النبي محمد (ص)  
 • ردود حول قضية العبوس في سورة عبس

كتبه: سماحة السيد جعفر مرتضى و سماحة الشيخ رضوان شرارة - لبنان
تاريخ الإضافة: 29/01/2008 | 6:25 ص



بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأخ الكريم إن المشكلة الأساسية ليست في وضع العبوس الذي أشارت له الآية الكريمة فلا يمكن لنا ان نقف عند هذا الحد ونثبت أن الآية نزلت في النبي ، نعم لو أن الآية ذكرت فقط موقف العبوس الذي اتخذه النبي تجاه ابن أم مكتوم لهان الأمر علينا وتنازلنا وقلنا أن الاية نزلت في النبي.
لكن لو نظرنا إلى ما بعد هذه الآية الكريمة لعظم الخطب وجل المصاب علينا ، ويمكن لنا ان نعالج هذا الموضوع من عدة وجوه:


الوجه الأول:

إخباره تعالى بـ قوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى}، فإنه لا يتناسب مع شأن النبي الكريم (صلى الله عليه وآله)، إذ المعنى اللغوي للعبوس هو البسور والتكليح والتقطيب، وضدهما الطلاقة والبشاشة(1)
وفي النهاية الأثيرية: العابس: الكريه الملقى الجهم المحيا(2).
وقد وردت هذه المادة في الكتاب الكريم في موردين(3) غير المورد الذي نحن بصدد بحثه:
الأول: قوله تعالى: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ}(4).
الثاني: قوله تعالى: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}(5).
أما الآية الأولى: فقد ورد أنها نزلت في الكافر الذي وصفه تعالى بقوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}(6)، وفي التفسير الكبير: أجمعوا على أن المراد به الوليد بن المغيرة(7).
والقرطبي في هذا الموضوع فسر العبوس بما لا يتناسب مع شأنه (صلى الله عليه وآله)(8) فلاحظ.
وأما الآية الثانية: فقد ذكر في مجمع البيان أن العبوس هو المكفهر الذي تعبس فيه الوجوه، ووصف اليوم بالعبوس توسعاً لما فيه من الشدة وهذا كما يقال يوم صائم وليل قائم(9).
قال الشاعر:
قال السماء كئيبة وتجهما قلت ابتسم يكفي التجهم في السما
والغرض من هذا بيان المعنى الذي ينسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، ويوصف به ويدعى أنه أنزل في شأنه.
ونحن وإن كنا لا نمنع العبوس عنه مطلقاً ولو كان غضباً لله تعالى، لكن لما عاتب الله تعالى نبيه العابس بشدة وزجره وأنكر عليه، علم أن فعله هذا كان في غير محله، بالتالي يعلم أنه لم يكن صادراً منه، فإن سياق هذه المعاتبات ـ كما يقول العلامة المحقق الجامع بين العلوم الشرعية والعقلية الفيض الكاشاني رحمه الله ـ غير لائقٍ بمنصبه (صلى الله عليه وآله) كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام(10).
أما التولي فقد عرفت فيما تقدم عند تفسير الآيات أنه بمعنى الإعراض، وفرض إعراض النبي (صلى الله عليه وآله) عن الأعمى المقيل عليه ليس فيه مناسبة لشأنه (صلى الله عليه وآله) للزوم الإقبال على الجليس والسلام عليه والتحدث معه ببشروطلاقة وجه وغير ذلك مما هو كثير وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
والجواب عن افتراض كون التولي عن الأعمى لغرض ديني راجح هو الجواب عن كون العبوس كذلك فلا تغفل.

ـــــــــــــــ
(1) النهاية ج3 ص171.
(2) النعجم المفهرس ص 445.
(3) سورة المدثر الآية 22 ـ 23.
(4) سورة الإنسان الآية 10.
(5) سورة المدثر الآية 11 وليلاحظ التبيان ج10.
(6) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 30 ص 198.
(7) الجامع لأحكام القرآن ج19 ص 75.
(8) مجمع اليبان ج10 ص408.
(9) تفسير الصافي ج5 ص285
(10) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج3 ص158.

___________________________________________________

الوجه الثاني:

وصفه تعالى للعابس بأنه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن من يخشى من الفقراء وهذا الفعل ظاهر في قدر ٍمن القبح لا ريب فيه، ووجه الظهور تعليق هذا الفعل، وهو التصدّي أو التلهّي، على وصفٍ هو الغنى في الأول والخشية في الثاني.
ومن الواضح ظهور الكلام في كون التصدّي للمستغني لأجل استغنائه والتلهّي عن الفقير لأجل فقره.
بل في كتاب الصحيح من السيرة: إن في قوله تعالى: {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى}، وقوله تعالى: {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}، دلالةعلى أن المعني بهذه الآيات كان من دأبه العمل على التصدي للأغنياء، والاهتمام بهم لغناهم ولو كانوا كافرين، والتلهي عن الفقراء والتشاغل عنهم والإعراض ولو كانوا مؤمنين.
وهذا مما لا يصح أن يوصف به أهل التقى والورع فضلاً عن المعصومين لاسيما مقدمهم وخاتم النبيين محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) لكونه منفراً وهو منزه عنه. ولعدم شباهته بأخلاقه وسعة صدره، وقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله): إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوها بحسن أخلاقكم، وغير ذلك مما هو كثير لا يسع المجال ذكره.

_____________________________________________________

الوجه الثالث:

قوله تعالى: {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى}، هو من جملة ما يدل على أن هذه الآيات لم تنزل في شأن النبي (صلى الله عليه وآله)، وكيف يقول الله تعالى لنبيه: وما عليك ألا يزكى، والحال أنه (صلى الله عليه وآله) مبعوث لدعوة الخلق وتنبيههم وتزكيتهم وتعليمهم؟! قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}(1)
وكيف لا يكون تزكيتهم عليه وقد أرسل لذلك الغرض وكيف لا يهمه ذلك وقد بذل عمره الشريف في هذا الشأن، وكأن هذا القول ـ لو بني على صحة النزول في شأن النبي (صلى الله عليه وآله) ـ إغراء بترك الحرص على إيمان قومه!(2)
وصدور هذا الإغراء منه تعالى ونسبته إليه قبيح وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله) تدل على حرصه الشديد على قومه، قال تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}(3) وقال تعالى أيضاً: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً}(4).

وأيضاً: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}(5). هذا ولسان حاله {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}(6) وقال (صلى الله عليه وآله): «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»(7).

ـــــــــــــــ
(1) سورة الجمعة الآية 2.
(2) تنزيه الأنبياء ص119.
(3) سورة فاطر الآية 8.
(4) سورة الكهف الآية 6.
(5) سورة الشعراء الآية 3.
(6) سورة يسن.
(7) البحار ج95 ص167.
___________________________________________________

الوجه الرابع:

إن ظاهر الآيات غير دالٍ على أن المعني بها هو النبي (صلى الله عليه وآله)، وليس فيها ما يدل على أنه هو المخاطب فيها بل صدرها مجرد خبر لم يصرح فيه بالمخبر عنه بل نقول: إن في الآية ما يدل على أن المخاطب بها ليس هو النبي لما تقدم في الجهتين الأولى والثانية من عدم صحة وصفه (صلى الله عليه وآله) بالعبوس أو بالتصدي للأغنياء لغناهم والتلهي عن الفقراء لفقرهم.
قال الشريف المرتضى رحمه الله: ولم يرد أنه (صلى الله عليه وآله) كان كذلك، لا في القرآن ولا في خبر مع الأعداء المنابذين فضلاً عن المؤمنين(1). بل تواترت الأخبار على أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان على خلاف ذلك مع أعدائه فضلاً عن أوليائه(2).
ـــــــــــــــ
(1) تنزيه الأنبياء ص 119.
(2) تفسير أبو الفتوح الرازي ج11 ص 80.
_____________________________________________________

الوجه الخامس:

ربما يقول البعض إن المعبوس في وجهه كان أعمى وهو لا يتأثر بالعبوس فلا محذور أيضاً.

والجواب:
أولاً: إن العبوس إن كان لا يضر ابن أم مكتوم ولا يؤذيه لعدم تأثره بذلك لعماه، فإن في هذا الفعل نفسه
منافاة لخلقه (صلى الله عليه وآله) العظيم ومعه فلا يصح صدور هذا الفعل عنه.
ثانياً: كيف لم يتأثر الأعمى وقد صرحت بعض الروايات بأنه سأله فلم يجبه وكان يتحدث إلى غيره، فإن كان الأعمى لم يتأثر بالعبوس لأنه لا يرى لكنه أحس بأعراض النبي (صلى الله عليه وآله) عنه لأنه لم يجبه مع مقاطعته إياه فراجع.
ثالثاً: إن كان الأعمى لا يرى، فإن من كان من المشركين في حضرته (صلى الله عليه وآله) آنذاك يسمع ويرى وفي هذا الفعل أمامهم إخلال واضح بلزوم التمسك بالأخلاق الحسنة الكريمة والعالية التي أمر (صلى الله عليه وآله) بالتحلّي بها، وإرشاد الناس إليها، بقوله وفعله وسيرته.
رابعاً: لا يصح صدور هذا الفعل عن النبي (صلى الله عليه وآله) لما يعكسه في أذهان أعدائه من الجالسين بحضرته وغيرهم من آثار سلبية حول علاقة النبي (صلى الله عليه وآله) بأتباعه ومن حوله،لاسيما أن هذه الآيات مكية وسورتها من أوائل السور ونزولها كان في بدايات الدعوة.
والغرض من جميع هذا أنه لا يكفي مجرد عمى الأعمى لتصحيح صدور العبوس أو التولي من النبي (صلى الله عليه وآله) أو غيره للعلة المذكورة.
_____________________________________________________


الوجه السادس:

وربما يقول البعض أيضاً: إن الأعمى لم يراع آداب المجلس حيث قاطع النبي مراراً في مجلسه وهو يتكلم مع الآخرين.

والجواب:
أولاً: لا نسلم وجود رواية بهذا المضمون. بل هو انتزاع من بعضها.
ثانياً: سلمنا فلا نسلم صحة الاعتماد سنداً ومضموناً.
ثالثاً: سلّمنا صحة الاعتماد عليها لكن ما هو الوجه الداعي إلى العمل بها دون غيرها مما هو مختلف معها من الروايات لاسيما روايات أهل البيت (عليهم السلام).
رابعاً: لو كان الأعمى مسيئاً للأدب مع النبي (صلى الله عليه وآله) فلماذا نزل الوحي مناصراً له، وتوجه بالتوبيخ واللوم إلى العابس، من دون إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى خطأ الأعمى أو تقصيره بل ذكره تعالى في كتابه متلطفاً ومتحنناً مما يكشف عن عدم إساءة ابن أم مكتوم الأعمى.
خامساً: سلمنا كونه مسيئاً له (صلى الله عليه وآله)، فما كان ينبغي له (صلى الله عليه وآله) أن يعبس في وجهه ويتولى عنه وقد قال الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
وقد نزلت هذه الآية في أوائل الدعوة.
وقال تعالى أيضاً: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
وقال تعالى: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).
وفي آية: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ}. وفي أخرى: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا}.
وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}.
وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}.
___________________________________________________

الوجه السابع:

قد يستدل بإجماع المفسرين على كون العابس هو النبي (صلى الله عليه وآله)(1). والجواب:
أولاً: طعن بعض أعيان العامة على مفسريهم بالجهل في خصوص المقام فراجع(2). إذا كانوا بما رووا جهلاء فهم بما دروا أجهل.
7ثانياً: إن الإجماع وإن كان كذلك عند العامة لكن علماء الشيعة قاطعون على كون العابس هو غيره (صلى الله عليه وآله)، والطبرسي في مجمع البيان أيضاً كذلك ومن نسبه إلى غير هذا فقد وهم والذي صنعه رحمة الله في تفسيره إنما هو توجيه رواية العامة على فرض صحتها. فراجع(3).
ثم إن الإجماع كذلك لا حجية فيه لعدم كشفه عن رأي المعصوم كما هو مبنى الشيعة الإمامية في الإجماع(4).

ـــــــــــــــ
(1) التفسير الكبير ج 31 ص 55.
(2) الجامع لأحكام القرآن ج19 ص 212.
(3) مجمع البيان ج10 ص 437.
(4) لاحظ رسائل الشيخ الأنصاري ج0 ص77، وأصول الفقه ج2 ص 88.

هذه الوجوه السبعة أخذت من كتاب من عَبَسَ وَتَوَلَّى فــي من نزلت ؟ للشيخ رضوان شرارة .

_____________________________________________________

الوجه الثامن:

ماورد في كتاب الصحيح من سيرة النبي (ص) للسيد جعفر مرتضى العاملي حيث قال في الصفحة (157-158-) الجزء الثالث. حيث ذكر السيد حفظه الله :

ونحن نرى: أنها قضية مفتعلة، لا يمكن أن تصح. وذلك. أولاً: لضعف أسانيدها، لأنها تنتهي: إما إلى عائشة، وأنس، وابن عباس، من الصحابة، وهؤلاء لم يدرك أحد منهم هذه القضية أصلاً، لأنه إما كان حينها طفلاً، أو لم يكن ولد . أو إلى أبي مالك ، والحكم، وابن زيد، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، وهؤلاء جميعاً من التابعين فالرواية مقطوعة، لا تقوم بها حجة. وثانياً:تناقض نصوصها حتى ما ورد منها عن راوٍ واحد، فعن عائشة. في رواية: إنه كان عنده رجل من عظماء المشركين، وفي أخرى عنها: عتبة وشيبة، وفي ثالثة عنها: في مجلس فيه ناس من وجوه قريش، منهم أبو جهل، وعتبة بن ربيعة. وفي رواية عن ابن عباس: إنه " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يناجي عتبة، وعمه العباس، وأبا جهل. وفي التفسير المنسوب إلى ابن عباس: إنهم العباس، وأمية بن خلف، وصفوان بن أمية. وعن قتادة: أمية بن خلف. وفي أخرى عنه: أبي بن خلف.

الوجه التاسع:

المذنب رجل آخر:فيتضح مما تقدم: أن المقصود بالآيات شخص آخر غير النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ويؤيد ذلك: ما روي عن الإمام جعفر الصادق " عليه السلام "، أنه قال: كان رسول الله إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم قال: مرحباً، مرحباً، والله لا يعاتبني الله فيك أبداً. وكان يصنع به من اللطف، حتى يكف عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مما كان يفعل به (1). فهذه الرواية تشير إلى أن الله تعالى لم يعاتب نبيه في شأن ابن أم مكتوم، بل فيها تعريض بذلك الرجل الذي ارتكب في حق ابن أم مكتوم تلك المخالفة، إن لم نقل: إنه يستفاد من الرواية نفي قاطع حتى لإمكان صدور مثل ذلك عنه " صلى الله عليه وآله وسلم "، بحيث يستحق العتاب والتوبيخ؛ إذ لا معنى لهذا النفي لو كان الله تعالى قد عاتبه فعلاً.
من كتاب الصحيح من سيرة النبي (ص) ج 3 ص ( 161)ـــــــــــــــ

(1) تفسير البرهان ج 4 ص 428، وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 509، ومجمع البيان ج 10 ص 437.

______________________________________________________

الوجه العاشر:
إذا من هو المذنب ؟

ولعلك تقول: إنه إذا كان المقصود بالآيات شخصاً آخر؛ فما معنى قوله تعالى: " فأنت له تصدى " وقوله: " فأنت عنه تلهى " فإن ظاهره: أن هذا التصدي والتلهي من قبل من يهمه هذا الدين؛ فيتصدى لهذا، ويتلهى عن ذاك. فالجواب: أنه ليس في الآيات ما يدل على أن التصدي كان لأجل الدعوة إلى الله أو لغيرها. فلعل التصدي كان لأهداف أخرى دنيوية، ككسب الصداقة، أو الجاه، أو نحو ذلك. وقوله تعالى: " لعله يزكى " ليس فيه أنه يزكى على يد المخاطب، بل هو أعم من ذلك، فيشمل التزكي على يد غيره ممن هم في المجلس، كالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أو غيره. ثم لنفرض: أنه كان التصدي لأجل الدعوة، فإن ذلك ليس محصوراً به " صلى الله عليه وآله وسلم "؛ فهم يقولون: إن غيره كان يتصدى لذلك أيضاً، وأسلم البعض على يديه، لو صح ذلك!.

الرواية الصحيحة:
وبعد ما تقدم، فإن الظاهر هو أن الرواية الصحيحة، هي ما جاء عن الإمام الصادق " عليه السلام ": أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "؛ فجاءه ابن أم مكتوم. فلما جاءه تقذر منه، وعبس في وجهه، وجمع نفسه، وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك عنه، وأنكره عليه (1). ويلاحظ: أن الخطاب في الآيات لم يوجه أولاً إلى ذلك الرجل؛ بل تكلم الله سبحانه عنه بصورة الحكاية عن الغائب: إنه عبس، وتولى، أن جاءه الأعمى. ثم التفت إليه بالخطاب، فقال له مباشرة: وما يدريك. ويمكن أن يكون الخطاب في الآيات أولاً للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة. والأول أقرب، وألطف ذوقاً.

إتهام عثمان:
وبعض الرويات تتهم عثمان بهذه القضية، وأنه هو الذي جرى له ذلك مع ابن أم مكتوم (2). ولكننا نشك في هذا الأمر، لأن عثمان قد هاجر إلى الحبشة مع من هاجر ـ فمن أين جاء عثمان إلى مكة، وجرى منه ما جرى؟!. إلا أن يقال: إنهم يقولون: إن أكثر من ثلاثين رجلاً قد عادوا إلى مكة بعد شهرين من هجرتهم كما تقدم، وكان عثمان منهم ثم عاد إلى الحبشة (3).

ـــــــــــــــ

(1) مجمع البيان ج 10 ص 437 وتفسير البرهان ج 4 ص 428، ونفسير نور الثقلين ج 5 ص 509.

(2) تفسير القمي ج 2 ص 405 وتفسير البرهان ج 4 ص 427، وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 508.

(3) سيرة ابن هشام ج 2 ص 3.

وعلى كل حال، فإن أمر اتهام عثمان أو غيره من بني أمية، لأهون بكثير من اتهام النبي المعصوم، الذي لا يمكن أن يصدر منه أمر كهذا على الإطلاق. وإن كان يهون على البعض اتهام النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بها أو بغيرها، شريطة أن تبقى ساحة قدس غيره منزهة وبريئة!!.

_____________________________________________________

أعداء الإسلام وهذه القضية:

ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن بعض المسيحيين الحاقدين قد حاول أن يتخذ من قضية عبس وتولى وسيلة للطعن في قدسية نبينا الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " (2). ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره

______________________________________________________


الوجه الأخير:

إن سورة عبس قد نزلت أوائل الدعوة بعد سورة القلم مما يشير إلى أنه تعالى كان ـ مسبقاً ـ قد أخبر معلناً عن أخلاق نبيه العظيمة، بقوله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وهذا النحو من الإخبار العلني الغيبي من قبل الله تعالى عن أخلاق وصفات هذا النبي (صلى الله عليه وآله) فيه من الإعجاز ما هو واضح مع كثرة محاولات أعدائه (صلى الله عليه وآله) الطعن عليه ولو وجدوا ثمة منفذ إلى ذلك لأعلنوا عنه، فلا أدري كيف يتجرّأ اتباعه على إلصاق هذه الأمور به (صلى الله عليه وآله).
________________________________________________________

وفي الخاتمة يتبين لنا أن ما ذكرناه من هذه الوجوه في الدفاع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ما ذكره بعض المفسرين بغض النظر عن من تبنى هذا الرأي هو كلام مضطرب ولا يمكن التعويل عليه في إلصاق هذه التهمة بأشرف وأطهر نور خلقه الله تعالى في هذا الكون. لكن لهف نفسي على البعض ممن يجتهدون ولا يدخرون جهداً لجمع الأدلة من هنا وهناك لتأكيد نزول هذه الآية الكريمة في هذا النبي المظلوم .



أسال الله أن يثبتنا على ولاية محمد وآل محمد أنه حميد مجيد.





 
رابط المقال:http://www.ansarweb.net/artman2/publish/183/article_2786.php

شبكة أنصار الصحابة المنتجبين
www.Ansarweb.net