الدليل الثاني عشر : الصحيفة المشؤومة .
قال ابن سعد الواقدي في طبقاته – ج1 ، ص142-143 في ذكر حصر قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني هاشم في الشعب - :
... فقال أبو طالب لكفار قريش : إنّ ابن أخي قد أخبرني – ولم يكذبني قط - : أنّ الله سلّط على صحيفتكم الأَرَضَة (1) فَلَحَسَت كل ما كان فيها من جَور أو ظُلم أو قطيعة رَحِم ، وبقي فيها كل ما ذُكِرَ به الله، فإن كان ابن أخي صادقاً .. نزعتم سوء رأيكم ، وإن كان كاذبـاً دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه !
قالوا : قد أنصفتنا .
فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها ، فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسُقِطَ في أيديهم ونُكِسوا على رؤوسهم .
فقال أبو طالب : على مَ نُحبس ونُحصر وقد بـان الأمر !
لاحظ أن أبا طالب كان مُتيقناً ومصدقاً بالرسول الأكرم حين قال لمشركي قريش : ( قد أخبرني ولم يكذبني قط ) !
يا تُرى إنّ من يُصدّق قول النبي في هذه الصحيفة ، كيف لا يصدقه ويتّبعه في دينه ؟!
واقرأ معي ما جاء في السيرة النبوية لابن هشام : ج1 ، ص240-241 ، قريش تعرض عمارة بن الوليد على أبي طالب ، ط1975م ، دار الجيل ، بيروت .
... إن قريشاً حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه ، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم ، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له :
... يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد – أي أشد – فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولداً فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هـذا الذي ... فرّق جماعة قومك وسَفّه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل !
فقال : والله لبئس ما تسومونني ، أتعطوننـي ابنكم أغـذوه لكـم وأعطيكم ابني تقتلونه ! هذا والله ما لا يكون أبداً !
لاحظ الجملة الأخيرة من قول سيد البطحاء ( أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ! هذا والله ما لا يكون أبداً ) .
في حين أننا قد قرأنا ما جاء في أمر الصحيفة وقول أبي طالب عندما قال لكفار قريش : ( أن الله قد سلّط على صحيفتكم الأرضة ) ثم قال : (فإن كان ابن أخي صادقاً نزعتم سوء رأيكم وإن كان كاذباً دفعته إليكم فقتلتموه ).
فبالله عليك أخي القارئ ! كيف بأبي طالب يرفض أن يُسلّم النبي للمشركين كما في رواية ابن هشام .
وأما في رواية ( الصحيفة ) يقول وبكل ثقة بأنه سوف يدفعه للمشركين كي يقتلوه .. إن كان كاذباً ؟!
ألا يَدُلّنا ذلك على أن أبا طالب كان مصدقاً النبي في كل ما يقوله ، وأنه كان مؤمناً برسالته .
الدليل الثالث عشر : حب النبي لعمّـه حتى بعد الوفاة .
جاء في كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبدالبر القرطبي في ترجمة عقيل بن أبي طالب :ج3 ، ص168 ، ترجمة 1853 ، ط1 / 1415هـ ، دار الكتب العلمية، بيروت
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له :
يا أبا يزيد ! إني أَحبّك حُبّين ، حباً لقرابتك مني ، وحُبّاً لما كنت أعلم من حب عمي إيـّاك .
أقول : إن هذا الحديث يدلّ – بكل صراحة – أن النبي الأكرم كان يحب عقيلاً حبّين اثنين .
الحُبّ الأول : لأنه ابن عمه ومن دمه ولحمه ، ومن أرحامه .
الحُبّ الثاني : لأن أبا طالب عليه السلام كان يحب عقيلاً حباً جماً .
وبما أن النبي الأكرم كان يحب عمه أبا طالب ، فإنه قد جمع هذا الحب مع حبه الخاص لابن عمه فصارا حُبّين .
ألا يدُلّنا هذا على أن النبي ازداد حباً لعقيل بسبب كثرة حُبـّه لعمه أبي طالب ؟!
ولو كان أبو طالب مشركاً ، فكيف يحب النبي عمه بعد موته طالما مات العم مشركاً ؟!
إنّ هذا العمل غير لائـق بالنبي الأكـرم ، لأن الله تعالى قد نهى عن ذلك في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم ، ومنها قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تَتّخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تُلقون إليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم من الحق } الممتحنة / 1 .
وقوله سبحانه وتعالى :
{ قل أطيعوا الله ورسوله فإن الله لا يُحبّ الكافرين } آل عمران/32 .
وقوله عز وجل :
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إنْ استَحَبّوا الكفر على الإيمان ومن يَتَوَلَّهم منكم فأولئك هم الظالمون } التوبة/ 23 .
فكيف نُوَفِّـق بين ذلك الحب المُرَكّز من النبي لعمه أبي طالب ، وبين صريح هذه الآيات الناهية عن مَحَبَّة المشركين ؟!
الجواب :
لا حل لذلك سوى أن نقول : إنّ أبـا طالب كان مؤمناً ، ولم يكن مشركاً كما يزعم بعض الشواذ .