نص خطبة سماحة السيد عبدالله الموسوي من الأحساء ألقاها في الجمعة 26 ذي الحجة 1427 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين ،،
ورد في الخبر كما هو وارد في طبقات ابن سعد بعد جمع الرسول ص لعشيرته : (هذا أخي ووصي وخليفتي من بعدي) صدق رسول الله (ص)
في مقام الاستدلال : :
الروايات عندنا قسمان : روايات وردت عند العامة خاصةً ، وروايات وردت عندنا نحن خاصة ، وأقصد بـكلمة (وردت) هنا أنها مدوّنة ، ولستُ أقصد أن هناك قسماً ثالثاً وهو ما ورد عند الفريقي
في مقام الاستدلال لا يمكن أن نستدل نحن بما ورد في كتبنا في الإمامة ؛ لأن الطرف الآخر لا يؤمن بما ورد في كتبنا ، كما ينبغي أن الطرف الآخر لا يمكن له أن يلزمني بما ورد هو في كتبه بما يؤيد مذهبه ، ما يؤيد مذهبه لا يمكن أن يؤخذ من كتابه ، يمكن أن يستدل بما هو في كتاب الخم من غير تلك المجموعات التي تؤيد مذهبه ، في هذه الحالة يمكن .
ضوابط عامة لا مذهبية فيها :
لماذا نحن لا نستدل ولا نأخذ بكتب الطرف الآخر في المجال الذي يؤيد مذهبه بالخصوص ؟
في مقام الإجابة على هذا السؤال ، هناك عدة أمور : :
ـ الأمر الأول : أن لدي ضوابط في علم الرجال بالخصوص ، هذه الضوابط لا تنطبق على رواة هؤلاء ، عندي بعض الرجالات نحن متفقون على أنهم غير مأمونين على الحديث ، وأقصد بـ(نحن) هنا أنه حتى العامة يشتركون معنا في هذا الاتفاق ، فالطرف الآخر يتفق معي بناء على بعض المسائل عن هؤلاء غير مأمونين ،وإلا من يسرق مثلاً من بيت المال ، هل يؤتمن على الحديث ؟ بطبيعة الحال لا . .
ومن يُشترى دينه بمائة ألف درهم من أجل رواية ، هل يؤتمن على الحديث ؟ بطبيعة الحال أيضاً لا
إذن السبب الأول أنه توجد لدينا ضوابط ، وهذه الضوابط ليست ضوابط مذهبية؛ حتى لا يقال : إنك لا تروِي إلا بما تؤمن به ، أو أنك تضع ضوابط مفصلة تفصيلاً خاصاً أو ( مفصلة على گد جماعتك ) كما هو في لهجتنا العامية ،
يعني أن ضوابطك أنشأتَها ولها منشأ مذهبي ، لا! أنا عندي ضابط واحد وهو مهم وهو أن يكون الراوي موثوقاً في حديثه ، الوثاقة في الحديث ، فلا يكذب في الرواية سواء كان هذا الرواي عادلاً إمامياً اثني عشرياً أو لم يكن ، لذلك نحن نروي عن العامة بعض الروايات ، نعم نروي عن أولئك الموثوقين الذين هم معروفون بعدم الكذب .
إذن هناك ضوابط تمنع استدلالي أو خضوعي لاستدلال الطرف الآخر ، هذه الضوابط غير متوفرة في روايات الطرف الآخر ، وقد يقول شخص : لكن سيدنا نحن نستدل بروايات الطرف الآخر ، نعم نحن نستدل من باب أن نلزمهم بما ألزموا به أنفسهم، نعم بهذا المعنى ، بمعنى أنه هذا الكتاب عندكم صحيح وأنتم تتعبدون به بينكم وبين الله فهذا الكتاب فيه هذه الرواية فالمفترض أن تكونوا تخضعون لهذه الرواية وترتبوا عليها أثاراً .
أتنكر علي العصعمة وتدعي علم الغيب ؟!
والأمر الثاني الذي يجعلني لا أستدل بما عند الطرف الثاني من روايات ، هو أن تعطى العصمة لمجموعة ليس فقط لمجموعة من العلماء لا ، مجموعة من الرواة أيضاً ، هم يعيبون علي القول بعصمة اثني عشر رجلاً ثبت من الناحية السلوكية ومن الناحية التاريخية عدم خطئهم ، رويات وردت من عندهم برواية علمائهم على أن هؤلاء الاثني عشر مبشر بهم من قبل رسول الله (ص) ، وحتى في صحاحهم ورد : ( أن هذا الدين لا يزال بخير ما ولي أمره اثنا عشر خليفة ) هذا على أقل التقادير كما يقولون .
بينما يقول بعصمة ما يقارب على أقل التقادير أكثر من مائة ألف صحابي ، كما في الحديث عندهم : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ، هذه المشكلة ، بل المشكلة تتعدى ذلك أيضاً ، يأتيك ويقول لك : لدي كتابان : الصحيح الكذائي والصحيح الكذائي ، وهذان الكتابان يقعان بعد القرآن مباشرة ، وأصحاب الصحاح قد وثقوا أشخاصاً تين عند آخرين أنهم غير موثوقين ، فأنت عندما تقول أن ما صح عند هؤلاء فهو صحيح كأنما تعطيهم العصمة وزيادة ، وهي علم الغيب .
فكيف يُعطى أصحاب الصحاح علم الغيب ؟
يعطيهم صفة علم الغيب بهذه الكيفية يقول لك : إن هؤلاء لم يغادروا صغيرة ولا كبيرة ، ولم يكتشف من كان قبلهم ، ولن يكتشف من بعدهم أن هناك معلومات قد غابت عنهم، لأنه في العادة التي جرت عند العلماء أنه كلما أتى عالم يحقق في أمر معين قد يأتي عالم من بعده فيستدرك عليه ، يوضح أن هذا غير موثوق والدليل على ذلك كذا وكذا .. وحينئذٍ يكون قد فاتت فلان هذه المسألة أو تلك .. هذه العادة الجارية بين العلماء لكنهم يقولون : إن هذه لا يمكن أن تكون واردة بحق أصحاب الصحيحين ، لأنهم أحاطوا بعلم الغيب فحينئذٍ لا يمكن لمن بعدهم أن يستدرك عليهم ، لذلك طعن في صاحب المستدرك وما استدرك عليهما به ، أنه كيف يتجرأ ويستدرك ، ففرق بين أن أستدرك لأذكر رواية هم أهملوها ، وبين أن أستدرك فأوضح مسألة وأبطل رواية ، بمعنى أن هذا الراوي قد وثقوه لعدم علم بما يقدح في شخصيته وعدم وثاقته ، وهذا الأمر قد توصل إليه الشخص عن حس ، وليس عن حدس ، بمعنى أنه من النقل ، فقد ينقل أن فلان قد جُلد ، جلده الخليفة الثاني ، لأنه ساق أموال البحرين مثلاً فأموالنا هنا سيقت بين يديه كمثال ، أو شخص آخر مُنع من الحديث في المسجد وكان معلوماً أنه رجل على أقل التقادير كثرة حديثه تعطي علامة استفهام على صحة هذه الأحاديث ؟!
مفارقة عجيبة والأعجب من يصدقها : :
وإلا فعلي بن أبي طالب يعيش مع رسول الله (ص) منذ أن كان طفلاً وإلى أن استشهد لا يروي ولا حتى عشرة في المائة مما رواه رجل أسلم في أواسط السنة السابعة أو أواخر السنة السابعة ، وعاش مع رسول الله ثلاث سنوات فقط ويروي أكثر من غيره من الصحابة ، أليس فرقاً ؟! نعم إنه فرق كبير ! وإلا فشخص يعيش مع رسول الله ثلاثاً وعشرين سنة يروي أقل من عشرة بالمائة ، مما رواه شخص عاش مع الرسول ثلاث سنوات ، هل لسوء حفظ عند علي (ع) أو لقوة حافظة عند الطرف الآخر ؟! حتى لو كانت لديه قوة حافظة لكن عشرة بالمائة هذا عجيب ! فأين العشرين سنة التي عاشها أمير المؤمنين مع رسول الله (ص) حتى لو قلنا بثلاث سنوات تقابلها ثلاث سنوات ، ولكن ماذا عن بقية السنوات ؟! لا أقل يكون هناك ثمة تكافؤ فيما يروى عن أمير المؤمنين (ع) .
يدل على أن هؤلاء المجموعات معلومة ، وقد يستدرك عليها أنه هذا ( يا مولانا .. لنفترض أنك سافرت من أجل الحديث وكما ينقل أن هناك قرابة المليون ونيف من الأحاديث حصلت عليها وألغيت الكثير منها فثبّتَ قرابة ست عشرة ألف حديث ، فهذه مقبولة لكن ما الذي يضمن لك أن هناك شخصاً قد غاب عنك ، وما الذي يضمن لك أن هذا الشخص الذي وضعته في كتابك على أنه ثقة تبين عدم ثقته لسبب أو لآخر ، فمسألة ادعاء العصمة للصحيحين وأصحاب الصحيحين وعلم الغيب أيضاً ، ينمّ عن عدم وعي وعدم معرفة بعلم الرجال ، فإلى يومنا هذا قد يطلع لك عالم أورجاليّ ( صاحب علم رجال ) ، فينبه على أخطاء ، كما فعل ابن داود والعلامة الحلي رضوان الله عليها في القرن السابع ، فقد نبها على أنه يوجد هناك خلط في بعض الشخصيات ، وأن بعض الشخصيات غير موثوق بها ، وهناك تصحيح لمسار أيضاً ، وفي عصرنا الحاضر كما فعل السيد الخوئي والسيد البروجردي روضوان الله عليهما ، أيضا أعطيا بعض الضوابط خصوصاً في مسألة الطبقات في علم الرجال بحيث أوضحا أن ما ورد عن فلان فهو عن فلان ، وليس عن فلان المشابه له في الاسم ، فحينئذ أن ما ورد عن فلان المتشابه مع فلان في الاسم الذي أحدهما ثقة والآخر غير ثقة نستطيع أن نعرف بواسطة من يليهما أنه ثقة وغير الثقة ، فإذا كان إلى عصرنا الحاضر يمكن تصحيح المسارات والروايات فلماذا يقال إن هؤلاء وصلوا إلى هذا المستوى بحيث لم يشتبه عليهم المتشابهون ، أو ذكروا كل شخص هو موثوق حينئذٍ .
كلهم صحابة ولكن ... .
أيضاً هناك أمر وهذا الأمر لا يقل أهمية عن هذه المسألة ، وهي أن مجموعة من الصحابة نحن نعم بأنهم غير مستقيمين على أقل التقادير مثل أبي الغادية الذي قتل عمار بن ياسر ومجموعة من الصحابة الذين قال عنهم رسول الله لعمار : ( يا عمار تقتلك الفئة الباغية ) ، فهذه الفئة الباغية ألم تكن من الصحابة ؟! إن كان المباشر بالقتل فإنه يدعى صحبته وإن كان غير المباشر وهو الآمر أيضاً تُدعى صحبته وأنه من كُتَّّاب الوحي ، فحينئذٍ عندما يُقبل الإنسان على جريمة وهذه الجريمة هي جريمة قتل ، والله يقول في كتابه : ( من قتل نفساًَ فكأنما قتل الناس جميعاً ) هذا القتل لا شك أنه لا يعتبر من أجل الدين بما هو دين ، لأن من يقابل علياً ( ع) يجمع المسلمون على أنه أخطأ وأن حربه لعلي حرب ظالم وحرب متجنٍ ، هذا لا شك ولا إشكال فيه ، وهذا الصحابي يفترض أنه عاصر رسول الله (ص) ويعلم مكانة علي (ع)
وأنه سمع أن علياًٍ يقاتله القاسطون ويقاتله المارقون ، فيفترض أن يبتعد عن ساحة قتال علي (ع) ، لأن محبه مؤمن ومبغضه منافق ، إلا أن نُجري نكتة فنقول كما قال صاحب كتاب التحفة الاثني عشرية ، يقول : إن طلحة والزبير قاتلا علياً وهما محبان لعلي ، يا سبحان الله ! أنا لا أعرف كيف تكون هذه ! أن أقصد رجلاً لأقطع رأسه وأنا أحبه ، وثانياً عجيب جداً أن يكون هذا النمط من هذه الطريقة في التعامل مع النصوص ، هذا هو الأمر الثاني مما ورد عند العامة . .
حتى لا تصاب بالغثيان الثقافي ..... .
الأمر الثالث وأختم به أنه عندما تقرأ نصوص الأحاديث عند الطرف الآخر تصاب بالغثيان الثقافي ، فتود أن تتقيأ أحياناً ، بمعنى أنك تريد أن ترمي كثيراً مما هو موجود هذا هو مقصودي بالتقيؤ الثقافي ، لأنه لا يمكن أن رسول الله (ص) يقول : إن أحب الناس إلي فلان ، ثم يقول في موضع آخر : أحب الناس إلي فلان ، تارة يقول : فلان محبته حبل ممدود بين السماء والأرض ، وتارة يقول : الكتاب والعترة حبل ممدود ... ، فلا يمكن أن يكون لديه أربعة حبال أو خمسة حبال ، هذا لا يمكن فإما حبل هذا أو حبل ذاك ، فإما يكون أحب الناس إليه عليٌّ ، أو أحب الناس إليه فلان وفلان وفلان ، هذا التناقض والتضاد لا يُحتمل .
ارجع إلى كتب الفضائل في الصحاح وغيرها من كتب الأحاديث تجد هذا النوع من التضاد والتناقض يجعلك لا تطمئن إلى أن هذا فعلاً قد صدر عن رسول الله (ص) لأنه أحياناً يصل هذا التناقض والتضاد إلى درجة أن الرسول يشكك في نبوته ، فلما يبطئ عنه الوحي ، فإنه كان يقول : ( ما أبطأ عني الوحي إلا وظننتُ أنه نزل في آل فلان ) ، إذن فلان أفضل الناس ، فلماذا يقول حينئذٍ : إن أحب الناس إلي وأفضلكم فلان وهو الخليفة الأول ، فإما الخليفة الثاني هو أحب الناس ؛ لأنه لا يُحتمل أن تنزل الرسالة إلى على أفضل الخلق بعد رسول الله (ص) ، فلماذا يقال : على آل فلان ، لماذا لا يقال : على الخليفة الأول مثلاً ، وليس الخليفة الثاني ، هذا يدل على أن هناك حالة تضاد وتناقض تشمئز منها النفوس والإنسان يعلم بأن المسألة ليست مستقيمة ، وأن المسألة فيها نظر .
لذا ينبغي أن لا يقرأ الحديث على علاته ، فبعض شبابنا مع كل أسف يرى بعض التناقض فيقول سأذهب لأقرأ بنفسي ، وعندما يقرأ ينسى أنه يقرأ في كتاب عليه مائة ألف علامة استفهام ، فتجده مباشرة يقول : سبحان الله! كل هذه الروايات وردت عن رسول الله ونحن لا ندري ، ونفس الأمر يحدث لدى شباب أهل العامة عندما يقرأ في كتاب من كتبهم وكأنه من المسلّمات ، وأنه قرآن آخر ،لذا عندما تقول له : أيهما أفضل علي بن أبي طالب أو غير علي بن أبي طالب ؟ أنا أقطع أنه سيرتبهم ليس كما ورد على لسان رسول الله (ص) لا ، بل على أساس ما ورد عن القوم ، وإلا عندما تأتي حتى في روايات رسول الله (ص) تجد أنه يقول : أحب الخلق إلي فلان ، وفي موضع آخر يقول : أعز الناس علي فلان ، ثم يقول : أحب الخلق إلي فلان، وهكذا تأتي إلى مسألة ما أبطأ عني الوحي إلا وظننت أنه نزل على آل فلان ، هذه الحالة تعطي نوعاً من أنواع الاشمئزاز النفس حقيقة
والخاتمة توضيح :
لذا لم تستدل بكل ما ورد عند أهل السنة لأنه توجد عندنا علامات استفهام كبيرة ، ولم نستدل بما ورد في كتبنا لأن القوم لا يؤمنون بها ، لكننا في نفس الوقت لسنا مجبرين على أن نتنازل عن كتبنا لأن القوم لا يؤمنون بها ، فنحن لدينا ضوابطنا في علم الرجال وعلم الحديث ، وحنيئذٍ نحن نُعمل هذه الضوابط ونستدل بها .
نعم من أجل أن أقيم الدليل على الطرف الآخر كما سيأتي مستقبلاً في الاستدلال في الإمامة ، فإننا لن نستدل بكتبنا وإنما استدللنا بالقرآن بشكله العام في السابق ، وسوف نستدل بروايات أهل العامة خاصة ، والتي يستفاد منها إمامة أهل البيت (ع) عامة ، أو إمامة أمير المؤمنين (ع) خاصة ، وفي المرحلة الثالثة وهي من المفترض أن تكون في المرحلة الأولى حقيقة أن نستدل بالعقل مستقلاً ، أكتفي بهذا المقدار ، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين