سؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سادتي الكرام , لقد قرأت في الروايات والاحاديث :
(( ان الأرض على قرن ثور ))
فكيف ذلك ؟
ونسألكم الدعاء .
جواب:
الأخ محمد إبراهيم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وردت عدّة روايات عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، تنص على رد الروايات الغامضة إليهم ( عليهم السلام ) لتوضيحها وبيانها ، ولا يصح طرحها أو تفسيرها حسب المذاق والمزاج .
ومن تلك الروايات :
1ـ عن مسائل الرجال لعلي بن محمد ( عليه السلام ) ، أن محمد بن علي بن عيسى كتب إليه ، يسأله عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك ( عليهم السلام ) ، قد أختلف علينا فيه ، فكيف العمل به على اختلافه ؟ أو الرد إليك فيما أختلف فيه ؟
فكتب ( عليه السلام ) : ما علمتم أنه قولنا فالزموه ، وما لم تعلموا فردوه إلينا .
2ـ عن جابر ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) - في حديث - قال : انظروا أمرنا وما جاءكم عنّا ، فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به ، وإن لم تجدوه موافقاً فردّوه ، وإن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده ، وردّوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا .
3ـ في نهج البلاغة 3 / 103 ، عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في كتابه إلى مالك الأشتر ، قال : واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ، ويشتبه عليك من الأمور ، فقد قال الله سبحانه لقوم أحب إرشادهم : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) النساء 59 .
4ـ في الأربعمائة : قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إذا سمعتم من حديثنا ما لا تعرفون ، فردّوه إلينا وقفوا عنده ، وسلّموا حتى يتبين لكم الحق ، ولا تكونوا مذاييع عجلي .
5ـ عن جابر ، قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إن حديث آل محمد صعب مستصعب ، لا يؤمن به إلا ملك مقرب ، أو نبي مرسل ، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان ، فما ورد عليكم من حديث آل محمد ( صلوات الله عليهم ) فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه ، وما اشمأزت قلوبكم وأنكرتموه فردّوه إلى الله وإلى الرسول ، وإلى العالم من آل محمد ( عليهم السلام ) ، وإنما الهالك أن يحدث بشيء منه لا يحتمله فيقول : والله ما كان هذا شيئاً ، والإنكار هو الكفر .
وهذه الرواية التي ذكرتموها ، من الروايات الغامضة التي لا نعرف بيانها وتفسيرها ، فنرد علمها إلى أهلها .
وذكر الشيخ الفيض الكاشاني في كتاب الوافي ، أن في هذه الرواية رموزا انما يحلها من كان من أهلها وهم أهل العرفان .
كما وجّه السيد هبة الدين الشهرستاني في كتابه الهيئة والإسلام ص 75 هذه الرواية بقوله :
( نعم ، إنما يستشكل المعترض فيما ورد في الشريعة من أن الأرض خلقت على الحوت أو على قرن الثور ونحو ذلك .
وفي خبر مأثور في الدر المنثور أنها بين قرني الثور ، مع الجزم بأن الأرض كرة معلّقة في جوف الفضاء يحيط بها من أطرافها كرة الهواء .
ولذا لم يؤمن بهذه الأخبار كثير من الفضلاء ، وأوّلها جماعة إلى المعاني الباطنية .
وقد منّ الله تعالى عليّ بفتح مقفلها ، وحل مشكلها بتقدير المضاف ، وهو أمر شائع عند البلغاء ، والمعنى أن الأرض خلقت على شكل قرن ثور ـ بناءاً على القول المختار في هذه العصور ـ فيكون التناسب بين هيئة الأرض وهيئة قرني الثور من جهات :
الأولى : أن وضع القرون في الثيران على الاستدارة من طرفي اليمين والشمال ، وكذلك الأرض مستديرة من طرفيها المشرق والمغرب ، فيناسب ذلك ما في بعض الأخبار من أن قرنا من قرني ذلك الثور في المشرق والقرن الآخر في المغرب .
ومن الغريب أن استدارة القرن بهذه الكيفية مخصوص بنوع الثيران ، ليس لباقي الأنعام وذوات القرون مثله على ما استقريناه .
الثانية : إن شكل القرنين في الثور مسطّح من طرفيه الأعلى والأسفل ، ومحدّب مستدير من جانبيه اليمين واليسار ، وقد عرفت استكشاف ( نيوتون ) واصرار من تأخّر عنه على أن الأرض مستديرة الجانبين مسطّحة القطبين ، وذكرنا أن هذا المعنى المستخرج بالآلات الدقيقة والأفكار الحادّة مستفاد من أخبار وافرة عن النبي وعترته الطاهرة ( عليهم السلام ) .
الثالثة : أن جرم الأرض على الدوام واقع في طرف مدار بيضوي ، وكذلك قرنا الثور واقعان في موضع من رأسه ، لو فرض خط وهمي من موضعهما إلى ذقنه ، بحيث يحيط بتمام رأسه ذلك الخط ظهر شكل المدار البيضوي ، ولو اعتبرت المدار بدن الثور أيضاً كان قرناه واقعين في موضع من البدن ، لو فرض خط وهمي من موضعهما إلى موضع الذنب بحيث يحيط بجثّته ذلك الخط ظهر أيضاً شكل المدار البيضوي .
فالحدس يطمئن بأن الحجج ( عليهم السلام ) لم يجدوا مساغاً لتوضيح هذه العلوم والأسرار لجهّال عصرهم فأدرجوها في طي كلماتهم ورمزوها في ضمن اشاراتهم لأجل ذلك ، وضربوا للإشارة إلى مطلوبهم تمثالاً جامعاً لأكثر الجهات بأخصر العبارات ، حتى إذا تلى بعدهم على أهل العلم والتحقيق استخرجوا من طيّه السر الدقيق ) .
ودمتم في رعاية الله
مركز الأبحاث العقائدية