاوية لعله قصر عن رأسه بقية شعر لم يكن استوفاه الحلاق يوم النحر فأخذه معاوية على المروة ، ذكره أبو محمد بن حزم ، وهذا أيضا من وهمه فإن الحلاق لا يبقي غلطا شعرا يقصر منه ثم يبقي منه بعد التقصير بقية يوم النحر وقد قسم شعر رأسه بين الصحابة فأصاب أبا طلحة أحد الشقين وبقية الصحابة اقتسموا الشق الآخر الشعرة والشعرتين والشعرات وأيضا فإنه لم يسع بين الصفا والمروة إلا سعيا واحدا وهو سعيه الأول لم يسع عقب طواف الإفاضة ولا اعتمر بعد الحج قطعا ، فهذا وهم محض . وقيل هذا وقع فيه غلط وخطأ أخطأ فيه الحسن بن علي ، فجعله عن معمر عن ابن طاووس . وإنما هو عن هشام بن حجير عن ابن طاووس . وهشام ضعيف . قلت : والحديث الذي في البخاري عن معاوية قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص ولم يزد على هذا ، والذي عند مسلم قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة . وليس في " الصحيحين " غير ذلك . وأما رواية من روى " في أيام العشر " فليست في الصحيح وهي معلولة أو وهم من معاوية . قال قيس بن سعد راويها عن عطاء عن ابن عباس عنه والناس ينكرون هذا على معاوية . وصدق قيس ، فنحن نحلف بالله إن هذا ما كان في العشر قط . ويشبه هذا وهم معاوية في الحديث الذي رواه أبو داود عن قتادة عن أبي شيخ الهنائي أن معاوية قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كذا ، وعن ركوب جلود النمور ؟ قالوا : نعم . قال فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة ؟ قالوا : أما هذه فلا . فقال : أما إنها معها ولكنكم نسيتم . ونحن نشهد بالله إن هذا وهم من معاوية أو كذب عليه فلم ينه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قط ، وأبو شيخ شيخ لا يحتج به فضلا عن أن يقدم على الثقات الحفاظ الأعلام وإن روى عنه قتادة ويحيى بن أبي كثير . واسمه خيوان بن خلدة بالخاء المعجمة وهو مجهول .


تلخيص قول ابن القيم :

1- نص أن الناس أنكروا على معاوية حديثه هذا ( وهل الإنكار إلا تكذيبا له Click here to enlarge)
2- نص على صحة واستفاضة كون الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لم يأخذ من شعره شيئا لا بتقصير ولا حلق وأنه بقي محرما حتى يوم النحر
3- احتمل ابن القيم أن معاوية قد نسي ووهم Click here to enlarge
4- رد ابن القيم قول ابن حزم حول كون الحلاق لم يكمل عمله وأكمله معاوية Click here to enlarge
5- أتى ابن القيم باشكال جديد وهو ضعف أحد رواة الحديث ( صحيح مسلم فيه حديث ضعيف Click here to enlarge)
6- رد ابن القيم رواية النسائي بعدما ذكر أنها بسند صحيح Click here to enlarge
7- عرج ابن القيم على حديثنا الثاني وزعم أنه من وهم معاوية
8- قال ابن القيم : ونحن نشهد بالله إن هذا وهم من معاوية أو كذب عليه ( هو كذب منه لا عليه Click here to enlarge)
9- زعم ابن القيم أن أبا شيخ لا يحتج به ( وهذه مجازفة فالرجل ثقة كما بينا Click here to enlarge)


نقول :

مما سبق يتضح أن الشوكاني وابن القيم قد تناقضا فما احتمله الأول رده الآخر وما احتمله الآخر نقضه الأول وللأمانة فقد اتفق كلاهما على رد تأويلات ابن حزم Click here to enlarge


هذا وللحديث بقية إن شاء الله تعالى ...


ملاحظة :

أعجبنا قول ابن القيم

والوهم جائز على من سوى الرسول صلى الله عليه وسلم Click here to enlarge


نأتي على تأويل ابن كثير لحديث معاوية " المشكل " لننظر كيف تأول ابن كثير هذا الحديث :

السيرة النبوية لابن كثير - (ج 3 / ص 696)
وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثنى الحسن بن مسلم، عن طاوس، أن ابن عباس أخبره أن معاوية أخبره قال: قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص.
أو قال: رأيته يقصر عنه بمشقص عند المروة. وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن جريج به.
ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس، عن معاوية به. ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس عن أبيه به. وقال عبدالله بن الامام أحمد: حدثنى عمرو بن محمد الناقد، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عباس، عن معاوية قال: قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة.
* * * والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة.
وذلك أن عمرة الحديبية لم يدخل إلى مكة فيها بل صد عنها كما تقدم بيانه، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بل خرجوا منها، وتغيبوا عنها مدة مقامه عليه السلام بها تلك الثلاثة الايام، وعمرته التى كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق، فتعين أن هذا التقصير الذى تعاطاه معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا. والله تعالى أعلم.


وقول ابن كثير لا يحتاج إلى تلخيص فهو قد ذكر أنها الجعرانة ونفى سواها ولكنه يناقض قول من قال أن النبي صلى الله عليه وآله قد " حلق " في الجعرانة ولم يقصر وناقض الحديث الصحيح أن ذلك في حجته كما ذكر ابن القيم فيما سبق !!!


فما المخرج Click here to enlarge

لعل الملا علي القاري يأتينا بالمخرج :

مرقاة المفاتيح - (ج 9 / ص 114)
وقد صح أن النبي لم يقصر في حجته بل حلق فيكون التقصير الذي رواه معاوية في عمرته والذي يدل عليه أنه قال عند المروة فلو كان حاجا لقال بمنى قال الطيبي رحمه الله كان ذلك في عمرة الجعرانة اعتمرها رسول الله لما فتح مكة وأراد الرجوع منها في السنة الثامنة من الهجرة أو عمرة القضاء أن صح ما روى عنه أنه قال أسلمت عام القضية والأصح أنه أسلم عام الفتح قال ابن الهمام وأما ما استدل به القائلون بأنه كان متمتعا وأنه أحل من حديث معاوية قصرت عن رسول الله بمشقص قالوا ومعاوية أسلم بعد الفتح والنبي لم يكن محرما في الفتح فلزم كونه في حجة الوداع وكونه عن إحرام العمرة لما رواه أبو داود وفي رواية من قوله عند المروة والتقصير في الحج إنما يكون في منى فدفعه أن الأحاديث الدالة على عدم إحلاله جاءت مجيئا متظافرا يقرب القدر المشترك من الشهرة التي هي قريبة من التواتر كحديث ابن عمر السابق وما تقدم في الفتح من الأحاديث وحديث جابر الطويل الثابت في مسلم وغيره ولو انفرد حديث ابن عمر كان مقدما على حديث معاوية فكيف والحال ما أعلمناك فلزم في حديث معاوية الشذوذ عن الجم الغفير فأما هو خطأ أو محمول على عمرة الجعرانة فإنه قد كان أسلم إذ ذاك وهي عمرة خفيت على بعض الناس لأنها كانت ليلا على ما في الترمذي والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام خرج إلى الجعرانة ليلا معتمرا فدخل مكة ليلا فقضى عمرته ثم خرج من ليلته الحديث قال فمن أجل ذلك خفيت على الناس وعلى هذا فيجب الحكم على الزيادة التي في سنن النسائي وهو قوله في أيام العشر بالخطأ ولو كانت بسند صحيح إما للنسيان من معاوية أو من بعض الرواة عنه متفق عليه وأنت علمت مما سبق من كلام المحقق أن قوله عند المروة ليس في الصحيحين بل في رواية أبي داود


وللتلخيص :

1- نص القاري كسابقيه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصر في حجته بل حلق
2- ذكر قول الطيبي أن ذلك في الجعرانة
3- اعترض بأن إسلام معاوية كان بعد الفتح فلزم أن التقصير كان في حجة الوداع
4- ذكر أنه قد تواتر أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يحل إلا في منى
5- أتى بتأويل جديد وهو " شذوذ قول معاوية " Click here to enlarge
7- رد زيادة النسائي مع علمه أنها بسند صحيح !!
8- ثم أتى القاري بوهم عجيب وهو قوله أن ( عند المروة) ليس في الصحيحين Click here to enlarge


فللتذكير :

صحيح مسلم - (ج 6 / ص 311)
و حدثني محمد بن حاتم حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج حدثني الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص وهو على المروة أو رأيته يقصر عنه بمشقص وهو على المروة


فلم يبق إلا وهم معاوية أو كذبه Click here to enlarge

بعد استعراض أقوال أئمة أهل السنة المتضاربة في شرح هذا الحديث نأتي إلى الحافظ ابن حجر وكيف أنه قد زاد الأمر سوء

فقد رد تجويز المجوزين واحتمالات المفترضين Click here to enlarge


يقول في معرض شرحه لحديث معاوية " المشكل " في كتابه فتح الباري :

فتح الباري لابن حجر - (ج 5 / ص 417)
قوله : ( قصرت )
أي أخذت من شعر رأسه ، وهو يشعر بأن ذلك كان في نسك ، إما في حج أو عمرة ، وقد ثبت أنه حلق في حجته فتعين أن يكون في عمرة ، ولا سيما وقد روى مسلم في هذا الحديث أن ذلك كان بالمروة ولفظه " قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص وهو على المروة " أو " رأيته يقصر عنه بمشقص وهو على المروة " وهذا يحتمل أن يكون في عمرة القضية أو الجعرانة ، لكن وقع عند مسلم من طريق أخرى عن طاوس بلفظ " أما علمت أني قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص وهو على المروة ؟ فقلت له لا أعلم هذه إلا حجة عليك " وبين المراد من ذلك في رواية النسائي فقال بدل قوله : " فقلت له لا إلخ " يقول ابن عباس " وهذه على معاوية أن ينهى الناس عن المتعة وقد تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولأحمد من وجه آخر عن طاوس عن ابن عباس قال " تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات " الحديث وقال " وأول من نهى عنها معاوية . قال ابن عباس : فعجبت منه ، وقد حدثني أنه قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص " انتهى . وهذا يدل على أن ابن عباس حمل ذلك على وقوعه في حجة الوداع لقوله لمعاوية " إن هذه حجة عليك " إذ لو كان في العمرة لما كان فيه على معاوية حجة . وأصرح منه ما وقع عند أحمد من طريق قيس بن سعد عن عطاء " أن معاوية حدث أنه أخذ من أطراف شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام العشر بمشقص معي وهو محرم " و في كونه في حجة الوداع نظر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى بلغ الهدي محله فكيف يقصر عنه على المروة . وقد بالغ النووي هنا في الرد على من زعم أن ذلك كان في حجة الوداع فقال : هذا الحديث محمول على أن معاوية قصر عن النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارنا وثبت أنه حلق بمنى وفرق أبو طلحة شعره بين الناس ، فلا يصح حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلما إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان ، هذا هو الصحيح المشهور ، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا لأن هذا غلط فاحش ، فقد تظاهرت الأحاديث في مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له " ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك ؟ فقال : إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " . قلت : ولم يذكر الشيخ هنا ما مر في عمرة القضية ، والذي رجحه من كون معاوية إنما أسلم يوم الفتح صحيح من حيث السند ، لكن يمكن الجمع بأنه كان أسلم خفية وكان يكتم إسلامه ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم الفتح . وقد أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق من ترجمة معاوية تصريح معاوية بأنه أسلم بين الحديبية والقضية وأنه كان يخفي إسلامه خوفا من أبويه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل في عمرة القضية مكة خرج أكثر أهلها عنها حتى لا ينظروه وأصحابه يطوفون بالبيت ، فلعل معاوية كان ممن تخلف بمكة لسبب اقتضاه ، ولا يعارضه أيضا قول سعد بن أبي وقاص فيما أخرجه مسلم وغيره " فعلناها - يعني العمرة - في أشهر الحج وهذا يومئذ كافر بالعرش " بضمتين يعني بيوت مكة ، يشير إلى معاوية لأنه يحمل على أنه أخبر بما استصحبه من حاله ولم يطلع على إسلامه لكونه كان يخفيه . ويعكر على ما جوزوه أن تقصيره كان في عمرة الجعرانة أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب من الجعرانة بعد أن أحرم بعمرة ولم يستصحب أحدا معه إلا بعض أصحابه المهاجرين ، فقدم مكة فطاف وسعى وحلق ورجع إلى الجعرانة فأصبح بها كبائت ، فخفيت عمرته على كثير من الناس . وكذا أخرجه الترمذي وغيره ، ولم يعد معاوية فيمن صحبه حينئذ ، ولا كان معاوية فيمن تخلف عنه بمكة في غزوة حنين حتى يقال لعله وجده بمكة ، بل كان مع القوم وأعطاه مثل ما أعطى أباه من الغنيمة مع جملة المؤلفة ، وأخرج الحاكم في " الإكليل " في آخر قصة غزوة حنين أن الذي حلق رأسه صلى الله عليه وسلم في عمرته التي اعتمرها من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة ، فإن ثبت هذا وثبت أن معاوية كان حينئذ معه أو كان بمكة فقصر عنه بالمروة أمكن الجمع بأن يكون معاوية قصر عنه أولا وكان الحلاق غائبا في بعض حاجته ثم حضر فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق لأنه أفضل ففعل ، وإن ثبت أن ذلك كان في عمرة القضية وثبت أنه صلى الله عليه وسلم - حلق فيها جاء هذا الاحتمال بعينه وحصل التوفيق بين الأخبار كلها ، وهذا مما فتح الله علي به في هذا الفتح ولله الحمد ثم لله الحمد أبدا . قال صاحب " الهدي " الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يحل من إحرامه إلى يوم النحر كما أخبر عن نفسه بقوله " فلا أحل حتى أنحر " وهو خبر لا يدخله الوهم بخلاف خبر غيره ، ثم قال : ولعل معاوية قصر عنه في عمرة الجعرانة فنسي بعد ذلك وظن أنه كان في حجته انتهى . ولا يعكر على هذا إلا رواية قيس بن سعد المتقدمة لتصريحه فيها بكون ذلك في أيام العشر ، إلا أنها شاذة ، وقد قال قيس بن سعد عقبها : والناس ينكرون ذلك انتهى . وأظن قيسا رواها بالمعنى ثم حدث بها فوقع له ذلك ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون في قول معاوية " قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص " حذف تقديره قصرت أنا شعري عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى . ويعكر عليه قوله في رواية أحمد " قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة " أخرجه من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن ابن عباس ، وقال ابن حزم يحتمل أن يكون معاوية قصر عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شعر لم يكن الحلاق استوفاه يوم النحر ، وتعقبه صاحب " الهدي " بأن الحالق لا يبقي شعرا يقصر منه ، ولا سيما وقد قسم صلى الله عليه وسلم شعره بين الصحابة الشعرة والشعرتين ، وأيضا فهو صلى الله عليه وسلم لم يسع بين الصفا والمروة إلا سعيا واحدا في أول ما قدم فماذا يصنع عند المروة في العشر . قلت : وفي رواية العشر نظر كما تقدم ، وقد أشار النووي إلى ترجيح كونه في الجعرانة وصوبه المحب الطبري وابن القيم ، وفيه نظر لأنه جاء أنه حلق في الجعرانة ، واستبعاد بعضهم أن معاوية قصر عنه في عمرة الحديبية لكونه لم يكن أسلم ليس ببعيد .


وهذا ابن حجر قد ضرب بأقوال الجميع عرض الحائط :

1- فقد نص أن تقصير معاوية لا بد أنه كان في عمرة لا حجة فهي إما القضاء أو الجعرانة
2- ذكر ابن حجر مسألة هامة وهي ( لو كان في العمرة لما كان فيه على معاوية حجة) إشارة إلى الحديث مسلم فكيف يمكن حمله أنه في عمرة !!! Click here to enlarge
3- رد ابن حجر الحديث بأن الثابت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " حلق " في حجة الوداع
4- نص ابن حجر أن مما يعكر على أنها الجعرانة أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يصحب معه إلا " بعض أصحابه المهاجرين " فكيف يقصر عنه معاوية ؟ Click here to enlarge
5- افترض ابن حجر أن الحلاق كان غائبا ثم حضر وهذا لا دليل عليه بالطبع Click here to enlarge
6- ذكر قول ابن حزم ثم رده بقول صاحب الهدي
7- رد أقوال النووي والمحب الطبري وابن القيم أنها الجعرانة (وفيه نظر لأنه جاء أنه حلق في الجعرانة) Click here to enlarge


نشكر الحافظ ابن حجر على شرحه القيم Click here to enlarge


هذا ولم يبق إلا أقوال العظيم آبادي والمباركفوري ثم يتضح لنا أعمرة هي أم حجة أم هي كذبة لا مرية فيها

بعد أن نقلنا تأويلات ابن حجر في شرح حديث معاوية والتي لم تبق من الإحتمالات شيئا إلا ونسفته Click here to enlarge


نذكر قولي العظيم آبادي والمباركفوي ثم نختم بما يؤكد كذب معاوية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن شاء الله تعالى


يقول العلامة العظيم آبادي في عون المعبود :

عون المعبود - (ج 4 / ص 200)
( بمشقص )
: هو بكسر الميم وإسكان الشين المعجمة وفتح القاف قال أبو عبيد وغيره : هو نصل السهم إذا كان طويلا ليس بعريض وقال الخليل : هو سهم فيه نصل في عمرة الجعرانة لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارنا كما سبق إيضاحه . وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حلق بمنى ، وفرق أبو طلحة رضي الله عنه شعره بين الناس فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع ، ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلما إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان هذا هو الصحيح المشهور . ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع وزعم أنه صلى الله عليه وسلم كان متمتعا لأن هذا غلط فاحش فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة في مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت ، فقال إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي ، وفي رواية حتى أحل من الحج


ولم يأت العظيم آبادي بجديد كما هو واضح ونسي أو تناسى أن حمل تقصير معاوية على عمرة الجعرانة مردود بحديث ابن عباس الصحيح وهو قوله ( فقلت له لا أعلم هذا إلا حجة عليك) كما بين ذلك ابن حجر Click here to enlarge

أما المباركفوري فقد صرح بكل وضوح أن الحديث " فيه إشكال " فقال :


مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - (ج 9 / ص 522)
ثم اعلم أن في الحديث إشكالاً وهو أنه لا يدري أن تقصير رأسه {صلى الله عليه وسلم} الذي أخبر به معاوية كان في الحج أو في العمرة ؟ ولا يصح الحمل على الأول ، لأن الحلق والتقصير من الحاج يكون بمنى لا عند المروة . وأيضًا قد ثبت حلق رأسه في الحج فتعين أن يكون في العمرة ، ثم في أي عمرة من عمره كان ؟ لا يجوز أن يكون في العمرة الحكمية التي كانت بالحديبية لأنه حلق يومئذ فيها ولم يدخل مكة ولم يسلم معاوية يومئذ ، ولا يصح أن يحمل على عمرة القضاء لأنه قد ثبت عن أهل العلم بالسير أن معاوية إنما أسلم عام الفتح ، نعم قد ينقل عنه نفسه أنه كان يقول : أسلمت عام القضية ، لكن الصحيح أنه أسلم عام الفتح . وفي هذا النقل وهن ، أو يحمل على عمرة الجعرانة وكان في ذي القعدة عام الفتح ، وذلك أيضًا لا يصح لأنه قد جاء في بعض ألفاظ الصحيح (( وذلك في حجته )) وفي رواية النسائي بإسناد صحيح (( وذلك في أيام العشر )) وهذا إنما يكون في حجة الوداع Click here to enlarge، كذا في المواهب فتعين حمله على عمرة حجة الوداع ، وقد ثبت أنه {صلى الله عليه وسلم} لم يحل يومئذ ولا من كان معه هدي ، وإنما أمر بحل من لم يسق الهدي ، نعم قد توهم بعض الناس أنه {صلى الله عليه وسلم} حج متمتعًا حل فيه من إحرامه ثم أحرم يوم التروية بالحج مع سوق الهدي ، وتمسكوا بهذا الحديث من معاوية لكن الصواب أنه {صلى الله عليه وسلم} لم يحل يومئذ . وقد قالوا : إن الصحابة أنكروا هذا القول على معاوية وغلطوه فيه كما أنكروا على ابن عمر في قوله (( إن إحدى عمره {صلى الله عليه وسلم} كان في رجب )) قال التوربشتي : الوجه فيه أن نقول : نسي معاوية أنه كان في حجة الوداع ، ولا يستبعد ذلك في من شغلته الشواغل ونازعته الدهور والأعصار في سمعه وأبصاره وذهنه ، وكان قد جاوز الثمانين وعاش بعد حجة الوداع خمسين سنة - انتهى . فحينئذ يحمل ذلك على عمرة الجعرانة ، ويكون ذكر الحجة وأيام العشر سهوًا والله أعلم - انتهى ما في اللمعات . وقال ابن الهمام : حديث معاوية ( أي في إحلاله بالتقصير عند المروة ) إما هو خطأ أو محمول على عمرة الجعرانة فإنه قد كان أسلم إذ ذاك وهي عمرة خفيت على بعض الناس لأنها كانت ليلاً على ما في الترمذي والنسائي ، وعلى هذا فيجب الحكم على الزيادة التي في النسائي وهو قوله (( في أيام العشر )) بالخطأ ولو كانت بسند صحيح إما للنسيان من معاوية أو من بعض الرواة ، كذا في المرقاة . وقال الحافظ بعد ذكر رواية الباب : هذا يحتمل أن يكون في عمرة القضية أو الجعرانة لكن وقع عند مسلم والنسائي ما يدل على أن ابن عباس حمل ذلك على وقوعه في حجة الوداع لقوله لمعاوية : إن هذه حجة عليك إذ لو كان في العمرة لما كان فيه على معاوية حجة


وهذا المباركفوري قد أصاب تأويلات المتأولين في مقتل

1- فقد نص أن الحديث مشكل
2- رد احتمال تقصير معاوية في حجة الوداع واحتمل أنها عمرة
3- رد كونها في عمرة القضاء أو الحديبية
4- احتمل أنها الجعرانة كما احتمل سابقوه ولكن استشكل ذلك بما جاء في بعض ألفاظ الحديث الصحيح وهو قوله ( في حجته)
5- أتى بقول التوربشتي المضحك أن مشاغل معاوية قد أنسته Click here to enlarge



إن كان احتمال عمرة الجعرانة لا يستقيم وحجة الوداع لا يستقيم فمتى قصر معاوية بن أبي سفيان من شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟

نقول :

بعد أن ثبت تنازع القوم في الحديث أيما تنازع حتى أدخل بعضهم الاحتمالات الواهية والتأويلات العقيمة التي لا دليل عليها واعترافهم أنه حديث مشكل لا حل له نأتي بما يثبت كذب معاوية في هذا الحديث


أخرج البيهقي بسنده قال :


معرفة السنن والآثار للبيهقي - (ج 4 / ص 233)
أخبرنا أبو طاهر الفقيه قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان قال : حدثنا أحمد بن يوسف السلمي قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال : سمعت ابن عباس وأنا قائم على رأسه وقيل له : إن معاوية « ينهى عن متعة الحج » قال : فقال ابن عباس : انظروا فإن وجدتموه في كتاب الله ، وإلا فاعلموا أنه كذب على الله وعلى رسوله .

__________________
1- أبو طاهر الفقيه : شيخ خراسان الفقيه العلامة القدوة إمام أصحاب الحديث ومسندهم
2- محمد بن الحسين القطان : مسند خراسان الشيخ العالم الصالح
3- أحمد بن يوسف السلمي : الحافظ الثقة الجوال ثبت في عبد الرزاق (من رجال مسلم وأبي داود والنسائي)
4- عبد الرزاق بن همام : أحد الأعلام
5- سفيان بن عيينة : أحد الأعلام
6- عمرو بن دينار : ثقة ثبت إمام

وهذا سند صحيح لا مطعن فيه ولله الحمد والمنة


فهذا ابن عباس الذي قيل أنه أعلم من بقي بالحج ** يكذب معاوية بن أبي سفيان في مدعاه ويضرب بقوله عرض الحائط

فابن آكلة الأكباد لم يأخذ من شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا لا في حجة ولا عمرة وأنى له ذلك وقد كان من الطلقاء وإن افترضنا ذلك - جدلا - فهذا أمر مستحيل

فلا يمكن حمله على عمرة القضاء ولا الجعرانة ولا حجة الوداع فلم يبق إلا وهم معاوية ونسيانه الذي تمسك به من وقف محتارا أمام هذا " الحديث المشكل " وتكذيب ابن عباس لمعاوية يرد هذا التأويل السقيم الذي لا دليل عليه ولا برهان بل البرهان على خلافه



وليكن هذا الموضوع صفعة لكل من يدافع عن الطلقاء وابناء الطلقاء الذين استحلوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون حياء أو خجل


هذا وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما كثيرا



_______________

**
سير أعلام النبلاء - (ج 3 / ص 348)
ويروى عن عائشة قالت: أعلم من بقي بالحج ابن عباس . قلت: وقد كان يرى متعة الحج حتما





حقوق الطبع محفوظة لجميع الشيعة والموالين مع رجاء ذكر المصدر