عن الموقع | اتصل بنا | أسئلة متكررة | أضفنا للمفضلة | أعلن عن موقعنا

:: الصفحة الرئيسية :: 

  أبحاث و مقالات

     الألف

       آية المباهلة

       آية المودة

       آية الولاية

       ابن تيمية

       أبو بكر

       أبو حنيفة

       أبو طالب (ع)

       أبو هريرة

       الاجتهاد و التقليد

       إحسان إلهي ظهير

       أحمد الكاتب

       أحمد بن حنبل

       الارتداد

       استعارة الفروج

       الإسراء و المعراج

       الإسماعيلية

       أصول الدين وفروعه

       أعلام

       إقامة الحسينيات

       الإلهيات

       الإمامة

       الإمام علي (ع)

       الإمام الحسن (ع)

       الإمام الحسين (ع)

       الإمام السجاد (ع)

       الإمام الباقر (ع)

       الإمام الصادق (ع)

       الإمام الكاظم (ع)

       الإمام الرضا (ع)

       الإمام الجواد (ع)

       الإمام الهادي (ع)

       الإمام العسكري (ع)

       الإمام المهدي (عج)

       أهل البيت (ع)

       أمهات المؤمنين

       أهل السنة

       أهل الكتاب

     ب

     ت

     ث

     ج

     ح

     خ

     د

     ذ

     ر

     ز

     س

     ش

     ص

     ض

     ط

     ظ

     ع

     غ

     ف

     ق

     ك

     ل

     م

     ن

     هـ

     و

     ي

     متفرقات

  مواضيع مميزة

  أشرطة سمعية

  صور و وثائق

  مواضيع خفيفة

  قسم البرامج

  مواقع صديقة

  إصدارات الموقع

 البحث في الموقع

أبحاث و مقالات » الألف » أبو طالب (ع)

آخر تعديل: 20/07/2009 - 4:12 ص

 رسالة في إيمان أبي طالب
  كتبه: الشيخ المفيد | 7:23 م | 27/11/2004

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ولي الحمد و مستحقه و صلاته على خيرته من خلقه محمد و آله و سلم كثيرا .

و بعد أطال الله بقاء الأستاذ الجليل و أدام له العز و التأييد و العلو و التمهيد فإنني مثبت بتوفيق الله عز و جل و ما يهب من التسديد طرفا من المقال في المعنى الذي كنت أجريت منه جملا بحضرته معاينة و ما في حيزه بيان الطرف و الجمل من الدلائل على إيمان أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف رضي الله عنه و أرضاه المقتضبة من مقاله و فعاله التي لا يمكن دفعها إلا بالعناد و إن كنت قد أشبعت الكلام في هذا الباب في مواضع من كتبي المصنفات و أمالي المشهورات ليكون ما يحصل به الرسم في هذا المختصر تذكارا و لما أخبرت عنه بيانا و في الغرض الملتمس منه كافيا و بالله أستعين .

فمن الدليل على إيمان أبي طالب رضي الله عنه ما اشتهر عنه من الولاية لرسول الله (ص) و المحبة و النصرة و ذلك ظاهر معروف لا يدفعه إلا جاهل و لا يجحده إلا بهات معاند و في معناه يقول رضي الله تعالى عنه في اللامية السائرة المعروفة :

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد *** و أحببته حب الحبيب المواصل

‏و جدت بنفسي دونه و حميته *** و دارأت عنه بالذرى و الكلاكل

‏فما زال في الدنيا جمالا *** لأهلها و شينا لمن عادى و زين المحافل

‏حليما رشيدا حازما غير طائش *** يوالي إله الخلق ليس بماحل

فأيده رب العباد بنصره *** و أظهر دينا حقه غير باطل

و من تأمل هذا المدح عرف منه صدق ولاء صاحبه لرسول الله (ص) و اعترافه بنبوته و إقراره بحقه فيما أتى به إذ لا فرق بين أن يقول محمد نبي صادق و ما دعا إليه حق صحيح واجب و بين قوله :

فأيده رب العباد بنصره *** و أظهر دينا حقه غير باطل

و في هذا البيت إقرار أيضا بالتوحيد صريح و اعتراف لرسول الله (ص) بالنبوة صحيح و في الذي قبله مثل ذلك حيث يقول

و هو يصف النبي (ص) :

حليما رشيدا حازما غير طائش *** يوالي إله الخلق ليس بماحل

يعني ليس بكاذب متقول للمحال .

و ما بعد هذا القول المعلوم من أبي طالب رضي الله تعالى عنه المتيقن من قبله طريق إلى التأويل في كفره إلا و هو طريق إلى التأويل على حمزة و جعفر و غيرهما من وجوه المسلمين حتى لا يصح إيمان أحدهم و إن أظهر الإقرار بالشهادتين و بذل جهده في نصرة الرسول (ص) .

و هو في أمر أبي بكر و عمر و عثمان أقرب لأنه إن لم يثبت لأبي طالب و هو مقر به في نثره و نظمه الذي يسير به عنه الركبان و يطبق على رواياته نقلة الأخبار و رواة السير و الآثار مع ظهور نصرته للنبي (ص) و بذل نفسه و ولده و أهله و ماله دونه و رفع الصوت بتصديقه و الحث على اتباعه كان أولى أن لا يثبت للذين ذكرناهم إيمان و ليس ظهور إقرارهم و شهرته يقارب ظهور إقرار أبي طالب رضي الله تعالى عنه و يداني في الوضوح اعترافه بصدقه و نبوته و لهم مع ذلك من التأخر عن نصره و من خذلانه و الفرار عنه ما لا يخفى على ذي حجى ممن سمع الأخبار و تصفح الآثار و هذا لازم لا فصل منه .

ثم إن أبا طالب رضي الله تعالى عنه يصرح في هذه القصيدة بتصديق النبي (ص) بأخص ألفاظ التصديق ينادي بالقسم في نصرته (ص) و بذل المهجة و الأهل دونه حيث يقول :

أ لم تعلموا أن ابننا لا مكذب *** لدينا و لا يعبأ بقول الأباطل

‏و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ربيع اليتامى عصمة للأرامل

‏يطوف به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده عصمة و فواضل

إلى حيث قال :

كذبتم و بيت الله نسلم أحمدا *** و لما نطاعن دونه و نقاتل

و نسلمه حتى نصرع حوله *** و نذهل عن أبنائنا و الحلائل

و في هذه الأبيات أيضا بيان لمن تأملها في صحة ما ذكرناه من إخلاص أبي طالب رضي الله عنه و الولاء لرسول الله (ص) و بذل غاية النصرة له و الشهادة بنبوته و تصديقه حسب ما ذكرناه .

و قد جاءت الأخبار متواترة لا يختلف فيها من أهل النقل اثنان أن قريشا أمرت بعض السفهاء أن يلقي على ظهر النبي (ص) سلى الناقة إذا ركع في صلاته ففعلوا ذلك و بلغ الحديث أبا طالب فخرج مسخطا و معه عبيد له فأمرهم أن يلقوا السلى عن ظهره (ص) و يغسلوه ثم أمرهم أن يأخذوه فيمروه على سبال القوم و هم إذ ذاك وجوه قريش و حلف بالله أن لا يبرح حتى يفعلوا بهم ذاك فما امتنع أحد منهم عن طاعته و أذل جماعتهم بذلك و أخزاهم .

و في هذا الحديث دليل على رئاسة أبي طالب على الجماعة و عظم محله فيهم و أنه ممن تجب طاعته عندهم و يجوز أمره فيهم و عليهم و دلالة على شدة غضبه لله عز و جل و لرسوله (ص) و حميته له و لدينه و ترك المداهنة و التقية في حقه و التصميم لنصرته و البلوغ في ذلك إلى حيث لم يستطعه أحد قبله و لا ناله أحد بعده .

و قد أجمع أهل السير أيضا و نقلة الأخبار أن أبا طالب رضي الله عنه لما فقد النبي (ص) ليلة الأسراء جمع ولده و مواليه و سلم إلى كل رجل منهم مدية و أمرهم أن يباكروا الكعبة فيجلس كل رجل منهم إلى جانب رجل من قريش ممن كان يجلس بفناء الكعبة و هم يومئذ سادات أهل البطحاء فإن أصبح و لم يعرف للنبي (ص) خبرا أو سمع فيه سوءا أومأ إليهم بقتل القوم ففعلوا ذلك .

و أقبل رسول الله (ص) إلى المسجد مع طلوع الشمس فلما رآه أبو طالب قام إليه مستبشرا فقبل بين عينيه و حمد الله عز و جل على سلامته ثم قال و الله يا ابن أخي لو تأخرت عني لما تركت من هؤلاء عينا تطرف و أومأ إلى الجماعة الجلوس بفناء الكعبة من سادات قريش ذلك .

ثم قال لولده و مواليه أخرجوا أيديكم من تحت ثيابكم فلما رأت قريش ذلك انزعجت له و رجعت على أبي طالب بالعتب و الاستعطاف فلم يحفل بهم .

و لم تزل قريش بعد ذلك خائفة من أبي طالب مشفقة على أنفسها من أذى يلحق النبي (ص) و هذا هو النصر الحقيقي نابع عن صدق الولاية و به ثبتت النبوة و تمكن النبي (ص) من أداء الرسالة و لولاه ما قامت الدعوة و من لم يعرف باعتباره إيمان صاحبه و عظم عناه في الدين خرج من حد المكلفين .

على أن رسول الله (ص) لم يزل عزيزا ما كان أبو طالب حيا و لم يزل به ممنوعا من الأذى معصوما حتى توفاه الله تعالى فنبت به مكة و لم تستقر له فيها دعوة و أجمع القوم على الفتك به حتى جاءه الوحي من ربه فقال له جبرئيل (ع) إن الله عز و جل يقرئك السلام و يقول لك اخرج عن مكة فقد مات ناصرك فخرج (ع) هاربا مستخفيا بخروجه و بيت أمير المؤمنين بدلا منه على فراشه فبات موقيا له بنفسه و سالكا بذلك منهاج أبيه رضي الله عنه في ولايته و نصرته و بذل النفس دونه .

فكم بين من أسلم نفسه لنبيه و شراها الله تعالى في طاعة نبيه (ص) و بين من حصل مع النبي (ص) في أمن و حرز و هو لا يملك نفسه جزعا و لا قلبه هلعا قد أظهر الحزن و أبدى الخور شاكا في خبر الله تعالى مرتابا بقول رسول الله (ص) غير واثق بنصر الله عز و جل آيسا من روح الله ضانا بنفسه عن الشهادة مع نبي الله (ص) أم كم بين ما ذكرناه من نصر أبي طالب لرسول الله (ص) و قيامه بأمره حتى بلغ دين الله و مسارعته إلى اتباعه و معاضدته و مؤازرته و بين تأخر غيره عنه و إخلائه مع أعدائه عليه و نحره في السفر إلى... .

يطعم منه الراحلين معه لسفك دمه حتى إذا ظفره الله تعالى مقهورا و جي‏ء به إليه أسيرا دعاه إلى الإيمان فلجلج و أمره بفداء نفسه فامتنع فلما أشرف على دمه أقر و انقاد للفداء ضرورة و أسلم .

إن هذا لعجب في القياس و غفلة خصوم الحق عن فصل بين هذه الأمور حتى عموا فيها عن الصواب و ركبوا العصبية و العناد لأعجب و الله نسأل التوفيق .

و مما يؤيد ما ذكرناه من إيمان أبي طالب رضي الله تعالى عنه و يزيده بيانا :

أنه لما قبض رحمه الله أتى أمير المؤمنين (ع) رسول الله (ص) فآذنه بموته فتوجع لذلك النبي (ص) و قال امض يا علي فتول غسله و تكفينه و تحنيطه فإذا رفعته على سريره فأعلمني ففعل ذلك أمير المؤمنين (ع) فلما رفعه على السرير اعترضه النبي (ص) فرق له و قال وصلتك رحم و جزيت خيرا فلقد ربيت و كفلت صغيرا و آزرت و نصرت كبيرا ثم أقبل على الناس فقال أما و الله لأشفعن لعمي شفاعة يعجب منها أهل الثقلين و في هذا الحديث دليلان على إيمان أبي طالب رضي الله عنه أحدهما أمر رسول الله عليا (ص) بغسله و تكفينه دون الحاضرين من أولاده إذ كان من حضره منهم سوى أمير المؤمنين إذ ذاك على الجاهلية لأن جعفرا رحمه الله كان يومئذ ببلاد الحبشة و كان عقيل و طالب حاضرين و هما يومئذ على خلاف الإسلام لم يسلم واحد منهما بعد و أمير المؤمنين (ع) مؤمن بالله تعالى و رسوله فخص منهم بولاية أمره و جعله أحق به منهما لإيمانه و وفاقه إياه في دينه .

و لو كان أبو طالب رضي الله عنه مات على ما يزعم النواصب كافرا كان عقيل و طالب أحق بتولية أمره من علي (ع) و لما جاز للمسلم من ولده القيام بأمره لانقطاع العصمة بينهما .

و في حكم رسول الله (ص) لعلي (ع) به دونهما و أمره إياه بإجراء أحكام المسلمين عليه من الغسل و التطهير و التحنيط و التكفين و المواراة شاهد صدق في إيمانه على ما بيناه .

و الدليل الآخر دعاء النبي (ص) له بالخيرات و وعده أمته فيه بالشفاعة إلى الله و اتباعه بالثناء و الحمد و الدعاء و هذه هي الصلاة التي كانت مكتوبة إذ ذاك على أموات أهل الإسلام و لو كان أبو طالب مات كافرا لما وسع رسول الله (ص) الثناء عليه بعد الموت و الدعاء له بشي‏ء من الخير بل كان يجب عليه اجتنابه و اتباعه بالذم و اللوم على قبح ما أسلفه من الخلاف له في دينه كما فرض الله عز و جل ذلك عليه للكافرين حيث يقول وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ .

و في قوله وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ .

و إذا كان الأمر على ما وصفناه ثبت أن أبا طالب رضي الله عنه مات مؤمنا بدلالة فعله و مقاله و فعل نبي الله (ص) به و مقاله حسبما شرحناه .

و يؤكد ذلك ما أجمع عليه أهل النقل من العامة و الخاصة و رواه أصحاب الحديث عن رجالهم الثقات من أن رسول الله (ص) سئل فقيل له ما تقول في عمك أبي طالب يا رسول الله و ترجو له قال أرجو له كل خير من ربي فلو لا أنه رحمة الله عليه مات على الإيمان لما جاز من رسول الله (ص) رجاء الخيرات له من الله عز و جل مع ما قطع له تعالى به في القرآن و على لسان نبيه (ص) من خلود الكفار في النار و حرمان الله لهم سائر الخيرات و تأبيدهم في العذاب على وجه الاستحقاق و الهوان

فصل

فأما قوله رضي الله عنه المنبه على إسلامه و حسن نصرته و إيمانه الذي ذكرناه عنه فهو ظاهر مشهور في نظمه المنقول عنه على التواتر و الإجماع و سأورد منه جزءا يدل على ما سواه إن شاء الله تعالى .

فمن ذلك قوله في قصيدته الميمية التي أولها :

ألا من لهم آخر الليل مقتم *** طواني و أخرى النجم لما تقهم

إلى قوله :

أ ترجون أن نسخو بقتل محمد *** و لم تختضب السمر العوالي من الدم

كذبتم و بيت الله حتى تفرقوا *** جماجم تلقى بالحطيم و زمزم‏

و تقطع أرحام و تنسى حليلة ** خليلا و يغشى محرم بعد محرم

‏و ينهض قوم في الحديد إليكم *** يذودون عن أحسابهم كل مجرم

‏على ما أتى من بغيكم و ضلالكم *** و عصيانكم في كل أمر و مظلم

‏بظلم نبي جاء يدعو إلى الهدى *** و أمر أتى من عند ذي العرش مبرم

‏فلا تحسبونا مسلميه و مثله *** إذا كان في قوم فليس بمسلم

أ فلا ترى الخصوم إلى هذا الجد من أبي طالب رضي الله عنه في نصرة نبي الله (ص) و التصريح بنبوته و الإقرار بما من عند الله عز و جل و الشهادة بحقه فيتدبرون ذلك أم على قلوب أقفالها .

و منه قوله رضي الله تعالى عنه :

تطاول ليلي بهم نصب *** و دمع كسح السقاء السرب

‏للعب قصي بأحلامها *** و هل يرجع الحلم بعد اللعب

إلى قوله رضي الله عنه :

و قالوا لأحمد أنت امرؤ *** خلوف الحديث ضعيف النسب

‏ألا إن أحمد قد جاءهم *** بحق و لم يأتهم بالكذب

و في هذا البيت صرح بالإيمان برسول الله (ص) .

و منه قوله رضي الله تعالى عنه :

أ خلتم بأنا مسلمون محمدا *** و لما نقاذف دونه بالمراجم

‏أمينا حبيبا في البلاد مسوما *** بخاتم رب قاهر للخواتم

‏يرى الناس برهانا عليه و هيبة *** و ما جاهل في فضله مثل عالم

‏نبيا أتاه الوحي من عند ربه *** فمن قال لا يقرع بها سن نادم

‏تطيف به جرثومة هاشمية *** تذبب عنه كل باغ و ظالم

و منه قوله رضي الله عنه :

ألا أبلغا عني على ذات بينها *** لؤيا و خصا من لؤي بني كعب

‏أ لم تعلموا أنا وجدنا محمدا *** نبيا كموسى خط في أول الكتب

‏و أن عليه في العباد محبة *** و لا شك في من خصه الله بالحب

و في هذا الشعر و الذي قبله محض الإقرار برسول الله (ص) و بالنبوة و صريح بلا ارتياب .

و من ذلك قوله رضي الله عنه :

ألا من لهم آخر الليل منصب *** و شعب العصا من قومك المشعب

إلى قوله :

و قد كان في أمر الصحيفة عبرة *** متى ما تخبر غائب القوم يعجب

‏محا الله منها كفرهم و عيوبهم *** و ما نقموا من باطل الحق مقرب

فكذب ما قالوا من الأمر باطلا *** و من يختلق ما ليس بالحق يكذب

‏و أمسى ابن عبد الله فينا مصدقا *** على سخط من قومنا غير معتب

‏فلا تحسبونا مسلمين محمدا *** لذي غربة منا و لا متغرب

‏ستمنعه منا يد هاشمية *** مركبها في الناس غير مركب

و قال أيضا رضي الله عنه يحض حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه على اتباع رسول الله (ص) و الصبر على طاعته و الثبات على دينه :

فصبرا أبا يعلى على دين أحمد *** و كن مظهرا للدين وفقت صابرا

نبي أتى بالدين من عند ربه *** بصدق و حق لا تكن حمز كافرا

فقد سرني إذ قلت لبيك مؤمنا *** فكن لرسول الله في الدين ناصرا

و ناد قريشا بالذي قد أتيته *** جهارا و قل ما كان أحمد ساحرا

و ليس وراء هذه الشهادة و الإقرار بالنبوة و الحث على اعتقادها بيان في إيمانه و لا بعده شبهة و ليس غير ذلك إلا العناد و رفع الاضطرار نعوذ بالله من الخذلان .

و من ذلك قوله رضي الله تعالى عنه :

إذا قيل من خير هذا الورى *** قبيلا و أكرمهم أسرة

‏أناف بعبد مناف أبي *** أبو نضلة هاشم الغرة

و قد حل مجد بني هاشم *** مكان النعائم و الزهرة

و خير بني هاشم أحمد *** رسول المليك على فترة

و هذا مطابق لقوله تعالى قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ .

فإن لم يكن في ذلك شهادة للنبي (ص) بالنبوة فليس في ظاهر الآية شهادة و هذا ما لا يرتكبه عاقل له معرفة بأدنى معرفة أهل اللسان .

و منه قوله في ذكر الآيات للنبي (ص) و دلالة و قول بحيراء الراهب فيه و ذلك أن أبا طالب رضي الله عنه لما أراد الخروج إلى الشام ترك رسول الله (ص) إشفاقا عليه و لم يعمل على استصحابه فلما ركب أبو طالب رضي الله تعالى عنه بلغه ذلك فتعلق رسول الله (ص) بالناقة و بكى و ناشده الله في إخراجه معه فرق له أبو طالب و أجابه إلى استصحابه .

فلما خرج معه أظلته الغمامة و لقيه بحيراء الراهب فأخبره بنبوته و ذكر لهم البشارة في الكتب الأولى فقال أبو طالب رضي الله تعالى عنه إن الأمين محمدا في قومه عندي يفوق منازل الأولادلما تعلق بالزمام ضممته و العيس قد قلصن بالأزواد حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا لاقوا على شرف من المرصادحبرا فأخبرهم حديثا صادقا عنه و رد معاشر الحساد و منه قوله رضي الله عنه و قد حضرته الوفاة في وصيته لرسول الله (ص) أوصي بنصر النبي الخير مشهده عليا ابني و شيخ القوم عباساو حمزة الأسد الحامي حقيقته و جعفرا ليذودوا دونه البأسا و من ذلك قوله رحمه الله تعالى :

أبيت بحمد الله ترك محمد *** بمكة أسلمه لشر القبائل

‏و قال لي الأعداء قاتل عصابة *** أطاعوه و ابغهم جميع الغوائل

إلى قوله :

أقيم على نصر النبي محمد *** أقاتل عنه بالقنا و الذوابل

و منه أيضا قوله يحض النجاشي على نصر النبي (ص) :

تعلم مليك الحبش أن محمدا نبي *** كموسى و المسيح ابن مريم

‏أتى بهدى مثل الذي أتيا به *** فكل بأمر الله يهدي و يعصم

‏و إنكم تتلونه في كتابكم *** بصدق حديث لا حديث المبرجم

‏و إنك ما تأتيك مني عصابة *** بفضلك إلا عاودوا بالتكرم

فلا تجعلوا لله ندا و أسلموا *** فإن طريق الحق ليس بمظلم

و في هذا الشعر من التوحيد و الإسلام ما لا يمكن دفعه مسلما .

و من ذلك قوله رضي الله تعالى عنه لجعفر ابنه و قد أمر بالصلاة مع النبي (ص) صل يا بني جناح ابن عمك ففعل فلما رأى إجابته له أنشأ يقول :

إن عليا و جعفرا ثقتي *** عند ملم الخطوب و الكرب

‏و الله لا أخذل النبي *** و لا يخذله من بني ذو حسب

‏لا تخذلا و انصرا ابن عمكما *** أخي لأمي من دونهم و أبي

فهذا القول في خاتمة أمره وفاقا لما سلف منه في مضي زمانه و حياته و هو محض التصديق حقيقة الإيمان و صريح الإسلام و إيمانه بالله تعالى .

و له من بعد هذا أبيات في المعنى المتقدم يطول بها التقصاص منها قوله في قصيدة ميمية له و قد عدد آيات النبي (ص) :

فذلك من إعلامه و بيانه *** و ليس نهار واضح كظلام

و قوله في قصيدته الدالية :

فما يرجوا حتى رووا من محمد *** أحاديث تجلوا غم كل فؤاد

فأما دليل توحيده لله عز و جل فمن كلامه المشهور و مقاله المعروف أكثر من أن يحصى و قد تقدم منه مما كتبناه ما سنلحقه بأمثاله له في معناه على سبيل الاختصار إن شاء الله .

فمن ذلك قوله في قصيدة طويلة :

مليك الناس ليس له شريك *** هو الوهاب و المبدي المعيد

و من فوق السماء له ملاك *** و من تحت السماء له عبيد

فأقر لله تعالى بالتوحيد و خلع الأنداد من دونه و أنه يعيد بعد الإبداء و ينشئ خلقه نشأة أخرى و بهذا المعنى فارق المسلمون أهل الجاهلية و باينهم فيما كانوا عليه من خلاف التوحيد و الملة .

و له أيضا في قصيدة بائية :

فو الله لو لا الله لا شي‏ء غيره *** لأصبحتم لا تملكون لنا شربا

و أشباه ذلك و نظائره مما هو موجود في نظمه و نثره و في وصاياه و سجعه في خطبه و كلامه المدون له في البلاغة و الحكمة و إيراد جميعه يطول و فيما أثبتناه منه كفاية و من دلائل إيمانه برسول الله (ص) كفاية و بلاغ و الحمد لله رب العالمين و صلواته على سيدنا محمد و آله الطاهرين .

تمت الرسالة من تأليفات الشيخ المقدم و الإمام المكرم الفقيه المفيد محمد بن محمد بن النعمان رضوان الله تعالى عليه و كان ذلك بعد العصر من يوم الجمعة أول أول الربيعين سنة ست و ثمانين و تسعمائة بالمسجد الجامع الكبير بأصفهان بتوفيق الله تعالى.





حقوق الطبع محفوظة لجميع الشيعة والموالين مع رجاء ذكر المصدر