عن الموقع | اتصل بنا | أسئلة متكررة | أضفنا للمفضلة | أعلن عن موقعنا

:: الصفحة الرئيسية :: 

  أبحاث و مقالات

     الألف

     ب

     ت

     ث

     ج

     ح

     خ

     د

       الدعاء

     ذ

     ر

     ز

     س

     ش

     ص

     ض

     ط

     ظ

     ع

     غ

     ف

     ق

     ك

     ل

     م

     ن

     هـ

     و

     ي

     متفرقات

  مواضيع مميزة

  أشرطة سمعية

  صور و وثائق

  مواضيع خفيفة

  قسم البرامج

  مواقع صديقة

  إصدارات الموقع

 البحث في الموقع

أبحاث و مقالات » د » الدعاء

آخر تعديل: 20/07/2009 - 4:12 ص

 هل يشبه دعاء الندبة عند الشيعة الامامية عقائد الكيسانية ؟
  كتبه: آية الله الشيخ ناصر مكارم | 12:34 ص | 28/11/2005

 

هل يشبه دعاء الندبة عقائد الكيسانية ؟

 

السؤال و الجواب من موقع المرجع الديني آية الله الشيخ ناصر مكارم

 

السؤال:

قرأنا أخيراً في أحد الكتب أن هنالك عبارة في دعاء الندبة تتنافى مع عقائد الشيعة الاثني عشرية , وتشبه الى حد ما عقائد " الكيسانية " , وهذه العبارة هي :

"ليت شعري أين استقرت بك النوى ؟ بل أي أرض تقلك أو ثرى؟ أبرضوى أم غيرها أم ذي طوى ؟ "



اليوم يقرأ هذا الدعاء في أغلب الأوساط الدينية , وشاع في السنوات الأخيرة بكثرة , وشُكلت فرق خاصة بهدف نشره ؛ لكن لا أدري لماذا يُندب الامام المهدي (عج) في ذي طوى وجبل رضوى , وهو مكان محمد بن الحنفية ( إمام زمان الفرقة الكيسانية ) , إذ يعتقد أولئك أنه توارى عن الأنظار في هذالجبل , وسوف يظهر من هناك , وطالما تضرع أتباعه من أمام هذا الجبل , أو توجهوا من بعيد نحوه وتوسلوا الى الله في خروجه .

وبغض النظر عن ذلك , فان سيرة الامام المهدي (عليه السلام) , سواء في حياته أو غيبته الصغرى أو الكبرى أو بعد ظهوره لا تمت بصلة لهذا الجبل ؛ فضلاً عن ذلك فانه لم يلجأ في غيبته الى موضع خاص , بل هو حاضر في كل عصر ومصر , ونحن الذين لا نميزه عن بقية البشر ؛ بناء على هذا , إن السؤال عن محل اختفاء الامام في الدعاء لا ينسجم – ظاهراً – مع نوع غيبة الامام الموعود وفقاً لعقيدة الشيعة الاثني عشرية .

إن المطالعة الدقيقة لنص دعاء الندبة الذي لا يذكر أسماء أئمتنا بصراحة وبترتيب , فبعدما يتطرق الى أمير المؤمنين (عليه السلام) ويتحدث عن مناقبه وفضائله بتفصيل , يخاطب - فجأة- الامام الغائب , إن مطالعة هذا الدعاء بدقة يجعل هذا السؤال يتبادر الى الأذهان أكثر فأكثر ؛ وعلى أية حال نطرح هذا السؤال بشكل سؤال علمي فقط , ولا نتوخى منه حكماً قطعياً.

 

الجواب:

إن دعاء الندبة أحد الأدعية الجذابة والزاخرة بالمعاني حقاً ؛ فمن ناحية الفصاحة هو فصيح وسلس ومدروس ورصين للغاية , ومن ناحية المغزى والمضمون يجب القول أنه دعاء علمي وثوري وعقائدي وسياسي , وفي الوقت ذاته مرهف وعاطفي ؛ واذا ما أدركت مفاهيمه بصورة صحيحة فبامكانه أن يكون مصدراً ملهماً في طريق النضال الاجتماعي ضد الظلم ( طبعاً بشرط الوقوف على مضامينه لا اتخاذه مخدراً ) .

بداية يشير الدعاء الى فلسفة بعثة الأنبياء , ثم يشير باختصار الى تاريخ كل منهم ومقاماته المتفاوتة , ثم يبحث بسهاب عن قيام نبي الاسلام (صلى الله عليه وآله) ومقاماته , ثم يبحث بصورة مفصلة عن الخلافة المباشرة بعد النبي لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) بأدلة وشواهد حية وجزمية من الآيات والروايات التي تحظى بقبول جميع الفرق الاسلامية , ثم تناول الدعاء بعد ذلك أسباب مواجهة جمع من الأمة لأهل بيت النبوة ومهبط الوحي , وعلل شهادتهم وتقتيلهم ونفيهم , ثم أشير الى دعوة الأئمة واحداً تلو الآخر , كل ذلك تم بشكل تهيأت معه القلوب الى قيام المهدي الموعود (عج) ؛ وفي نهاية المطاف يخاطب إمام العصر والزمان بلهجة ودودة مفعمة بالاثارة النفسية والمشاعر الانسانية العميقة , وهو إذ يبدي الاشتياق الشديد لقيامه يبين برنامجه الاصلاحي والثوري , وبعد عدة فقرات من التوسل المؤثر يُختتم الدعاء .

هذا ما يتعلق بمحتويات الدعاء , أما كون البعض تصور أن هذا الدعاء مشابه لعقائد الكيسانية فهو مرفوض تماماً , ومن الضروري – سلفاً – أن نذكر بضع جمل في التعريف بمذهب الكيسانية , ثم نستخرج شواهد رفض التصور المذكور آنفاً من الدعاء نفسه :

" الكيسانية " – كما جاء في كتب العقائد والمذاهب – أحدى الفرق الشيعية , وهي تعتقد بأربعة أئمة فقط هم الامام علي والامام الحسن والامام الحسين (عليهم السلام) ثم الامام " محمد بن الحنفية " , ويقال إن سبب تسميتها بالكيسانية يعود الى وجود شخص باسم " كيسان " بين أشهر أنصار هذا المذهب , وكان يدعي أنه من محبي علي بن أبي طالب (عليه السلام) , بينما يعتبر آخرون أن " كيسان " من ألقاب " مختار بن أبي عبيدة " , وقالوا إنه من أتباع هذا المذهب .

بالرغم من أن الكيسانية نفسها تشعبت الى عدة شُعب , إلا أن شعبتها المشهورة تعتقد بحياة " محمد بن الحنفية " الى الآن , وأنه يعيش في جبل " رضوى " في نقطة نائية من أطراف المدينة , وأن الله تعالى يسقيه ماءً وعسلاً , وهو المهدي المنتظر .

ومما يجدر ذكره أن " كثير " الشاعر العربي المعروف كان كيسانياً , وقد جاءت عنه الأبيات التالية :

ألا أن الأئمة من قريش *** ولاة الحق أربعة سواء

علي والثلاثة من بنيه   *** هم الأسباط ليس بهم خفاء

وسبط لا يذوق الموت حتى *** يقود الخيل يقدمها الولاء

يغيب لا يرى فيهم زماناً *** برضوى عند عسل وماء

ذكر الشاعر في هذه الأبيات أن عدد الأئمة أربعة لا غير , هم علي وأبناؤه الأربعة (عليهم السلام) , ثم أشار الى غيبة محمد بن الحنفية في جبل رضوى ؛ أما اليوم فنادراً ما نجد أتباعاً لهذه الفرقة , وغالباً ما نقرأ عنهم في كتب تاريخ الأديان فقط ؛ الآن نعود الى أصل الموضوع :

إن دعاء الندبة يرفض مذهب الكيسانية بصراحة تامة , وهو يطابق عقائد الشيعة الاثني عشرية بكل معنى الكلمة للأسباب التالية :

1- نقرأ في ثلاث جمل من دعاء الندبة لها صلة بنسب الامام المهدي (عج) هي : " وابن خديجة الغراء " و " ابن فاطمة الكبرى " و " جدته الصديقة الكبرى فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) " , وهذا يعني أنه من أبناء خديجة وفاطمة (عليهما السلام) ؛ وبعد ذلك من المدهش أن يؤمن شخص بمشابهة دعاء الندبة لعقائد الكيسانية , ففرضاً لو أوجدت كلمة " رضوى " شبهة فبامكان هذه الجمل الثلاث الصريحة إزالة أي لون من ألوان الالتباس والغموض .

2- ورد في هذا الدعاء بعد جملة " أين أبناء الحسين " ما نصه " صالح بعد صالح وصادق بعد صادق , أين السبيل بعد السبيل , أين الخيرة بعد الخيرة , أين الشموس الطالعة , أين الأقمار المنيرة , أين الأنجم الزاهرة , أين أعلام الدين وقواعد العلم , أين بقية الله " .

هذه الجمل المتكررة تفيد وجود أكثر من إمام بعد الامام الحسين (عليه السلام) , قاموا واحداً تلو الآخر في سبيل إصلاح الأمة والدعوة الى الله وبسط العلم , الى أن تصل الى المدخر الالهي فتذكره بصورة مفردة " أين بقية الله " .

أيمكن مع ذلك أن يشبه دعاء الندبة عقائد الكيسانية التي تنكر إمامة أبناء الامام الحسين (عليه السلام) , ولا تعترف بسوى محمد بن الحنفية ؟

أليس من الغريب أن يقال إن الموضوع بُتر بعد ذكر ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) , وتم تجاهل بقية الأئمة , ولم يُذكر منهم أحد سوى المهدي , وهذا ينسجم مع عقائد الكيسانية ؟

ألا يبدو أن هذه الجمل العشر المتوالية كافية في المقام حتى مع عدم التصريح بأسماء بقية الأئمة ؟ وهل تقصر عشر جمل عن نفي عقائد الكيسانية ؟!

3- نخاطب في هذا الدعاء إمام العصر والزمان (عج) فنقول : " بنفسي أنت من مغيّب لم يخل منا , بنفسي أنت من نازح ما نزح عنا " .

نذكر في هاتين الجملتين أن الامام المهدي (عج) موجود بيننا وقريب منا , وهذا – بحد ذاته – يدل على أن غيبته لا تعني أنه كائن استتر عن الأعين في مكان خاص , بل يتردد على المجتمعات ويختلف اليها متنكراً , وليس ثمة محل ثابت لوجوده .

4- يتضح مما قلنا آنفاً أن فقرات هذا الدعاء ترفض العقيدة الخرافية للفرقة الكيسانية رفضاً قاطعاً , وتتسق مع عقيدة الشيعة الاثني عشرية اتساقاً كاملاً .

والشيء الوحيد المتبقي هو وجود كلمة " رضوى " في إحدى جمل هذا الدعاء , لكن دواعي ذلك تتجلى بمراجعة الوثائق والمصادر الاسلامية . (تأملوا)

تفصيل الكلام هو أن يقال : كتب " ياقوت الحموي " المؤرخ المشهور في كتابه ( معجم البلدان ) حول جبل " رضوى " ما يلي :

" رضوى هو جبل بالمدينة , والنسبة إليه رضوي ( بالفتح والتحريك ) , وقال النبي (صلى الله عليه وآله) : رضوى رضي الله عنه ..." , وبعد ذكر عدد من الجباال المقدسة الأخرى قال : " وقال عرام بن الأصبغ السلمي : رضوى جبل , وهو من ينبع على مسيرة يوم , ومن المدينة على سبع مراحل ... وأخبرني من طاف في شعابه أن به مياهاً كثيرة وأشجاراً , وهو الجبل الذي يزعم الكيسانية أن محمد بن الحنفية به مقيم حي يرزق " .

وأما " ذي طوى " الذي ورد ذكره بعد جبل " رضوى " , فهو أحد الجبال المحيطة بمكة والواقعة في طريق " التنعيم " , وهو على مسافة فرسخ واحد عن مكة حيث تُرى أبنية مكة من هناك .

جاء في رواية عن الامام الباقر (عليه السلام) أن القائم يرد أرض مكة عن طريق ذي طوى , ويحضر الكعبة مع أصحاب له بقدر مجاهدي بدر ( أول صدام أساسي بين الاسلام والكفر ) , ويرفع راية الثورة والنصر من هناك .

نستنتج مما ذكر آنفاً أن رضوى جبل من الجبال المقدسة وورد ذكره في روايات النبي (صلى الله عليه وآله) [ إن تقديس أرض أو جبل كتقديس الحجر الأسود يعود الى سوابقه التاريخية , والحوادث المهمة التي مرت به طيلة التاريخ البشري , ويرتبط بمواقف تضحية الصالحين لديه ] .

 بناء على هذا , قبل أن يكون لرضوى دور وشأن في عقائد الكيسانية ذُكر في أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) , بل ربما اختار الكيسانية هذا الجبل كمعتقد لهم من أجل تلك القدسية كي يطلوا معتقداتهم الباطلة بطلاء القدسية .

على هذا الأساس , لو ورد ذكر رضوى في دعاء الندبة فينبغي إرجاعه الى جذوره من أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) لا الى العقيدة الكيسانية ذات الطابع الفرعي .

الشاهد الآخر على هذا الحديث ذكر جبل " ذي طوى " المحاذي لمكة ؛ لأنه لا دخل لهذا الجبل في عقائد الكيسانية ؛ والأهم من كل ذلك كلمة " أم غيرها " , إذ تعتبر دليلاً قاطعاً على أنه ليس للامام المهدي (عج) مكان خاص خلافاً لتصور الكيسانية , وربما تردد على المدن والبلدان والجبال والوديان ومختلف نقاط العالم ؛ فكما كان جده (صلى الله عليه وآله) تارة في جبل النور وأخرى في الكعبة وأخرى بين أهل مكة والمدينة , يحتمل أن الامام يمر على مختلف المناطق , وربما كان بيننا .

نحن نأمل ممن يرومون الاستشكال على هكذا مواضيع أن يفاتحوا أولاً عدداً من المتخصصين والبارعين في هذا المجال الذين قضوا ردحاً من الزمن في مناقشة البحوث الاسلامية , وذلك من أجل إثبات حسن نواياهم ؛ فان لم يجدوا لديهم جواباً شافياً فهم أحرار في نشر ما اُشكل لديهم , وإلا فعليهم الكف عن تشويش الرأي العام .

تجدر الاشارة الى صدور كتيب مثير للاستغراب شن على دعاء الندبة – سنداً ومضموناً – حملة شعواء , فقد أورد مؤلفه عدة إيرادات بلهجة مستهجنة , ولا يصمد أي منها أمام النقاش , وبما أنها لا تحتاج الى بحث علمي سوف نتناول اثنين منها على بساط البحث , ومنه يعرف حال بقية الموارد .

الايراد الأول يتعلق بمضمون الدعاء وهو : لماذا وردت فيه الجملة التالية بحق إبراهيم الخليل (عليه السلام) : " وسألك لسان صدق في الآخرين فأجبته وجعلت ذلك علياً " حيث لا تنسجم جملة " وجعلت ذلك علياً " مع ما سبقها , وكأن المستشكل تصور أن كلمة " علياً " تعني الامام علي (عليه السلام) .

لكن معنى العبارة يتبين بكافة أبعاده من خلال مراجعة القرآن الكريم ؛ فقد جاء في القرآن على لسان إبراهيم (عليه السلام) : " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " ([1]) , وقال في مكان آخر بشأن إبراهيم وإسحق ويعقوب : " وجعلنا لهم لسان صدق علياً " ([2]) , وقد اقتبست العبارة الآنفة من هاتين الآيتين .

أين الخلل في هذا الاقتباس ؟ وهل يمكن الاشكال عليه من قريب أو بعيد ؟

أما الاشكال الآخر على مضمون الدعاء فهو جملة : " ثم جعلت أجر محمد صلواتك عليه وآله مودتهم في كتابك فقلت قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى " حيث إنها تتناقض مع الآية الشريفة : " قل لا أسألكم عليه أجراً " ؛ لأنه طلب أجراً في مكان ولم يطلبه في مكان آخر .

الطريف أن دعاء الندبة نفسه أجاب عن هذا الاشكال في الجملة اللاحقة حينما ذكر الآية الثالثة : " قل ما سألتكم من أجر فهو لكم " ([3]) ؛ لأن مودة أهل البيت (عليهم السلام) وسيلة للاقتباس من علومهم ومعارفهم وهدايتهم , لذا لم يطلب النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) من الناس أجراً إزاء رسالته , وما أراده منهم إنما كان لفائدتهم .

وبايجاز فان مضمون الدعاء فصيح وخال عن كل إشكال , وهذه الاشكالات إنما تنشأ من عدم فهم عباراته .


 

1. سورة الشعراء , الآية 84 .

2. سورة مريم , الآية 50 .

3. سورة سبأ , الآية 47 .





حقوق الطبع محفوظة لجميع الشيعة والموالين مع رجاء ذكر المصدر