عن الموقع | اتصل بنا | أسئلة متكررة | أضفنا للمفضلة | أعلن عن موقعنا

:: الصفحة الرئيسية :: 

  أبحاث و مقالات

     الألف

       آية المباهلة

       آية المودة

       آية الولاية

       ابن تيمية

       أبو بكر

       أبو حنيفة

       أبو طالب (ع)

       أبو هريرة

       الاجتهاد و التقليد

       إحسان إلهي ظهير

       أحمد الكاتب

       أحمد بن حنبل

       الارتداد

       استعارة الفروج

       الإسراء و المعراج

       الإسماعيلية

       أصول الدين وفروعه

       أعلام

       إقامة الحسينيات

       الإلهيات

       الإمامة

       الإمام علي (ع)

       الإمام الحسن (ع)

       الإمام الحسين (ع)

       الإمام السجاد (ع)

       الإمام الباقر (ع)

       الإمام الصادق (ع)

       الإمام الكاظم (ع)

       الإمام الرضا (ع)

       الإمام الجواد (ع)

       الإمام الهادي (ع)

       الإمام العسكري (ع)

       الإمام المهدي (عج)

       أهل البيت (ع)

       أمهات المؤمنين

       أهل السنة

       أهل الكتاب

     ب

     ت

     ث

     ج

     ح

     خ

     د

     ذ

     ر

     ز

     س

     ش

     ص

     ض

     ط

     ظ

     ع

     غ

     ف

     ق

     ك

     ل

     م

     ن

     هـ

     و

     ي

     متفرقات

  مواضيع مميزة

  أشرطة سمعية

  صور و وثائق

  مواضيع خفيفة

  قسم البرامج

  مواقع صديقة

  إصدارات الموقع

 البحث في الموقع

أبحاث و مقالات » الألف » أهل البيت (ع)

آخر تعديل: 24/11/2011 - 4:26 ص

 مقامات العـترة الطاهرة (الحلقة الأولى)
  كتبه: اصدارات المجمع العلمي للدراسات والثقافة الاسلامية في النجف الاشرف | 5:44 ص | 23/11/2011

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقامات العترة الطاهرة (الحلقة الأولى)


عزيزي القارئ اليك مقامات العترة الطاهرة على شكل حلقات كما مر عليك في فضائل العترة الطاهرة وصفاتها من تاليف الدكتور الشيخ عباس الانصاري واعداد الشيخ حيدر الربيعاوي ومن إصدارات المجمع العلمي للدراسات والثقافة الاسلامية في النجف الاشرف
المقام الأوّل
مقام الإمامة

معاني الإمامة:
1ـ في اللغة: هي الرئاسة العامّة على جميع الناس .
وعليه يطلق على كلّ مَنْ يتصدّى لرئاسة جماعة إمام، سواءً كان إماماً في طريق الحقّ، كما هو الحال في إمامة نبي الله إبراهيم (عليه السلام) عندما خاطبه (تعالى) بقوله: (إنّي جاعلك للناس إماماً) .
قال الشيخ الطبرسيّ (قدس سره) في تفسير هذه الآية الشريفة: (.... جاعلك للناس إماماً...) يؤتمّ ويقتدى به... فتقدّمهم أنت ويتبعون هديك ويستنّون بسنّتك التي تعمل بها بأمري إيّاك ووحيي إليك) .
وقال السيّد العلاّمة الطباطبائي في الميزان: «أي مقتدى يقتدى بك الناس، ويتبعونك في أقوالك وأفعالك» .
أو كان إماماً في الباطل، كما يصطلح ذلك على رؤساء الكفر في القرآن الكريم بقوله تعالى:
(.. فقاتلوا أئمة الكفر إنّهم لا إيمان لهم لعلّهم ينتهون) .
وكما نلاحظ إطلاق هذا المعنى على مِنْ يقتدي به المصلّون في صلاة الجماعة، وهذا من باب المعنى اللغويّ، والذي يستفاد منه عموم الإمامة للرئاسة كما ذكر ذلك القرآن الكريم (يوم ندعو كلَّ أُناس بإمامهم) الذين يقتدون به، وهو الإمام الحق.
2ـ في الاصطلاح: هي عبارة عن القيادة الشاملة العامّة للأُمّةِ الإسلاميّة إصلاحها وهدايتها في جميع الأبعاد والمجالات الدينيّة والدنيويّة بحيث يتحقق الإقتداء بالإمام الحقِّ مِنْ خلال تطبيق أقواله وأفعاله عملياً بين المأمومين; وإتباعه في كل شيء له في إمتداد طاعة اللهّ ورسوله .
3ـ الإِمامةُ في كلمات أهل البيت (عليهم السلام): قال الإمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، معرّفاً لمعنى الإمامة: إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء.
إنَّ الإمامة خلافة الله (عزّوجلّ) وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين (عليهما السلام).
إنّ الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين...
إنّ الإمامة أسس الإسلام النامي وفرعه السامي... .
وهذا الاصطلاح بحسب العقيدة الحقّة، وبهذا تكون الإمامة استمراراً لوظائف الرسالة المحمّديّة الخالدة، وعلى هذا يكون الإمام المعيّن هو الذي أمر الله تعالى بخلافته من بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل نصّ عليه، كما سيأتي بيانه.
المعاني المرادفة للامامة: ورد في القرآن الكريم معنى الإمامة في اصطلاحات متعدّدة مترادفة; وكذا في السنّة المطهّرة منها:


1ـ الخلافة، قال تعالى: (يا داود إنّا جَعلناكَ خليفةً في الأرضِ فاحكم بين الناس بالحقّ) .
قال ابن كثير في تفسيره: هذه وصيّة مِنَ الله (عزّوجلّ) لولاة الأُمور .
وفي الحديث الشريف عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: اللهّمّ ارحم خلفائي قيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟
قال: الذين يأتون بعدي ويروون حديثي وسنّتي .
2ـ المِلكْ، قال تعالى: (ولقد كتبا في الزبور أنَّ الأرض يرثها عبادي
الصالحون) . فبشّر الله ـ تعالى ـ نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنَّ أهل بيتك يملكون الأرض ويرجعون إلى الدنيا ويقتلون أعداءهم... الخ .
أقول: وقد ورد في الروايات أنّ ذلك سوف يتحقق بعد ظهور الإمام المنتظر (عليه السلام).
3ـ الولاية: قال تعالى: (إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا...) .
وورد في السنّة المطهرّة أنَّ (الذين آمنوا) هم الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وفي الآية الشريفة حصر للولاية بالأئمّة المعصومين (عليهم السلام) بعد ولاية الله ورسوله.
وقد يطلق عليها بهذا المعنى; القيادة، أمّا الإمام ـ وهو المعصوم ـ فيطلق عليه، باعتبار ثبوت حق التصرّف له (عليه السلام)في أمور الأمّة (وليّ)، وباعتبار ثبوت حقّ قيادة الأمّة وإدارة شؤونها (قائد) وعلى منصبه بهذا اللحاظ، (قيادة).
على تفصيل سيأتي الكلام فيه .

الإمام الحقّ والقائد القدوة:
هو خصوص المنصوب من قبل الله (جلّ وعلا) المفترض الطاعة على العباد; والخليفة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه فهو يمتلك كلّ مناصب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ النبوّة والرسالة، فكما أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يمتلك ـ إضافة للنبوّة وبيان الأحكام وتنفيذهاـ قيادة الأمّة والولاية عليها في كافّة الجوانب وشتّى المجالات، كذلك الإمام بعدما ثبتت خلافته للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وإمامة الأمّة، تثبت له القيادة والولاية والطاعة وغير ذلك مِنَ المناصب الإلهيّة الثابتة للنبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) بما فيها القيادة السياسيّة وإدارة وتدبير شؤون الامة.
إذن لايصحّ أنْ يستخلف النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غيرُ الأمام الذي نصّ عليه القرآن الكريم، ونصبه الحقّ تبارك وتعالى; لذا فهو الإمام الحقّ، بل الأحقّ بالخلافة، كما هو القائد القدوة الذي يجب أن يُتّبع، كما سيأتي الحديث عنه إن شاء الله تعالى.

الغاية من بحث الإمامة:
بعد رحلة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) للملكوت الأعلى، نشأ النزاع والخلاف بين المسلمين ووقفت الأمّة على مفترق طرق، بل تفرّقت صفوفها إلى عدّة فرق، وكان مِنْ أهمّ هذه الفرق، فرقة أهل الخلاف الذين خالفوا النصّ الإلهيّ وما بلّغ به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاتبعوا المغتصبين للخلافة وبايعوا الأوّل على اغتصاب مقام أمير المؤمنين (عليه السلام); وفرقة أهل الحقّ; وهم الذين ثبتوا على ما جاء به القرآن الكريم ونصّ عليه الحقّ (تبارك وتعالى) وبلّغه نبيّ الإسلام المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم); وذلك هو الأمر بإمامة عليّ (عليه السلام) وولايته على المسلمين وهو الخليفة الحقّ للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)فاتّبعوا الإمام علياً (عليه السلام)مع كلّ ما واجهوا مِنَ المصاعب والمتاعب والآلام، وهناك فرق أخرى ضلّت الطريق وانحرفت عن المسار الحقّ; بسبب هذا النزاع الذي انطلق من تحت ستار السقيفة المشؤومة التي اجتمع فيها أهل الباطل واتّفقوا على غصب الخلافة، وهم على علم بأهلها وقد سمعوا ذلك من لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمرأى ومسمع جمع غفير من المسلمين.
لهذا يجب البحث في الإمامة; لكي يتبيّن للأمّة على مرِّ العصور المذهب الحقّ، بل ما تعرّض له أئمّة المذهب (عليهم السلام) الذين أمر الحقّ (تعالى) باتّباعهم وطاعتهم وجعل طاعتهم امتداداً لطاعة الله ورسوله.
هذا مِنْ جانب، والجانب الآخر ينطلق من هذا السؤال:
كيف يُطبِّقُ تعاليمَ القرآن وأحكامَهُ ويُوَحّدُ صفوفَ الأُمّة مِنْ خلال كتاب الله، مَنْ خالف القرآنَ الكريم وسُنّةَ نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل خالف أمر الله (تبارك وتعالى)؟
وهذا معناه أنّه وقع في التناقض المؤديّ الى انحلال الأمّة وضياعها في طريق الهلاك، وبالنتيجة لايمكنه أنْ يؤدّي الغرض، بل لايمكن أن يحقّق الهدف المنشود مِنْ بعثة الأنبياء (عليهم السلام).
إذن لايمكن تحقّق هذا الأمر إلا مِنْ خلال مَنْ اتّبع الهدى فاهتدى، والأدلّة على ذلك كثيرة بنصّ القرآن الكريم; والتي تدلّ ـ بصراحة ـ على أن الأحقّيّة في الخلافة للإمام عليّ (عليه السلام).
منها: (إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا).
ومنها: (يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم).
وقد ثبت هذا كلّه بوضوح تامّ للأُمّة مِنْ قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فضلاً عن آيتي البلاغ والإكمال، والأحاديث الصحيحة التي منها حديث الغدير والثقلين والسقيفة والمنزلة، وقد فُصّلت في ثنايا البحث، وكلّها نزلت بحق العترة الطاهرة(عليهم السلام)، بل نصّت على إمامتهم.
كما إنّ العقل يرى ضرورة البحث عن الإمامة باعتبارها أصلاً مِنْ أُصول الدين التي يجب أنْ يكون الاعتقاد بها إدراكها عن طريق العقل، ولايجوز التقليد فيها; لذلك يجب البحث عنها ويلزم عقلاً.

ثمرات بحث الإمامة:
قد يقول قائل:
إنّ هذا البحث تكرّر بيانه عدّة مرّات وفي كل عصر، فلماذا لانكتفي بما تقرّر في محلّه فيكون حينئذ واضحاً وثابتاً؟ وإذا كان لابدّ منه، فما هي الثمرة المترتّبة على تكراره؟
أقول: إنَّ تعدّد البحث في هذا الأمر لايعدّ تكراراً; لان الأجيال بحاجة الى بيان هذه الحقيقة، بل مِنْ واجبات المسلم الحقيقيّ أنْ يسعى وراء ذلك، كما إنَّ الفطرة السليمة تقتضي ذلك أيضاً.
هذا هو الجانب الرئيسيّ في البحث، وأمّا الثمرات المترتّبة على ذلك فعديدة، نذكر أهمّها; وهو الذي يجب على الأمّة أنْ تعيه وبكامل المسؤوليّة، ويتأسّس على عدّة أُمور منها:
الاول: بيان حقيقة الإمامة الحقّة ليتسنّى لطالب معرفتها، المسيرُ طبق منهجها الصحيح باتّباع الإمام الحقّ، وهذا ما أمر الحقّ (تبارك وتعالى) به، فهو امتثال لأمره (جلَّ وعلا).
الثاني: تصوير كيفيّة طاعة الله (عزّ وجلّ) وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك باتّباع وطاعة أهل البيت(عليهم السلام); وهذا ما لا يمكن تحقّقه إلاّ مِنْ خلال البحث عن العقيدة الحقّة والدفاع عنها.
الثالث: تحديد الموقف السياسيّ على مستوى المذهب الحقّ ـ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ـ; وذلك مِنْ خلال بيان اغتصاب الخلافة، وإظهار مظلوميّة أهل البيت (عليهم السلام); وبالتالي يتمّ تشخيص أعداء الإسلام والمذهب الاثنا عشريّ الحقّ.
الرابع: رسم المنهج الصحيح لمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وكشف الستار الذي أسدله الأعداء أمامه محاولة لإخفاء حقيقته; وبذلك تتّضح العقيدة الصحيحة التي أرادها الله (تعالى) وجاء بها نبيّ الإسلام ورسمها أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) للسالكين لطريق الحق.
الخامس: طمس محاولات الأعداء; وذلك بإفشال مخطّطاتهم العدائيّة وكشف حقائقهم الزائفة; وبالتالي يتمّ إنقاذ الأمّة التي تبحث عن تلك الحقيقة لأجل اتّباعها.

الإمامة من أُصول الدين:
بعد هذا الاستعراض الموجز في معاني الإمامة وما هو المقصود بالإمام، وبعد أن أثبتنا ذلك وأشرنا إلى أنّ الإمام الحقّ للمسلمين هو الذي نصبه الحقّ تعالى وجعله خليفة للنبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).
وعليه; تكون الإمامةُ خلافةً للنبوّةِ، ولاتكون إلاّ لمن استخلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْ بعدهبأمر من الله تعالى.
وعلى هذا تكون الإمامة متمّمة لخطّ النبوّة واستمراراً لها، بل هي مترتّبة عليها ترتّباً طوليّاً.
مِنْ هنا لا تكون الإمامة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ إذا ثبتت النبوّة، وبما أنّ النبوّة ـ كما ثبت في محلّه ـ من أُصول الدين لا من فروعه، يثبت حينئذ أنَّ الإمامة كذلك مِن الاُصول، إلاّ إذا قلنا بأنَّ النبوّة من الفروع، فتكون الامامة منها; والتالي باطل فيكون المقدّم باطلاً مثله، وعليه فالنتيجة باطلة; لأنّها تتبع أخسّ المقدّمتين ـ كما فصّل في محلّه (المنطق) وبهذا يظهر بطلان (القول بأنّ الإمامة من الفروع) لما عرفت وسيأتي.

حقيقة الإمامة:
إنّ الهدف من بعثة الأنبياء هو هداية البشريّة الى الحقّ (تعالى); وطريق الهداية وإيصالهم للكمال من خلالِ الفعل الاختياريّ; لذلك تعلقّت إرادة المولى (تبارك وتعالى) ـ أوّلاً وبالذات ـ بكمال الانسان حتّى يحصل على السعادة الأبديّة; لأنّ الحكمة من الخلق معرفته (تعالى); وهذا ما لا يستطيع أن يحصل عليه الإنسان إلاّ من خلال بيان الطريق الحقّ المؤدّي الى ذلك، وهو الدين القيّم الذي تكفّل ببيان هذا الأمر; والذي لايمكن تحقّقه إلاّ عن طريق النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال حياته.
وبما أنّ النبيّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خاتم الأنبياء والرسل، والخاتميّه بمعنى الخلود لا النهاية، إذا كان مِنَ اللازم لهذا الخلود في الرسالة أنْ يستخلف رسولَ الله(صلى الله عليه وآله وسلم)معصومٌ مثله لكي تتوفّر فيه الكفاءات والمؤهّلات اللازمة للقيامّ بمهام الرسالة الخالدة من ناحية تنفيذ الأحكام والتشريعات بالمعنى الأعمّ، وقيادة الأمّة وتدبير أمورها وإدارة شؤونها في كافّة المجالات، وإنّما ختمت النبوّة; لأنّ رسالة النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)هي الشريعة المتكاملة والمستوعبة لجميع احتياجات البشريّة التي تكلّف بها القرآن الكريم.
لذلك كان أهل البيت (عليهم السلام) عِدلَ القرآن الكريم الذي لا ينفكّ عنه، ولذلك أصبحت خلافتهم امتداداً للرسالة المحمّديّة الحقّة، لأنّ ذلك لايتأتى إلاّ من خلال وجودهم المبارك (عليهم السلام)، وأنّ ختم النبوّة إذا لم يكن مقترناً بالخلافة الحقّة ـ الإمامة ـ يكون مخالفاً للحكمة الإلهيّة.


وبهذا تثبت الإمامة لأهل البيت (عليهم السلام) بالأصالة الموافقة للحكمة، بل هي عين الحكمة التي يجب أن تستمّر لحين قيام الحكومة الإلهيّة المتمّثلة بنشر الحقّ والعدل في العالم بقيادة مولانا الإمام صاحب الأمر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وعند ذلك سوف تتّضح فلسفة الإمامة ومدى تأثيرها في تكامل البشريّة بعد النسخ العامّ الذي يحصل من جرّاء الظلم والجور في عموم الأرض.


وقد صرّح القرآن الكريم بهذه الحقّ يقة بقوله تعالى:
(ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّةً ونجعلهم الوارثين) وقد أكّدها أهل البيت (عليهم السلام) في كلماتهم وأحاديثهم الشريفة.
قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «اللّهمّ بلى لاتخلو الأرض من قائم لله: بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً; لئلا تبطل حجج الله» .
إذاً; وكما يقول سيّدنا ومولانا الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، مؤكّداً على إبراز حقيقة الإمامة وبيان ماهيّتها:
«إنّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً مِنْ أنْ يبلغَها الناسُ بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم...» ، فلابدّ أنْ يكون الإمام الحجّة المعصوم موجوداً في كلّ زمان.

الإمامة نصّ إلهيّ لا شورى:
إنّ الذي يتفحّص بدقّة ويحقّق في بداية بعثه النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحتّى رحلته الشريفة، بل في كلّ جوانب حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بما فيها من تبليغ الأحكام الإلهيّة وتنفيذها وإدارة شؤون الامة وقيادتها من خلال تأسيس الدولة الاسلاميّة، يجد سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين الإمام علياً (عليه السلام) كما أنّه هو المصلّي الأوّل خلفه والمبلّغ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك هو السند القويّ والظهير الذي لاينثني عن مجاهدة أعدائه; ووليّ عهده ووزيره وصاحب الأمر مِنْ بعده هذا من جانب، ومن جانب آخر يجد أنّ النصوص المتواترة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرة; وكلّها تدلّ على أنّ أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) هو الخليفة من بعده; لعلمه بإرادة الباري (سبحانه وتعالى) ومصلحة الأمّة، وفي نفس الوقت يؤكّد (صلى الله عليه وآله وسلم) على منزلته العظيمة منه فيقول: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي». على أنَّ هذا الأمر إلهيٌّ; وحقّ مِنْ حقوق الله (تبارك وتعالى).
بعد هذا أَكّدَ القرآن الكريم هذه الحقّ يقة، بل أوجبها ونصّ عليها، حيث أمرَ الله (جلّ وعلا) رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بإبلاغ هذا الأمر مِنْ بعده بعد حجّة الوداع بقوله تعالى: (يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربّك..) وعندها جمع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)المسلمين في منطقة غدير خمّ ووقف أمامهم وأخذ بيد عليّ (عليه السلام)وقال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه...».
ثمّ ما برحوا لم يتفرّقوا حتّى نزل الأمين جبرائيل بالوحي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) .
وبعد نزول هذه الآية المباركة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
«الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي والولاية لعليّ».
وفي رواية: «... وولاية عليّ بن أبي طالب من بعدي» .

الإمامة كمال الدين وتمام النعمة:
وقد يستشكل على هذا الأمر ـ ثبوت الامامة بالنصّ ـ بأنّه إذا كانت الإمامة امتداداً للنبوّة وتبليغ الرسالة، فكيف ينسجم تفسيرها بهذا المعنى مع قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي...) الذي يعني إكمال الدين في ذلك اليوم، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قد استوفى مهمّة تبليغه ونشر أحكامه، إلاّ إذا قلتم انّ النبوّة مرادفة للإمامة وأنّ النبيّ لم يُتِمّ إبلاغ الرسالة كاملةً؟
أقول: اتّفق الكثير مِنْ كبار مفسّري الخاصّة والعامّة على أنّ المراد باليوم في هذه الآية المباركة، هو يوم عرفة مِنَ العام الذي حجّ فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حجّة الوداع ـ كما هو مذهب علمائنا الأعلام في دفع هذا الإشكال ـ لكنّ المستشكل استغفل هذا الأمر بغضاً لولاية أمير المؤمنين (عليه السلام).
إذا ثبت هذا، فالأمر واضح; وهو أنّه تمّ في هذا اليوم تنصيب علي (عليه السلام)إماماً للمسلمين وخليفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْ قبل الله (جلَّ وعلا) بواسطة نبيّه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم); وذلك بإبلاغ مِنْ أمين الوحي جبرائيل (عليه السلام) ـ وقد تقدّم بيانه مفصّلاً ـ وعليه يكون إكمال الدين متحقّقاً بخلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) للنبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإتمام النعمة بولايته المباركة التي نصّ على فضائلها القرآن الكريم بقول الله (عزّوجلّ):
(مَنْ جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيّئة فكبت وجوههم في النار) .
وقد ورد عن أمير المؤمنين الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ الحسنة معرفة ولاية أهل البيت والسيّئة إنكار الولاية وبغضنا أهل البيت».
ويدلّ على ما تقدّم نزول عدّة آيات بعد آية الاكمال منها قوله تعالى:
(يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرء هلك ليس له ولد ولهُ اختٌ فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد).
ومنها أيضاً قوله تعالى: (... أحلّ الله البيع وحرَّم الربا...) . وغير ذلك.
هذا وقد وردت روايات كثيرة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) مِنْ طريق الفريقين، تؤكّد على نزول مثل هذه الآيات بعد يوم عرفة.
منها: ما ذكره السيوطيّ في تفسيره عن البخاريّ في صحيحه عن ابن عبّاس (رض) أنّه قال: «آخر آية أنزلها الله على رسوله آية الربا» .
وأما القول بالمرادفة، فواضح البطلان; من خلال بيان الفرق بين النبوّة والإمامة على وجه الاختصار، فالنبوّة متقدّمة بالوحي، والإمامة بالنصّ على الخلافة، لأنّه لايوجد مِْن يقول بأن الإمام يوحى إليه، نعم هو مبلّغ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فيما جاء به مِن الأحكام والمسائل الإلهيّة بعد رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الملكوت الأعلى، مضافاً الى ذلك وجود الأدلّة الصريحة على خاتميّه نبيّنا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما ورد بنصّ حديث المنزلة المتقدّم.
وهكذا يثبت أنّ الإمامة كمال الدين وتمام النعمة، وهذا لايعني أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكمل الرسالة، وإنّما كانت خلافة الإمام عليّ (عليه السلام) له امتداداً للرسالة الخالدة.

علّة تنصيب الإمام وضرورة وجوده:
حينما سئل الإمام أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عن علّة تنصيب الإمام، أجاب قائلا: لعلل كثيرة;
منها: إنّ الخلق لَمَّا وقفوا على حدّ محدود، وأُمروا أنْ لايتعدّوا ذلك لِمَا فيه مِنْ فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولايقوم إلاّ بأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم مِنَ الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام.
ومنها: إنّا لا نجد فرقة مِنَ الفرق ولاملّة من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم...
ومنها: إنّه لو لم يجعل لهم إماماً، قيّماً، أميناً، حافظاً، مستودعاً، لدرست الملّة وذهب الدين وغُيّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون ونقّص منه الملحدون...) .
هذا هو الجانب المهمّ في علّة تنصيب الإمام بعد النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) خليفةً له وإماماً للأمّة، وأمّا ضرورة وجوده المبارك (عليه السلام) فَتتّضح مِنْ خلال إدراك دوره الخطير في إدارة شؤون الأمة وتوقّف جميع المهامّ والتكاليف على وجوده; لذلك قال مولانا الإمام الرضا (عليه السلام):
(... بالأمام تُقام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف...) .
وعليه تكون ضرورة وجود الامام ضرورة ملحّة، بل مِنَ المهامّ والضرورات التي يدركها العقل; لأنّه حجّة الله والهادي إليه والقائم بأمره، والقيّم له على خلقه.
لذلك قال مولانا الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام):
(... إنّما الأئمّة قوّام الله على خَلْقهِ، وعرفاؤهُ على عباده، ولايدخل الجنّةَ إلاّ مَنْ عَرَفُهم وعرفوه...) .
وفي رواية عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «كلُّ مَنْ دان الله بعباده يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فَسَعْيُهُ غيرُ مقبول، وهو ضالٌّ متحيّر...» .

مراتب الإمامة:
مِنْ خلال مراجعة الآيات الشريفة التي نصّت على الإمامة بشكل واضح، ومن خلال الدراسة التحليليّة في الروايات المتظافرة والمتّفق عليها في المصادر المعتبرة عند الفريقين ـ العامّة والخاصّة ـ; والتي نصّت بشكل صريح على إمامة العترة الطاهرة (صلوات الله عليهم أجمعين)، وأيضاً مِنْ خلال البحث في الأحداث التأريخيّة التي مرت بها الإمامة، وباستعراض ما تعرّض له ائمّة أهل البيت (عليهم السلام)، يظهر أنّ للإمامة مراتب مترتّبة; تبعاً لعظم المسؤوليّة الخطيرة التي تكمن فيها، والدور القياديّ المهمّ في جميع جوانب الحياة الدينيّة والدنيويّة، كما أنّ لتحقّقها في المجال العمليّ الدورَ الكبيرَ في ترتّب هذه المراتب.
لذلك أصبحت ولاية أهل البيت (عليهم السلام) الضابط الرئيسيّ والميزان الأساسيّ في قبول الأعمال في الحياة الأُخروية، بل السبب في الفوز الخالد فيها أو الخسران الأبديّ .

وهذه المراتب هي:
المرتبة الأولى: مرتبة الإمامة الخاصّة:
وهي التي تعني الامتداد الطبيعيّ الحقّ لولاية الله ورسوله على وجه الحصر بنصّ القرآن الكريم، بقوله تعالى: (إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) فتكون إمامة معيّنة ومنصوصة من قبل الله (جلَّ وعلا)، لاتتخلّف عن الإمام المعصوم (عليه السلام) مهما كانت الظروف المحيطة به.


ومن الدليل عليها: ما رواه ثقة الإسلام شيخنا الكلينيّ بسنده عن مولانا الإمام الباقر (عليه السلام) قال: فأمر الله محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفسّر لهم الولاية كما فسّر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحجّ.
فلمّا أتاه ذلك من الله، ضاق بذلك صدر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتخوّف أن يرتدّوا عن دينهم، وأن يكذّبوه، فضاق صدره وراجع ربّه (عزّ وجلّ) فأوحى الله (عزّ وجلّ) إليه: (يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس)فصدع بأمر الله ـ تعالى ذكره ـ فقام بولاية عليّ (عليه السلام) يوم غدير خمّ، فنادى: «الصلاة جامعة» وأمرَ الناسَ أن يبلّغ الشاهدُ الغائبَ .
يُستفاد مِنْ هذه الرواية المباركة أنّ الإمامة مرتبة خاصّة ثابتة للإمام المعصوم بعد النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل منصوصة مِنْ قبل الله (تبارك وتعالى)، ولايمكن أنْ تتخلّف الخلافة عن الخليفة الحقّ المنصوب للأُمّة بالنصب الإلهيّ، وذلك بقرينة قوله (عليه السلام): «وأمر الناس أن يبلّغ الشاهد الغائب».
وعليه يكون الإمام هو الحجّة مِنْ قبل الله (عزّوجلّ) في إدارة شؤون الأمّة وتدبير أمورها، وفي بيان المسائل العقائديّة والأحكام الالهيّة وتنفيذها كما نصّت الرواية: «فأمر الله محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)» أن يُفسّر لهم الولاية كما فسّر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحجّ» سواء كان مبسوط اليد من قبل الأُمّة أم لا، كما أنّ الإمام (عليه السلام) هو الواسطة البرزخيّة التي تربط الخلق بالخالق الحقّ ـ تعالى ذكره ـ وهو الهادي الحقّ الى الله سبحانه، والقدوة الحسنة الصالحة بين الناس; فيجب على الجميع تنفيذ أوامره والانتهاء عن نواهيه، كما يجب الاقتداء به بعد النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)واتّباعه في كلّ شيء.

المرتبة الثانية: الإمامة العمليّة:
وهي التي تعني ادارة شؤون الأمّة وتدبير أمورها العمليّة على مستوى الواقع العمليّ، وإقامة الأحكام الإلهيّة بالمضامين المقدّسة التي جاءت في الشريعة والتي تنسجم مع مراتب الكمال الانسانيّ الذي يُهيّيء البشريّة للتدرّج في سلّم الكمال; وبالنتيجة يرتقى الانسان في الكمال ومراتب القرب الإلهيّ بحسب أدائه العمليّ للشريعة الإسلاميّة الحقّة طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام).
ويعتبر الإمام المعصوم (عليه السلام) هو القيّم على الأُمّة في إقامة الشريعة والعدل والحكم بين الناس، كما يقول مولانا الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام):
«لو لم يجعل لهم ـ أيّ الناس ـ إماماً قيّما حافظاً مستودعاً لدرست الملّة...».
ولآية الله العظمى السيّد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) كلام دقيق ورائع في توضيح هذا المطلب يقول فيه:
«والخليفة معيّن لهذه الأُمور أيضاً، فالخليفة ليس مشرّعاً، بل الخليفة معيّن لأجل تنفيذ أحكام الله التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .
هذا فيما يجري في الأحكام الكليّة التي شرّعها الله (سبحانه) في عالم الجعل، أمّا فيما يتعلق بالمسائل الجزئيّة فله أنْ يشرّع أحكاماً حسب ما تقتضيه المصحلة.
وهذه المرتبة قد تتخلّف عن الإمام بإزاحته عن منصبه في الإشراف المباشر على إمامة الأُمة وتدبير أُمورها وإدارة شؤونها; وذلك باغتصاب هذا المقام الإلهيّ الذي نصّ عليه القرآن الكريم ـ وقد تقدّم بيانه ـ وأكّدته السنّة المطهّرة بشكل صريح، بل حذّرت من اغتصابه بشدّة، لأنّه ظلم لأهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) واعتداء على مقامهم السامي ومراتبهم التي رتّبهم الله فيها; والأدلّة الصريحة على ذلك كثيرة.
منها: ماورد في زيارة عاشوراء:
«.. فَلعنَ اللهُ أُمّةً أسّست أساسَ الظُلم والجور عليكم أهلَ البيتِ ولعنَ اللهُ أمّةً دفعتكم عن مَقامكم وأَزالتكُم عن مراتبكم التي رَتّبكُم اللهُ فِيها...» .
ومنها: ما جاء في كلام أمير المؤمنين الإمام عليّ (عليه السلام) في إحدى خطبه، ـ والذي يتّضح منه سلب الخلافة ـ عندما أوضح هذا الأمر قائلاً:
(أمَا واللهِ لقدْ تَقمَّصَها فُلا0نٌ وإنّه ليعْلمُ أنَّ مَحلِّي منها مَحلُّ القُطبِ من الرَّحى...) .
والمعنى: الضمير في «تقمّصها» راجع للخلافة، كما ظهر من سائر الروايات، و«فلان» كناية عن أبي بكر.
فعن زرارة، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام) قال: ذُكِرت الخلافة عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: (والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة) وذكر نحوه.
والمراد: تقمّص الخلافةَ مع علمه بأنّي مدار أمرها ولاتنتظم إلاّ بي ولا عوض لها عنّي كما أنّ الرحى لاتدور إلاّ بالقطب ولا عوض لها عنه، لأنّ أبا بكر اعترفَ بذلك في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل سمعه منه عندما خطب (صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خمّ ـ وقد تقدّم بيانه مفصلاً وسيأتي التأكيد عليه في مقام الولاية ـ عندما نصب عليّاً (عليه السلام) إماماً للمسلمين في وسط حاشد بجمع غفير منهم، بل أكثر من ذلك، انّه بايعه وهنّأه أمامَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قائلاً: «بخ، بخ لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن».
وفي رواية العامّة أنّ عُمَرَ قال له ذلك أيضاً .
ومع ذلك كلّه نقض البيعة وخالف الله ورسوله في اغتصاب هذا المقام الالهيّ مع علمه بمِن هو أهل له، وصاحبه الأحقّ منه به; وأنّه ليس أهلاً له.

المرتبة الثالثة: الإمامة بالنيابة:
وهي التي تعني تولّي الإمام الحجّة المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) إمامة الأُمّة وقيادتها وتدبير أمورها وإدارة شؤونها في كافّة المجالات وجميع القضايا في عصر الغيبة من خلال نوّابه الذين نصّ على نيابتهم بتوقيعاته الشريفة التي خرجت لشيعته ومحبيّه عن طريقهم آنذاك.
وهذه المرتبة تكون على مرحلتين نستخلصهما من خلال الأحداث التي مرّت بها الإمامة في هذه المرتبة، وهما:
الأولى: مرحلة النيابة الخاصّة: وهي المرحلة التي تولّى فيها الإمام المهديّ (عليه السلام)الإمامة والإشراف على إدارة أُمور الأُمّة من خلال توسّط نوّابه الأربعة; والذين نصّبهم (سلام الله عليه) في زمن الغيبة الصغرى للفترة من عام (260) إلى عام (329) للهجرة; ليكونوا الرابطة الأمينة والواسطة المخلصة بينه (عليه السلام) وبين الشيعة خاصّةً والبشريّة عامّةً.
الثانية: مرحلة النيابة العامّة: وهي المرحلة التي تولّى فيها الإمام الثاني عشر الحجّة بن الحسن العسكريّ (عجّل الله تعالى فرجه) إمامة الأُمّة في غيبته الكبرى; والتي بدأت بانتهاء الغيبة الصغرى عام (329) للهجرة، بالإعلان الذي أعلنه الإمام المهديّ (عليه السلام)بانتهاء مرحلة النيابة الخاصّة لنوّابه الأربعة; وإحالة أمر النيابة مِنْ قبلِهِ (عليه السلام) للفقيه العادل الجامع للشرائط ـ بالتفصيل الذي مَرَّ الكلام عنه ـ حيث خرج التوقيع مِنْ الناحية المقدّسة لصاحب الأمر (عليه السلام):
(فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسهِ، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه...) زمام أمورهم الدينيّة والدنيوية.
على أن يكون للفقيه العادل في زمن الغيبة الكبرى حقّ النيابة العامة عن الإمام الغائب (أرواحنا لمقدمه الفداء) في تولّي أمور المسلمين وقيادة الأمّة وتدبير أمورها وإدارة شؤونها.
وبهذا تكون الولاية للفقيه الجامع للشرائط إذا تمكّن من ذلك، وهذا هو معنى ولاية الحاكم الشرعي على ما فُصِّل في محلّه.
وعندها بدأت الغيبة الكبرى، وأنه لاظهور إلاّ بإذن منَ الله سبحانه وتعالى، وهو اليوم الموعود الذي يبزغ فيه النور المبين للإمام المنتظر (عليه السلام) وبظهوره وطلعته الرشيدة تُسعَد البشريّة; لأنّه يُوم انتشار العدل الإلهيّ والحكومة الإلهيّة في الأرض.
لذلك قال تعالى: (وَعَدَ اللهُ الذين آمنوا مِنكُم وعَمِلُوا الصّالحاتِ ليستخلفنَّهُم في الأرض وليمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم...) .
وقد جاء في بعض الروايات; إنّ المصداق الكامل لهذا الوعد في هذه الآية المباركة سيتحقّق في زمان ظهور إمام العصر والزمان (عليه السلام) بصورة كاملة (وكان وعَدُ ربيّ حقّاً) إنّه (جلّ اسمه) لايخلف الميعاد.
وهذه المرحلة هي التي نعيشها ونعاصرها الآن، وستبقى الأُمّة معاصرة لها حتّى يأذن الله (عزّوجلّ) للإمام المنتظر (عليه السلام) بالظهور المبارك وللبشريّة بالفرج الذي سوف يتحقّق تحت ظلّ دولته الكريمة.
«اللّهمّ وسُرَّ نبيّك محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) برؤيتهِ ومَنْ تَبعهُ على دعوتهِ وارحم استكانتنا بعده، اللّهمّ اكشف هذه الغمّة عن هذه الأُمّة بحضوره وعجّل لنا ظهوره، إنّهم يرونه بعيداً ونراه قريباً برحمتك يا أرحم الراحمين».

خاتمة في الإمامة:
الأئمّة اثنا عشر من العترة الطاهرة (عليهم السلام)
وردت روايات عديدة أكثر من أن تُحصى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مصادر العامّة والخاصّة، تؤكّد على أنّ الأئمّة بعد النبيّ الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)إثنا عشر، يستخلفونه في إمامة الأُمّة، كلّهم من قريش ومن حصوص العترة الطاهرة (صلوات الله عليهم أجمعين).
وقد نصّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) على خلافتهم وإمامتهم للناس، وأنّهم من أهل بيته خاصّة، إماماً بعد إمام يتلون هذا الأمر، وبهم تحفظ الرسالة ويُعَزّ الدين.
وإليك خمساً من هذه الروايات تيمّناً بالأنوار الخمسة لأصحاب الكساء (صلوات الله عليهم أجمعين) ومراعاةً للاختصار:
1ـ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: «لايزال هذا الدين عَزيزاً إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش...» .
2ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الائمّة بعدي اثنا عشر، عدد نقباء بني إسرائيل، كلهم أُمناء أتقياء معصومون» ..
3ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أهل بيتي عترتي، من لحمي ودمي، هم الائمّة بعدي...» .
4ـ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال (مخاطباً عليّاً (عليه السلام)): (يا عليّ أنا وأنت وابناك الحسن والحسين وتسعة من أولاد الحسين أركان الدين، ودعائم الإسلام، مَنْ تبعنا نجا، ومَنْ تخلّف عنّا فإلى النار) .
5ـ وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «الائمّة من بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم القائم، هم خلفائي وأوصيائي وأوليائي وحجج الله على أمّتي بعدي، المقرُّ بهم مؤمن والمنكر لهم كافر» .
هذا ما نصّ عليه النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أمام الناس; وفي مواطن مختلفة مِنْ أرض الحياة الدنيا .
وأما ما نودي به في السماء، حيث عُرِجَ برسول الله الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الى هناك برفقة جبرائيل (عليه السلام)، فهو ما أخبر به الباري (عزّوجلّ) نبيّه المصطفى (عليه السلام)، وما هو مكتوب على سرادق العرش; والذي يدل على عظم مقامهم وعلوّ منزلتهم عند الخالق العظيم (عزّ اسمه وجلّ شأنه)، فكثير، نذكر منه ما رواه العامّة في كتبهم.
وهذا نصّه بما أورده القندوزيّ في ينابيع المودة مسنداً عن عليّ (عليه السلام) قال:
(قال رسول الله (عليه السلام) «في حديث طويل»: ... والفضل بعدي لك وللأئمّة من ولدك من بعدك... لمّا عرج بي إلى السماء فنوديت... ولأوصيائك أوجبت كرامتي، فقلت: ياربّ ومن أوصيائي؟
فنوديت: يا محمّد أوصياؤك المكتوبون على سرادق عرشي فنظرت; فرأيت اثني عشر نوراً، وفي كل نور سطراً، أخضر عليه اسم وصيّ مِنْ أوصيائي أوّلهم عليّ وآخرهم المهديّ.
فقلت: ياربّ هؤلاء أوصيائي مِنْ بعدي؟
فنوديت: يا محمّد، هؤلاء أوليائي وأحبّائي وأصفيائي وحججي بعدك على بريّتي وهم أوصياؤك... الحديث .
أقول: العجب كلّ العجب ممّن يروي مثل هذه الأخبار التي تنصّ بشكل صريح ـ غير قابل للتأويل ـ على علوّ المنزلة وسموّ المقام ورفعة الفضيلة للأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، بل تنصّ على حصِر الامامة بهم (عليهم السلام) دون غيرهم وأنها منصب الهيّ، وأن الإمام منصوب مِنْ قبل الله (عزّوجلّ)، ومع ذلك يناقض نفسه وينكر ولايتهم التي نصّ عليها ربّ العرش العظيم (جلّ اسمه); وحذّر رسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)مِنْ الجحد بها; لعظم خطورة الآثار المترتّبة على جحدها، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «والذي نفس محمد بيده، لو أنّ رجلاً عَبَد الله ألف عام، ثم ألف عام ما بين الركن والمقام، ثم أتى جاحداً بولايتهم لأكبّه الله في النار كائناً ما كان» .
الحاصل:
يتخلّص ممّا تقدّم عدّة أمور، أهمها:
1ـ إنّ الإمامة نصّ إلهي، وهي أصل مِنْ أُصول الدين الحقّ.
2ـ إنّ الإمام هو خصوص المعصوم مِنْ عترة النبيّ الخاتم محمّد صلى الله عليه وآله دون غيره.
3ـ إنّ الأرض لا تخلو من الإمام الحجة في كل زمان; لكي تتحقق الهداية الإلهية، وينجو العباد.
4ـ الإمامة استخلاف للنبي الخاتم صلى الله عليه وآله، فللإمام ما للنبي مِنْ حقوق على المسلمين، من الولاية وحق الطاعة والإتّباع.، ونحو ذلك، وكذَلْكَ تثبت للإمام في حال الحضور والغيبة بلا فرق.
5ـ إِنَّ الأئمّة هم إثنا عشر; ومِنْ العترة الطاهرة لرسول الله صلى الله عليه وآله لاغيرهم، وأنّ آخرهم هو مهدي آل محمد; وهو حيّ غائب مستور ; لحكمة إلهية..، وتمتد غيبته إلى أن يشاء الله تعالى ويأذن له بالظهور والفرج في آخر الزمان، وسوف تعمّ حكومته العالم بأجمعه، وسيتجسّد العدل الإلهيّ في ربوع الأرض كافة.
اللهم ثبّتنا على ولايتهم; وأرزقنا زيارتهم الدائمة في الدنيا، وشفاعتهم في الآخرة (صلوات الله عليهم أجمعين).. إنّك حميد مجيد.

اصدارات المجمع العلمي للدراسات والثقافة الاسلامية في النجف الاشرف





حقوق الطبع محفوظة لجميع الشيعة والموالين مع رجاء ذكر المصدر