سؤال:
مع قيام المنهج القرآني بأن الأحقية غالباً في الأقلية , كيف يوجّه كلام أمير المؤمنين في نهج البلاغة ص 184 ط مركز الاشعاع الاسلامي : ومن كلام له (عليه السلام) وفيه يبين بعض أحكام الدين ويكشف للخوارج الشبهة وينقض حكم الحكمين:
( فان أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأتُ وضللتُ فلم تضلّلون عامة أمة محمد (صلى الله عليه وآله) وتأخذونهم وتكفرونهم بذنوبي ... والزموا السواد الأعظم فان الله مع الجماعة , وإياكم والفرقة فان الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب ).
هذا النص , وقد استغله الأخوة الأشاعرة عندنا للإشارة إلى أن أحقية أهل السنة تنبع من كونهم السواد الأعظم وبنص أمير المؤمنين , فما قولكم يا مولانا ؟
جواب:
الأخ ابو الزين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نلفت انتباهكم الى النكات التالية :
أ ـ إن هذه الخطبة ليس لها سند معتبر , والأصل فيها ما نقله الطبري في تاريخه : 5/84 , فلا يمكننا الاعتماد عليها بتفاصيلها , ولم يقل أحد بصحة كل ما جاء في نهج البلاغة , فلابدّ من استخراج أسانيد كلّ خطبة فيه .
ب ـ إنّ الخطبة قد وردت في ردّ الخوارج المارقين , فلابد من ملاحظة المخاطبينفي فهم كلامه (عليه السلام) , وذلك ليلزمهم بما ألزموا به أنفسهم .
ويمكن أن يكون المراد من السواد الأعظم المذكور في الخطبة هو أتباعه ومن بايعه , وبعبارة واضحة أن الامام (عليه السلام) يريد أن ينبه الخوارج بالرجوع إلى الخط العام الذي كانوا عليه قبل انحرافهم .
ويدل على هذا المعنى أن نعرف أن المسلمين في تلك الفترة قد انقسموا إلى ثلاث طوائف :
الطائفة الأولى : هم أصحاب الامام (عليه السلام) ومن بايعه من عامة الناس.
الطائفة الثانية : أصحاب معاوية .
الطائفة الثالثة : هم الذين انشقوا من معسكر الامام (عليه السلام) واتبعوا أهواءهم فضلّوا وأضلوا .
فحينئذٍ هل يعقل أن الامام (عليه السلام) ينصح هذه الفئة الثالثة بالرجوع إلى أصحاب معاوية ؟
قلا يبقى إلا القول بأنه (عليه السلام) كان يوبخهم لخذلانهم الحق , وهم الطائفة الأولى الذين سمّاهم بالسواد الأعظم ويريد منهم أن لا يفترقوا عنها .
ج ـ إن هذا المعنى يتبين بوضوح من السياق الموحد في الخطبة , إذ يذكر الامام في الفقرة السابقة ( ... خير الناس فيّ حالاً النمط الأوسط فالزموه )
ثم يقول مباشرةً بعدها : ( والزموا السواد الأعظم , فان يد الله مع الجماعة , وإياكم والفرقة , فان الشاذ من الناس للشيطان ... ) , فمن مجموع هذه الفقرات المتتالية يمكننا معرفة مقصود الامام من عبارة : ( السواد الأعظم ) , و : ( الجماعة ) , و : ( الفرقة ) , و : ( الشذوذ ) , فنعرف أن المشار إليه في تلك المقاطع مجموعات معينة , أي : أن ( الـ ) المذكور في كلّها للعهد لا للجنس .
ويدل على هذا الاستعمال بعض الروايات التي وردت في توضيح تلك الكلمات , فمنها : أن رجلاً سأل علياً (عليه السلام) عن السنة والبدعة والفرقة و الجماعة ؟
فقال : ( أما السنة فسنة النبي (صلى الله عليه وآله) , وأما البدعة فمن خالفها , وأما الفرقة فأهل الباطل وإن كثروا , وأما الجماعة فأهل الحق وإن قلوا ) تحف العقول لابن أبي شعبة :211 .
ومنه يظهر أن تعريفه (عليه السلام) لتلك الفقرات هو تعريف خاص يجب ملاحظته في فهم كلامه (عليه السلام) في المقام .
د ـ وأخيراً توجد في نفس نهج البلاغة كلمات وخطب أخرى تصرح باحتمال تواجد الحق مع القلة , مثل : ( لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله ) الخطبة 199 , أو : ( إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ) الخطبة144 .
وعليه فيجب أن نفهم كلام الامام (عليه السلام) في المقام بشكل يتفق مع كلماته وخطبه في سائر الموارد .
ودمتم سالمين
مركز الأبحاث العقائدية