بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والصلاة على النبي الكريم ، أما بعد ،،
توجد بعض كتب العقيدة التي طبعت طبعات ، مملوءة بسقط ، قد يدل على وجود تزوير في مثل هذه الكتب ، وعلى أقل تقدير ، فإنها دالة قطعا على سوء نشرها وسوء تحقيقها ، ولا ينبغي للمبتدئ ولا للباحث الاعتماد على مثل هذه الطبعات ، بل لا بد له من الرجوع للطبعات الأصلية ، ولو حصلها بطريق التصوير ، إن كانت نفذت المطبوعات .
وعندي لمثل هذه الكتب أمثلة متعددة ، منها ما يلي :
كتاب : الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به .
تصنيف : إمام المتكلمين أبو بكر الباقلاني .
تحقيق : عماد الدين أحمد حيدر .
طبعة : عالم الكتب ، سنة 1986م .
وسوف أقارن الطبعة السابقة السيئة بالطبعة الرائع ، وهي :
تحقيق : محمد زاهد الكوثري .
طبعة : مؤسسة الخانجي ، سنة 1963 م .
ففي طبعة عالم الكتب ما يلي :
الأمر الأول :
حذف المحقق أو طابع الكتاب فقرات متعددة ، قصدا أو وهما ، وهي ما يلي :
الفقرة الأولى : قول الباقلاني : [وقال بعض أهل التحقيق : ألزم الكل الحدث ..] فهذه فقرة من عشرة أسطر ، موجودة عند طبعة الكوثري ص 42 ، محذوفة عند عالم الكتب ص 66 .
الفقرة الثانية : قول الباقلاني : [ومثال ذلك أنه سبحانه لم يزل راضيا ..] وهذه فقرة من خمسة أسطر ، موجودة في طبعة الكوثري ص 45 ، محذوفة من طبعة عالم الكتب ص 69-70 .
الفقرة الثالثة : عقد الباقلاني مسألة ، بدأها قائلا : [ويجب أن يعلم أن ما جرى بين أصحاب النبي من المشاجرة نكف عنه .. ] هذه مسألة في سبعة عشرة سطرا موجودة في طبعة الكوثري ص 67-68 ، وهي محذوفة كاملا من طبعة عالم الكتب ص 112 .
الفقرة الرابعة : عقد الباقلاني أيضا مسألة بدأها قائلا : [ويجب الكف عن ذكر ما شجر بينهم ..] في عشرة أسطر موجودة في طبعة الكوثري ص 69 ، محذوفة من طبعة عالم الكتب ص 112 .
ويجدر التنيه هاهنا أن أغلب ظني أن إسقاط الفقرة الثالثة والرابعة السابقتين كان متعمدا ، إذ لعل القائل يقول بأن معاوية فاسق ، وهو يخشى من تدريس طلبته ما نص عليه الباقلاني من الكف عن الخوض فيما شجر بين الصحابة ، فلذلك آثر أن يحذف هاتين المسألتين من الكتاب ليستنى له تفسيق معاوية من غير أن يعترض أحد من طلابه عليه .
وإنما غلب على ظني هذا الفعل لأنه حصل في كتاب آخر ، سوف أذكره لاحقا إن شاء الله تعالى .
الفقرة الخامسة : قول الباقلاني [فيدل على صحة ذلك ما روي عن أم سلمة ..] في أربعة أسطر موجودة في طبعة الكوثري ص89 ، محذوفة من طبعة عالم الكتب ص 139 .
وبعد هذه السقطات الخطيرة ، هل يجوز اعتماد مثل هذه الطبعات للتعريف بعقائد الأشاعرة ؟ اللهم لا .
الأمر الثاني :
ينقل المحقق نقولا كثيرة في حاشية الكتاب عمن سماه : العبدري ، ولقبه بألقاب مثل : الإمام العبدري ، الحافظ العبدري ، شيخ الإسلام الإمام العبدري ، المحقق المدقق حجة الإسلام العبدري ، إمام علم الكلام العبدري .
فمن هو العبدري ؟؟
وإذا كان المحقق شيخه العبدري إماما في علم الكلام وناقدا ومحققا ، فكيف يسكت شيخ الإسلام العبدري عن مثل هذه السقطات الشنيعة في هذا الكتاب ؟؟!!
الأمر الثالث : نقل المحقق مقدمة الكوثري للكتاب دون أن يعزوها إليه .
وأخذ كثيرا من تعليقات الكوثري في حاشية الكتاب وكتبها ، ولم يعزها إليه ؟؟!!
بل أخذ فهارس الكوثري للأحاديث ، وللموضوعات ومسائل الكتاب ، ولم يعزها إليه أيضا .
اسم الكتاب : أساس التقديس .
اسم المؤلف الإمام الرازي رحمه الله تعالى .
المحقق : لم يذكر اسمه !! ولا أدري لماذا ؟؟؟
الناشر : مؤسسة الكتب الثقافية ، طبعة سنة 1995م .
وسوف أقارنها بطبعة آخرى :
تحقيق : الدكتور أحمد جازي السقا .
الناشر : مكتبة الكليات الأزهرية ، القاهرة .
وقعت في هذا الكتاب على خطأ واحد فقط ، وقد يكون ثمة أخطاء غيره ، لكن هذا الخطأ الواحد جسيم ، لا يحمل إلا على أنه تزوير وتحريف للكتاب ، وتغيير لمراد مؤلفه .
وسوف أبدأ بنقل الفقرة من الكتاب المطبوع طبعة مزورة :
جاء في الكتاب المزور :
[
الفصل الثالث في أنه من يثبت كونه تعالى جسما متحيزا مختصا بجهة معينة ، هو كافر .
إنه كافر ، وهذا لأنه من مذهبنا : أن كل شيء يكون مختصا بجهة وحيز ، فإنه مخلوق ، محدث ، وله إله أحدثه ، وخلقه .
وأما القائلون بالجسمية والجهة الذين أنكروا وجود موجود آخر سوى هذه الأشياء التي يمكن الإشارة إليها ، فهم منمكرون لذات الموجود الذي يعتقد أنه هو الإله ، فإذا كانوا منكرين لذاته ، كانوا كفارا لا محالة .
وهذا بخلاف المعتزلة ، فإنهم يثبتون موجودا وراء هذه الأشياء التي يشار إليها بالحس ، إلا أنهم يخالفوننا في صفات الموجود .
والمجسمة يخالفوننا في إثبات ذات المعبود ، ووجوده ، فكان هذا الخلاف أعظم ، فيلزمهم الكفر ، لكونهم منكرين لذات المعبود الحق ، ولوجوده ، والمعتزلة في صفته لا في ذاته .
وهذا آخر الكلام في هذا الكتاب] .
هكذا الفصل الثالث في الكتاب المطبوع طبعة مزورة .
أما الكلام في الكتاب بطبعته الأمينة ، فهو كالآتي :
[
الفصل الثالث : في أن من يثبت كونه تعالىجسما متحيزا مختصا بجهة معينة ، هل يحكم بكفره أم لا ؟
للعلماء فيه قولان :
أحدهما : أنه كافر ، وهو الأظهر ـ وهذ لأن مذهبنا : أن كل شيء يكون مختصا بجهة وحيز ، فإنه مخلوق ، محدث ، وله إله أحدثه ، وخلقه .
وأما القائلون بالجسمية والجهة (الذين) أنكروا وجود موجود آخر سوى (هذه) الأشياء التي يمكن الإشارة إليها ، فهم منكرون لذات الموجود الذي يعتقد أنه هو الإله ، وإذا كانوا منكرين لذاته ، كانوا كفارا لا محالة .
وهذا بخلاف المعتزلة ، فإنهم يثبتون موجودا وراء هذه الأشياء التي يشار إليها بالحس ، إلا أنهم يخالفوننا في صفات الموجود .
والمجسمة يخالفوننا في إثبات ذات المعبود ، ووجوده ، فكان هذا الخلاف أعظم ، فيلزمهم الكفر ، لكونهم منكرين لذات المعبود الحق ، ولوجوده ، والمعتزلة في صفته لا في ذاته .
والقول الثاني : أنا لا نكفرهم ، لأن معرفة التنـزيه لو كانت شرطا لصحة الإيمان ، لوجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يفتحص أن ذلك الإنسان هل عرف الله تعالى بصفات التنـزيه ، أو لا ؟ وحيث حكم بإيمان الخلق من غير هذا التفحص : علمنا أن ذلك ليس شرطا للإيمان .
وهذا آخر الكلام في هذا الكتاب] .
انظر معي ، لقد حذف صاحب الطبعة المزورة الرأي الثاني الذي نقله الرازي بأكمله .
وذلك لأنه من الواضح جدا أن صاحب الطبعة المزورة يعتقد أن المجسمة كفارا لا شك عنده في ذلك ، فاستدعاه ذلك ليحذف من الكتاب ما يبين أن الرازي نفسه ينقل في المسألة قولين ، والرازي وإن عد القول الأول هو الأظهر ، فهو لا يعتبر الرأي الثاني شاذا ولا باطلا ، بل من المعروف أن مقابل الأظهر ظاهر ، فيكون الرأي الثاني عند الرازي قولا ظاهرا .
وقد خشي صاحب الطبعة المزورة أن يعترض عليه تلاميذه الذين يدرسهم ، فآثر أن يحذف ما يخالف رأيه ، وأن تدفعه خيانته للدين وللمسلمين إلى أن يعلم طلبته ويعلم الناس كلهم أن الرازي يجزم بتكفير المجسمة قولا واحدا لا خلاف فيه ، فيا لله ويا للمسلمين !!
أليس هذا خيانة وكذبا وافتراء :
على الله تعالى .
وعلى الحقيقة .
و على المسلمين .
وعلى الرازي .
وعلى طلبة العلم !!
فتنبهوا إخواني الكرام من مثل هذه الطبعات الجاهلة المزورة .
وإني أقول : لك أيا كان صاحب الطبعة المزورة أن يعتقد ما شاء ، لكن ليس لك بحال من الأحوال أن تحرف الكلم عن مواضعه ، فإن ذلك من أفعال اليهود ! فإذا لم تنـزه نفسك عن أفعال اليهود ، فكيف سوف يثق أحد بما تعتقده ، وإن كان قولا قويا في نفسه ؟؟
أيها الناس ، إن كذبا على الشرع ليس ككذب على أحد .
وهذا يذكرني بقصة حدثت معي :
وذلك أننا كنا في رحلة لطلبة مدرسة حين كنت أستاذ مدرسة ، فقال أحد المدرسين وكان متدينا لأحد الطلاب وهو يأكل بشماله : حرام تأكل بشمالك يا ولد !!
فأخذته على طرف ، وقلت له : أنا أعلم أنه مكروه ، وليس بحرام .
فأجابني قائلا : أنا أعلم أنه مكروه ، وليس بحرام ، ولكن لو قلت للطالب أنه مكروه لم يترك الأكل بشماله ، ولن يتركه حتى أقول له إنه حرام !!
فقلت له : إنك أيها المعلم المتدين ، لأجل أن تمنع وقوع ما تعتقد أنت أنه مكروه وقعت في حرام ، فإنك تعلم أن الأكل بالشمال مكروه ، لكن يظهر أنك لست تعلم أن تحريف الأحكام الشرعية حرام ، وقد يصل في بعض الحالات إلى الكفر ، فاتق الله .
إن مثل هذه القصة تحدث كثيرا بين بعض الجهلة من المتدينين ، لكن على مستويات أرفع من ذلك ، وفي شؤون أعظم .
وهذا يدل على جهل مكعب في الدين ، وليس جهلا مركبا .
فالله المستعان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
الكتاب : متن الزبد .
المصنف : أحمد بن رسلان الشافعي .
المحقق : غير مذكور !!!!!
الناشر : مؤسسة الكتب الثقافية ، الطبعة الثانية ، سنة 1986 م .
لقد جعل الناظم لهذا الكتاب مقدمة في علم أصول الدين .
وقد أسقط المحقق !!! ـ عمدا أو سهوا ـ من هذا المتن المشهور البيت الحادي والثلاثين ، وهو التالي :
وما جرى بين الصحاب نسكت ــ عنه وأجر الاجتهاد نثبت .
وأنا أتساءل : لمصلحة من يحذف هذا البيت ؟؟!!
وأقول : الراجح عندي أن البحث فيما جرى بين الصحابة فرض كفاية على الأمة المسلمة ، وذلك لأسباب ليس هاهنا موضعها ، فإن كان ذلك هو مقصود البيت ، فلو كنت أنا طابعه ، فإني أبقي هذا البيت في المتن لأنه الدين والأمانة ، ثم أضع في الهامش رأيي في المسألة ، والأصوب أن يفرد الشخص رأيه في كتاب خاص ، لأن هذا الكتاب هو لابن رسلان ، وهو يمثل مذهب ابن رسلان وآراؤه ، فليس من المستحسن أن يضاف على الكتاب إلا ما يخدمه ، وتسجل آراء المحقق في كتب أخرى خاصة به .
والذي أراه أن مقصود البيت السكوت عن الطعن في الصحابة ، وليس السكوت عن البحث في الأحداث التاريخية التي جرت بين الصحابة ، وثمة فرق بين الأمرين ، فالواجب الكفاية بنظري هو البحث التاريخي العلمي ، أما التعرض للصحابة بالطعن والشتم والتشهير ، فليس لنا هذا بحال ، والسكوت عن ذلك أسلم وأعلم وأحكم .
والله الموفق والهادي .
على كل حال
أريد أن أنصح إخواني أن يحصلوا من كتب العقيدة على الطبعات الموثقة جدا ، سواء من خلال محققيها المعروفين المشهورين بالثقة والأمانة ، وسواء من خلال دور النشر المشهورة بالثقة والأمانة .
فمثلا : كتاب الإرشاد للجويني ، حققه : محمد يوسف موسى ، وعلي عبدالمنعم عبدالحميد ، ونشرته مكتبة الخانجي بمصر ، وقد وقعت لهذا الكتاب بهذا التحقيق على نشرتين ، نشرة عام 1950م ، ونشرة هي الطبعة الثالثة سنة 2002م .
وقد حرصت دائما على تحصيل هذا الكتاب بهذا التحقيق ، مع علمي بوجود طبعة أخرى للكتاب بتحقيق : أسعد تميم ، الناشر : مؤسسة الكتب الثقافية ، الطبعة الأولى ، سنة 1985م ، لكن بسبب وجود شكوك عندي بالنسبة لدار النشر هذه ، لوجود بعض الأمثلة السابقة ، لم أعد أستحسن شراء ما تنشره .
فكنت أستاء جدا عندما أرى أن هذه الطبعة هي الوحيد المنتشرة ، وكنت أحذر المكتبات من نشر هذه الطبعة ، لكن كالعادة ، بعض المسلمين في هذ العصر أغبياء !! فبعض أصحاب المكتبات مع كونهم متدينين ، عندما أخبره الخبر يسكت ، ويقول هذا الكتاب مطلوب يا أخي في السوق ، فلا بد أن أحضره ، فأقول له : إنك عندما تنشر مثل هذه الكتب المزورة أو المشكوك فيها تقع في الإثم ، فاحرص على استجلاب الكتب الموثقة ، فيسكت ، ولا يفعل ما هو الصواب .
على كل حال ، وبسبب احتياجي للبحوث اضررت لشراء نسخة مؤسسةالكتب الثقافية التي أشك فيها ، وكنت أرجع إليها والله على وجل وخوف من أن تكون بها تحريفات وتزويرات .
وبعد حوالي سنوات متطاولة وجدت الكتاب بطبعته الموثقة المنشورة سنة 1950 م عند العلامة سعيد فودة في بيته فالتمست منه تصويرها ، فأذن لي جزاه الله خيرا ، فقلت له : ألا تخشى أن يتمزق الكتاب ؟! بسبب التصوير ، فقال لي : تلك مسؤوليتي وليست مسؤوليتك ، فجزاه الله خيرا على سعة صدره ولظف معشره وشديد تواضعه مع علم جم وفهم ثاقف وفقه دقيق ولماحية لمواضع الاستدلال والإشكال والحلول ، وإذا قيل في حق غيره : يفهمها وهي طايرة ، فإنه والحق يقال : يفهمها قبل أن تطير .
وليس ذلك بعد منة الله تعالى وإنعامه عليه إلا لجهده الطويل في التعلم والتعليم والقراءة والفهم والتحليل والاستنتاج والكتابة والحوار ، فهكذا فليكن طلبة العلم ، وإلا فالويل للأمة الإسلامية !!
على كل حال ، ثم بعد سنوات أخرى وجدت الكتاب بنفس الطبعة الموثوقة منشورة سنة 2002م ، فاشتريتها ، فصار عندي ثلاثة نسخ !!!