سؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم , والحمد لله رب العالمين , وصلى الله على سيدنا محمد واله الطيبين الطاهرين , واللعنة الدائمة على اعدائهم الى قيام يوم الدين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك طائفة كبيرة من الروايات التي تقول : بأن الأرواح خلقت قبل الأجساد , فهل هذه الروايات معتمدة بين العلماء ؟ وهل ينسجم القول بان النفس جسمانية الحدوث روحانية البقاء كما هو أصل في الحكمة المتعالية مع تلك الروايات ؟ ما هو وجه الجمع إن امكن ؟
هذا ولكم منا خالص الدعاء .
جواب:
الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الشيخ المفيد ( قدس سره ) في كتابه المسائل السروية 52 :
((وأما الخبر بأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، فهو من أخبار الآحاد ، وقد روته العامة كما روته الخاصة [ معاني الأخبار 108 ح 1 وفي اسناده محمد بن سنان ، وهو ضعيف ، وأخرجه أيضاً ابن الجزري في الموضوعات 1 / 401 ، والسيوطي في اللآلي المصنوعة 1 / 199 ، والشوكاني في الفوائد المجموعة 382 / 94 ] وليس هو مع ذلك بما يقطع على الله سبحانه بصحته ، وإنما نقله رواته لحسن الظن به .
وإن ثبت القول فالمعنى فيه : إن الله تعالى قدّر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد ، واخترع الأجساد ، ثم اخترع لها الأرواح ، فالخلق للأرواح قبل الأجساد خلق تقدير في العلم كما قدمناه ، وليس بخلق لذواتها كما وصفناه)) .
وقال العلامة المجلسي ( قدس سره ) في كتابه بحار الأنوار 58 / 141 :
((إعلم أن ما تقدّم من الأخبار المعتبرة في هذا الباب ، وما أسلفناه في أبواب بدء خلق الرسول ( صلى الله عليه وآله ) والائمة ( عليهم السلام ) ـ وهي قريبة من التواتر ـ دلت على تقدّم خلق الأرواح على الأجساد ، وما ذكروه من الأدلة على حدوث الأرواح عند خلق الأبدان مدخولة ، لا يمكن رد تلك الروايات لأجلها )) .
وجاء في هامش البحار :
(( الكلام حول روايات خلق الأرواح قبل الأبدان ، يقع في جهات :
1ـ في صدورها : هل تكون مقطوعة الصدور أو لا ؟ وعلى فرض عدم القطع بصدورها ، هل يوجد دليل على وجوب التعبد بها أو لا ؟
2ـ في دلالتها : هل تدل دلالة صريحة على تقدم وجود الأرواح على أبدانها ، خارجاً بالتقدم الزماني أو لا ؟
3ـ في توافقها مع الأدلة العقلية .
فنقول : أما من الجهة الأولى ، فهي غير بالغة حد التواتر ، فلا يحصل القطع بصدورها عادة ، وأدلة حجية الخبر الواحد ، قاصرة عن غير ما يتعلق بالأحكام الفرعية العملية ، فلا يوجد دليل على وجوب التعبد بها .
وأما من الجهة الثانية ، فلا ريب في ظهورها في ذلك في حد نفسها ، وإن لم يبلغ إلى مرتبة النص .
وقد أوّل الشيخ المفيد الخلق بالتقدير ، كما أنه يمكن حملها على نوع من التمثيل والأستعارة ، إذا وجد دليل قطعي معارض لمدلولها .
وأما من الجهة الثالثة ، فقد دار البحث بين الفلاسفة حول حدوث النفس وقدمها ، وذهب أصحاب مدرسة صدر المتألهين ، إلى أنها تحدث بحدوث البدن ، غير بالغة حد التجرد العقلي متحركة نحوه ، ولا مجال لذكر أدلتهم ونقدها ههنا .
وهناك أمر يتعلق بمعرفة شؤون النفس يستعصي على الأذهان المتوغلة في الماديات ، ولعل إجادة التأمل فيه ، يعين على حل العويصة ، وهو : أن النفس وإن كانت أمراً متعلقاً بالمادة ، بل ناشئاً عنها ومتحداً بها ، وبهذا الإعتبار صح مقايستها بالحوادث ، واتصافها بالمقارنة والتقدم والتأخر زماناً ، إلا أنها حين ما تدخل في حظيرة التجرد ، تجد نفسها محيطة بالبدن ، من ناحية البدء والنهاية ، وأن شعاعها يمتد إلى ما قبل حدوث البدن ، كما أنه يمتد إلى ما بعد انحلاله .
فالذي ينظر إلى جوهرها المجرد ، من فوق عالم الطبيعة ، يجدها خارجة عن وعاء الزمان محيطة به ، وإذا قايسها إلى ظاهرة مادية ، واقعة في ظرف الزمان كالبدن ، يجدها موجودة معها وقبلها وبعدها ، فيصح له أن يحكم بتقدّم وجودها على وجود البدن ، مع أن من ينظر إليها ، من نافذة عالم المادة ، ويعتبرها أمراً متعلقاً بالبدن ، بل مرتبة كاملة له ، انتهى إليها بالحركة الجوهرية ، وبهذا الإعتبار يسميها نفساً ، يحكم بحدوثها عند حدوث البدن ، وحصول التجرد لها بعد ذلك ، ولا منافاة بين النظرين ، وبهذا يمكن الجمع بين القولين .
وممّا ينبغي الإلتفات إليه ، أن في تقدّم خلق الأرواح على الأبدان بألفي عام - على حد التعبير الوارد في الروايات - لم يعتبر كل روح إلى بدنه ، بحيث يكون خلق كل روح قبل خلق بدنه ، بألفي عام كامل لا أزيد ولا أنقص ، وإلا لزم عدم وجود جميع الأرواح في زمن علي ( عليه السلام ) ، فضلاً عمّا قبله ، ضرورة حدوث كثير من الأبدان بعد زمنه بالآف سنة ، ولا يبعد أن يكون ذكر الألفين لأجل التكثير ، وتثنية الألف للاشارة إلى التقدم العقلي والمثالي )) .
ودمتم في رعاية الله
مركز الأبحاث العقائدية