بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الحمد والثناء والتوصية بتقوى الله؛ تناول إمام الجمعة بمدينة الخبر السيد محمد باقر الناصر في خطبتي صلاة الجمعة التي أقيمت بتاريخ 10/2/1430 هـ في خطبته الأولى ذكرى استشهاد الإمام الحسن عليه السلام :
الخطبة الأولى :
ذكرى استشهاد الإمام الحسن (ع) :
الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب بن فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليه وعليهم ...
وهو أقصر وأشرف نسب في التاريخ , ثاني الأئمة النجباء الإثني عشر الذين بشر بهم النبي صلى الله عليه وآله , سبط النبي الأكرم وسيد شباب أهل الجنة .
ولد في المدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث للهجرة , أخذه النبي صلى الله عليه وآله فور ولادته , فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثم عق عنه , وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضةً , وسماه حسناً , ولم يعرف هذا الإسم في الجاهلية , وكنّاه أبا محمد ولا كنية له غيرها.
ومن ألقابه : السبط , السيد , الزكيّ , المجتبى , التقيّ .
كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم بالدنيا ؛ إذا ذكر الموت بكى , وإذا ذكر القبر بكى ، وإذا ذكر البعث بكى، وإذا ذكر الجواز على الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله
شهق شهقة يغشى عليه منها.
وكان اذا توضأ ، أو اذا صلى ارتعدت فرائصه واصفر لونه .
حج عشرين أو خمساً وعشرين حجة ماشياً وإن النجائب لتقاد معه , ونزل عن راحلته هو والحسين في طريق مكة فمشيا ، فما من خلق الله أحد إلا نزل ومشى حتى سعد بن أبي وقاص , حتى شق على الناس , فالتمس منهما سعد أن يركبا , فلم يركبا ولكن تنكبا الطريق .
وكان يبسط له على باب داره , فإذا خرج وجلس انقطع الطريق ، فما يمر أحد من خلق الله إجلالاً له، فإذا علم قام ودخل بيته فيمر الناس .
ومناقبه وفضائله كثيرة ولكن نود أن نتعدى العرض الشكلي ..
نهض بعد وفاة أبيه بأمر الخلافة وبايعه الناس , فقام بها خير قيام , لكن الناس تخاذلوا عن القتال , ووقعوا فريسة الشك والإختلاف , مما اضطره إلى مهادنة معاوية لاستنقاذ ما يمكن إنقاذه , فوضع شروطاً محكمة وتم الصلح على أساسها , وكان من بنود الصلح أن لا يبغي الامام الحسن غائلة , ثم غادر الكوفة إلى المدينة , لكن معاوية لم يف بأي من بنود الصلح حتى هذا البند فلم يكن له هم إلا الخلاص من الإمام , فكان أن اغتاله بسم دسه إليه .
ومما ابتلي به الإمام الحسن عليه السلام بعد اغتيال شخصه , هو محاولة اغتيال شخصيته العظيمة عبر الهتك وترويج ألوان التهم والشائعات , فنفس الجهات التي التي أطلقت عليه تهمة الضعف والميل الى الراحة في موضوع الصلح ؛ تحدثوا عن زواجاته وأنه كان مطلاقاً يكثر من الزواج والطلاق , وهذا مانود أن نناقشه وندرس مدى صحته :
عدد زوجات الإمام الحسن (عليه السلام) :
هل كان الإمام الحسن مزواجاً مطلاقاً يتزوج النساء ثم يطلقهن ؟ قال بعضهم بأن عدد من تزوج بهن يتراوحن بين الستين والسبعين ، وقال آخرون بأنه تزوج بأكثر من مائتين وخمسين امرأة وأن عليّاً كان يتضجر من ذلك حياء من أهلهن إذا طلقهن ، وكان يقول: (( إن حسناً مطلاق فلا تزوجوه، فقال له رجل من همدان: والله يا أمير المؤمنين لننكحنه ما شاء فمن أحب أمسك ومن كره فارق )) .
أم أن عدد زوجاته كان طبيعياً ولم يكن أكثر زواجاً من غيره , علماً أن تعدد الزوجات كان شائعاً ومألوفاً بين المسلمين ، على أن المدائني نفسه الذي ادعى أنه تزوج بسبعين ، قد أحصى له عشر نساء لا غير وعدهن بأسمائهن .
وللأسف فقد تسربت هذه الروايات الى مصادرنا الروائية والتاريخية , ففي محاسن البرقي عن ابن محبوب عن أبي عبد الله الصادق (ع) , قال : (( أتى رجل أمير المؤمنين (ع) فقال له جئتك مستشيراً إن الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر خطبوا إلي , فقال أمير المؤمنين ع المستشار مؤتمن ؛ أما الحسن فإنه مطلاق للنساء , ولكن زوجها الحسين فإنه خير لابنتك )) .
وفي الكافي للكليني عن يحي بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (ع) قال : (( إن الحسن بن علي ع طلق خمسين امرأة , فقام علي (ع) بالكوفة فقال : يا معشر أهل الكوفة لا تنكحوا الحسن فإنه رجل مطلاق فقام إليه رجل فقال : بلى والله لننكحنه فإنه ابن رسول ص وابن فاطمة فإن أعجبه أمسك وإن كره طلق )) .
وروى البلاذري في أنساب الأشراف عن علي عليه السلام قال : ((
مازال الحسن بن علي يتزوج ويطلق حتى خشيت أن يكون يورثنا عداوة في القبائل ))
.
فالحسن (ع) بناء على ذلك مطلاق , وقد نهى الإمام من تزويجه , وخشي عداوة القبائل , ولكن لا يمكن القبول بذلك , وإن انطلى الأمر حتى على بعض علمائنا , وظنوا ذلك مفخرة باعتباره يدل على مكانة الإمام في النفوس , وأدلتنا على عدم صحة هذا الأمر :
1 / من أوضح ما يدل على عدم صحة هذه النسبة إلى سيدنا الإمام الحسن (ع) هو زهده ونسكه وعبادته وعظمة شخصيته ومكانته الاجتماعية وموقعيته السياسية وحساسية الظروف التي حفل بها عهده هذا الأمر يظهر بجلاء لمن له أدنى تأمل , وهو كاف في الإستدلال .
2 / سن الإمام الحسن والأحداث التي حفلت بها حياته خصوصا في الكوفة التي يدعى أن الإمام نهى أهلها عن تزويجه لا يتناسب مع عدد هذه الزيجات مع ما يتطلبه الزواج من اجراءات تتطلب وقتاً من اختيار الزوجة وخطبتها والبناء بها وغير ذلك علماً أنه لا يمكن جمع أكثر من أربع في وقت واحد .
3 / عدد أولاده عليه السلام الذي ذكره المؤرخون لا يتناسب مع هذا العدد الهائل من النساء .
4 / كل من ذكر له هذه الاعداد الكبيرة من النساء لم يسم على الأكثر إلا 13 امرأة .
5 / ما نقل من الروايات عن موقف أمير المؤمنين علي (ع) لا يمكن أن يصح بظاهره بحسب العقائد الشيعية لأنه يعبر عن تباين الإمامين المعصومين في موقفهما من موضوع واحد .
6 / هذه الروايات تعارض الروايات الواردة في كراهة الطلاق فعن النبي صلى الله عليه وآله : (( أبغض الحلال الى الله الطلاق )) , وعن الصادق (ع) : (( تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش )) , وعنه أيضاً : (( إن الله يبغض كل مطلاق وذواق )) , وقد أفتى علماؤنا بناء على هذه الروايات بكراهة الطلاق مع التوافق والإنسجام بين الزوجين .
7 / هذه الروايات معظمها منسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام , أي بعد قرابة قرن كامل من استشهاد الإمام الحسن المجتبى (ع) , وفي وقت كان بني العباس وبالخصوص المنصور الدوانيقي يعاني من ثورات الحسنيين , ويوجه الى أبيهم الحسن أقذع الكلام نكاية بهم , مما يقرب الى الذهن أن هذا الأمر كان من دعاياتهم , فإننا لم نلاحظ أحداً في مرحلة الصراع السياسي الذي كان دائراً في عصره استغل هذه النقطة للتشنيع عليه , مما يدل على أنها ابتكرت في وقت متأخر مع قيام الدولة العباسية والصراع الدائر بينهم وبين السادة الحسنيين .