عن الموقع | اتصل بنا | أسئلة متكررة | أضفنا للمفضلة | أعلن عن موقعنا

:: الصفحة الرئيسية :: 

  أبحاث و مقالات

     الألف

       آية المباهلة

       آية المودة

       آية الولاية

       ابن تيمية

       أبو بكر

       أبو حنيفة

       أبو طالب (ع)

       أبو هريرة

       الاجتهاد و التقليد

       إحسان إلهي ظهير

       أحمد الكاتب

       أحمد بن حنبل

       الارتداد

       استعارة الفروج

       الإسراء و المعراج

       الإسماعيلية

       أصول الدين وفروعه

       أعلام

       إقامة الحسينيات

       الإلهيات

       الإمامة

       الإمام علي (ع)

       الإمام الحسن (ع)

       الإمام الحسين (ع)

       الإمام السجاد (ع)

       الإمام الباقر (ع)

       الإمام الصادق (ع)

       الإمام الكاظم (ع)

       الإمام الرضا (ع)

       الإمام الجواد (ع)

       الإمام الهادي (ع)

       الإمام العسكري (ع)

       الإمام المهدي (عج)

       أهل البيت (ع)

       أمهات المؤمنين

       أهل السنة

       أهل الكتاب

     ب

     ت

     ث

     ج

     ح

     خ

     د

     ذ

     ر

     ز

     س

     ش

     ص

     ض

     ط

     ظ

     ع

     غ

     ف

     ق

     ك

     ل

     م

     ن

     هـ

     و

     ي

     متفرقات

  مواضيع مميزة

  أشرطة سمعية

  صور و وثائق

  مواضيع خفيفة

  قسم البرامج

  مواقع صديقة

  إصدارات الموقع

 البحث في الموقع

أبحاث و مقالات » الألف » الإمام الحسين (ع)

آخر تعديل: 20/07/2009 - 4:12 ص

 شبهات وردود حول واقعة الطف
  كتبه: مركز الأبحاث العقائدية | 11:05 ص | 29/11/2004

 

سؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

انا أخوكم في الله من لبنان ، وقد حدث شيء أريد أن أطلعكم عليه ، وهو أن جمعية يعود دعمها إلى الحركة الوهابية وبعض الجمعيات المتعصبة في مصر يسمون جمعيتهم هنا في لبنان ب "جمعية الاستجابة" ومن انشطتها محاربة البدعة في مدينة صيدا والتي معظم سكانها من المذهب السني , وبعد أن انتشر مذهب أهل البيت في هذه المنطقة رأى هؤلاء محاربة المستبصرين ولذلك سخّروا الكثير من الامكانيات حتى يوقفوا هذا الانتشار ومن هنا بدأوا بطبع كتب مجانية وكتيبات وتوزيعها مجاناً على الناس حتى لا يتأثروا بالامتداد الشيعي , ولقد وقع بيدي كتاب كان يوزع في العاشر من المحرم , والآن هم يوزعون منه بمناسبة الأربعين لاستشهاد الامام الحسين عليه السلام وهذا الكتيب أسمه "البرهان الجلي في مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما" وبما أني إذا أرسلت هذا الكتيب في البريد سوف يأخذ وقتاً طويلاً , وللسرعة رأيت أن أرسله لكم طباعة هنا على البريد الالكتروني , وحتى ترسلوا لي الرد بالطريقة التي تروها , حتى ندافع عن هذا المذهب الأحق بعون الله .

وهذا الكتيب كتب فيه :

(( بويع يزيد للخلافة سنة ستين للهجرة , وكان له من العمر أربع وثلاثون سنة , ولم يبايع الحسين بن علي ولا عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم .

ذكر ابن كثير عن عبد الله بن مطيع وأصحابه أنهم مشوا إلى محمد ابن الحنفية ( محمد بن علي بن أبي طالب أخو الحسن والحسين ) فراودوه على خلع يزيد فأبى عليهم , قال: ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمرة ويترك الصلاة.

وبلغ الخبر أهل العراق أن الحسين لم يبايع ليزيد , فأرسلوا إليه الرسل والكتب أنا قد بايعناك ولا نريد إلا أنت , حتى بلغت أكثر من خمسمائة كتاب كلها جاءت من الكوفة.

فأرسل الحسين رضي الله عنه ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليتقصى الأمور ويعرف حقيقة الأمر .

فلما وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة جاء الناس أرتالاً يبايعون مسلماً على بيعة الحسين رضي الله عنه , فتمت البيعة عند أهل الكوفة للحسين .

فما كان من يزيد إلا أن أرسل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة ليمنع مسألة الحسين أن يأخذ الكوفة لكي لا تعود الأمور كما كانت قبل عام الجماعة فيرجع القتال بين أهل العراق وأهل الشام , ولم يأمر عبيد الله بن زياد بقتل الحسين .

وبعد أن استقرت الأحوال وبايع الناس لمسلم بن عقيل , أرسل إلى الحسين رضي الله عنه أن أقدم وأن الجو قد تهيأ.

فخرج الحسين رضي الله عنه من مكة في يوم التروية قاصداًالكوفة.

فلما علم عبيد الله بن زياد بذلك أمر بقتل مسلم بن عقيل , فما كان من الأخير إلا أن خرج مع أربعة آلاف من أهل الكوفة وحاصر قصر بن زياد، إلا أن اهل الكوفة ما زالوا يتخاذلون عن مسلم بن عقيل حتى بقي معه ثلاثون رجلاً من أربعة آلاف , فقتل رحمه الله يوم عرفة.

وكان الحسين رضي الله عنه قد خرج قاصداً العراق يوم التروية ، وكان كثير من الصحابة نهوا الحسين عن الخروج، منهم أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباي وكذلك أخوه محمد بن الحنفية وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم .

قال الشعبي : " كان ابن عمر بمكة , فلما علم أنه توجه إلى العراق لحق به إلى العراق على مسيرة ثلاثة أميال فقال : أين تريد ؟ فقال : العراق ، وأخرج له الكتب التي أرسلت له من العراق وأنهم معه . فقال له: هذه كتبهم وبيعتهم. فقال ابن عمر : لا تأتيهم ، فأبى الحسين إلا أن يذهب، فقال ابن عمر: إني محدثك حديثاً : أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والأخرة فاختار الأخرة ولن يريد الدنيا وأنك بضعة منه , والله لا يليها أحد منكم أبدا ولا صرفها الله عنكم إلا الذي هو خير لكم , أبى أن يرجع , فاعتنقه ابن عمر فبكى وقال: استودعك الله من قتيل .

وكلمه أبو سعيد الخدري ، قال : " يا أبا عبد الله إني ناصح لك وإني عليكم مشفق وقد بلغنا أن قوما من شيعتكم قد كاتبوكم من الكوفة فلا تخرج إليهم فإني سمعت أباك يقول: والله إني مللتهم وأبغضتهم وملوني وأبغضوني... .

ولما علم عبيد الله بن زياد بقرب وصول الحسين أمر الحر بن يزيد التميمي أن يخرج بألف رجل ليلقى الحسين في الطريق ، فلقيه قريباً من القادسية ، وأخبره بخبر مسلم بن عقيل وأن أهل الكوفة قد خدعوك وخذلوك ، فهم الحسين رضي الله عنه أن يرجع , فتكلم أبناء مسلم بن عقيل قالوا: " لا والله لن نرجع حتى نأخذ بثأر أبينا . عند ذلك رفض الحسين رضي الله عنه الرجوع .

وأراد أن يتقدم فجاء الحر بن يزيد فسايره وقال : إلى أين تذهب يا أبن بنت رسول الله ؟ قال إلى العراق ، قال : ارجع من حيث أتيت أو اذهب إلى الشام حيث يزيد بن معاوية ولكن لا ترجع إلى الكوفة . فأبى الحسين , ثم سار إلى العراق والحر بن يزيد يمنعه، فقال الحسين: ابتعد عني ثكلتك أمك ، فقال الحر بن يزيد : والله لو غيرك قالها من العرب لاقتصصت منه ولكن ماذا أقول وأمك سيدة نساء العرب .

فعند ذلك امتنع الحسين عن الذهاب. ثم جاءت مؤخرة الجيش وكان مقدارها أربعة آلاف بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص وواجهوا الحسين في مكان يقال له كربلاء.

ولما رأى الحسين رضي الله عنه أن الأمر جد قال لعمر بن سعد إني أخيرك بين ثلاث فاختر منها ما تشاء , قال : ما هي ؟ قال الحسين : أن تدعني أرجع أو تتركني إلى ثغر من ثغور المسلمين أو تتركني أذهب إلى يزيد .

وأرسل عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد بالخبر , فرضي عبيد الله بأي واحدة يختارها الحسين , وكان عند عبيد الله بن زياد رجل يقال له شمر بن ذي الجوشن , قال : لا حتى ينزل على حكمك , فقال ابن زياد : نعم حتى ينزل على حكمي بأن يأتي إلى الكوفة وأنا أسيره إلى الشام أو إلى الثغور أو أرجعه إلى المدنية , وأرسل عبيد الله شمر بن ذي الجوشن إلى الحسين , إلا أن الحسين أبى أن ينزل على حكم ابن زياد .

فتوافق الفريقين وكان مع الحسين اثنان وسبعون فارسا قال الحسين لجيش بن زياد : راجعوا انفسكم وحاسبوها هل ينفعكم مثل هذا القتال وانا ابن بنت نبيكم وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي ولأخي : سيدا شباب أهل الجنة .

فانضم الحر بن يزيد إلى الحسين , فقيل له : كيف جئت معنا أمير المقدمة والآن تذهب إلى الحسين ؟ قال : ويحكم والله إني أخير نفسي بين الجنة والنار والله لأختار الجنة على النار لو قطعت وأحرقت .

وبات الحسين تلك الليلة يصلي ويدعو الله ويستغفر هو ومن معه , وكان جيش بن زياد بقيادة الشمر بن ذي الجوشن يحاصره ومن معه فلما أصبح الصبح شب القتال بين الفريقين , وذلك لأن الحسين رفض أن يستأثر عبيد الله بن زياد .

ولما رأى الحسين بأنه لا طاقة لهم بمقاتلة هذا الجيش , أصبح همهم الوحيد الموت بين يدي الحسين رضي الله عنه , فأصبحوا يموتون الواحد تلو الآخر , حتى فنوا جميعاً , لم يبق منهم أحد إلا الحسين بن علي رضي الله عنهما , وبقي بعد ذلك نهاراً طويلاً لا يقدم عليه أحد حتى يرجع , لأنه لا يريد أن يبتلي بالحسين , فعند ذلك صاح الشمر بن ذي الجوشن : ويحكم ما حل بكم أقدموا نحو الحسين فقتلوه , كان ذلك في العاشر من محرم سنة 61 هجرية , والذي باشر بقتله أنس بن سنان النخعي , وقيل أنه الشمر بن ذي الجوشن .

قتل مع الحسين كثير من أهل بيته وممن قتل من أولاد علي بن أبي طالب : الحسين وجعفر بن علي والعباس وأبو بكر وعثمان ومحمد ثمانية عشر رجلاً كلهم من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ولما بلغ يزيد قتل الحسين ظهر التوجع عليه وظهر البكاء في داره , ولم يسب لهم حريماً أصلاً , بل أكرم أهل البيت وأجازهم حتى ردهم إلى ديارهم .

يقول شيخ الاسلام ابن تيمية : " لم يكن في خروج الحسين لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، أي أن خروجه ما كان سليماً ، لذلك نهاه كبار الصحابة عن ذلك , يقول : بل يمكن أولئك الطغاة من سبط النبي صلى الله عليه وسلم وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن ليحصل لو بقي في بلده , ولكنه أمر من الله تعالى وقدر الله كان ولو لم يشأ الناس .

وطبعاً مقتل الحسين ليس هو بأعظم من قتل الأنبياء , وقد قدم رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام لبغي ونشر زكريا وأرادوا قتل موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام وكذلك قتل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين , وهؤلاء كلهم أفضل من الحسين , ولذلك لا يجوز إذا جاء ذكرى الحسين اللطم والشطم وما شابه ذلك , بل هذا منهي عنه , فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب" والواجب على الانسان المسلم أمثال هذه المصائب أن يقول كما قال تعالى : (( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون )) .

اللهم ارحم شهداء آل البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر شهداء وموتى المسلمين واحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن واجمعنا على كتابك المنزل وعلى سنة نبيك المرسل صلى الله عليه و وآله وصحبه وسلم... )) .

انتهى نص الكتيب .

هذا النص أضعه بين يديكم الكريمة , وبأذن الله ترون كيف تردون عليهم , ولكم الأجر والثواب .

جواب:

الأخ المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن شبيه هذا الكتاب الذي ارسلتموه تم توزيعه في الكويت وغيرها من الدول التي يحيي فيها الشيعة مراسم عاشوراء , وقد تصدى الشيخ عبد الله حسين للرد عليه رداً علمياً , ولأهميته نورده اليكم بنصّه , إذ فيه فوائد كثيرة ونكات ظريفة , قال :

إن نعم الله تعالى على أمة الإسلام أكثر من نعمه على جميع الأمم.. فقد حظيت هذه الامة بمقومات تجعلها أفضل أمة , فدينها مرضي عند الله , وقرآنها لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , ورسولها أكرم خلق الله عنده تبارك وتعالى , ولكن ..

وعلى رغم تلك النعم الإلهية المباركة فإن تاريخ هذا الدين العظيم يصدم قارئة بما يحويه بين دفتيه مما تعرض له المسلمون من ظلم وقتل وسبي وتشريد.

بل الأدهى من ذلك أن رسول الله نفسه لم يسلم من الأذى والتكذيب عليه , وأما آله فقد سامهم بعض من ادعى الاسلام ألوان العذاب والإضطهاد , حى كأن الله قد أوصى الأمة بقتلهم لا بمودتهم واتباعهم.

ويتضح ذلك بجلاء في مصاب رسول الله (ص) , بقتل سبطه سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) , فقد ارتكبت حكومة بني أمية أسوأ جريمة في حقه عليه السلام وحق أهل بيته وكوبة أصحابه الذين قل نظيرهم على هذه الأرض , وسجل لنا التاريخ ذلك ونقله إلينا المؤرخون والمحدثون بما يندى له الجبين !

لقد اهتزت الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها لقتل الإمام الحسين عليه السلام , في عصره وفي كل العصور .. على اختلاف مذاهبها ومشاربها ... لكن للأسف أن هناك شرذمة لا يتعاطفون من أهل البيت (ع) , بل كانوا يرصدون - كما ينقل ابن كثير وابن عساكر - لشيعة أهل البيت (ع) ومحبيهم ويسفكون دماءهم ويحبسوهم ليمنعوهم حتى من إظهار الحزن , كما حدث في بغداد في أحداث دامية في أيام تسلطهم.

وقد حالت بعد ذلك رحمة الله زمنا بين تلك الشرذمة وما يفعلون من إثارة الفتن , وبدأنا نلمس من المنصفين من اخواننا من أهل السنة التعاون الجميل والتعاطف النبيل مع إخوانهم الشيعة في أيام العزاء , بل إن بعضهم ليشارك ويحترم تلك الأيام كما شيعة أهل البيت (ع) , ولكن بوادر الشيطان قد ظهرت , فعادت الشرذمة للظهور , وجاءوا بقلوب قاسية وعقول خاوية يريدون النيل من هذا التعاون وهذه الألفة بين المسلمين , ليفرقوا صدورا مؤتلفة على محبة أهل البيت (ع) , وهذا دين النواصب أني كانوا , فلا غرابة ولكن الواجب يقتضي توعية الجميع تجاه سمومهم التي ينشرونها باسم الدين , لذا كانت هذه السطور.

الهدف من هذه الرسالة

قد أثبتت الأيام بأن كثيرا من أهل السنة يتعاطفون مع مصاب أهل البيت (ع) كما الشيعة , بل ويتوسلون بهم , فهؤلاء يحيطون بمراقد أهل البيت (ع) في المدينة المنورة والعراق ومصر وخراسان , متوسلين باكين متباركين مما أوغر صدورا خصبة يرتع فيها الشيطان , فجاء أولئك الجهلة وقد اختلط عليهم الامر ليهدموا تلك العلاقة بين المسلمين وأهل البيت المطهرين (ع).

إنا نعتقد جازمين بأن المنصفين من أهل السنة لا يقيمون وزنا لأمثال اولئك المتعصبين الذين يتقنون رسم النصوص دون أن يعوها , وحمل الأسفار دون أن يفهموها.

حيث يلاحظ الجميع تلك المنشورات الخبيثة التي توزع في أيام عزاء سيد الشهداء وإحياء ذكرى مصابه , منددة بمثل هذه الشعائر الإسلامية مفرقة بيننا كمسليمن . يستغل أصحابها اختلافنا في الإجتهادات , غافلين عن اجتماعنا على محبة أهل البيت (ع) الذين نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم .

من الذي يفرق بين المسلمين ؟

إننا لنعجب ممن ينشر تلك المنشورات , فبينما يجعل كاتبهم عنوان منشوره البغيض بعبارة ( لماذا يزرع الشقاق بين المسلمين سنويا) إلا أنه يغفل عن أنه هو زارع الفرقة بما عحويه مشوراته من مغالطات وأكاذيب , فيا عجبا لهذا الكاتب الجاهل الذي يعتبر إقامة مظاهر الحزن على الحسين (ع) زرعا للشقاق بين المسلمين , ويغفل عن أنه غارق في إيذاء المسلمين ينشر أكاذيبه في كل سنة.

وللمتابع أن يلاحظ أن الشيعة منذ زمن طويل يقيمون الشعائر والمراسم الحسينية في الحسينيات العامرة بجوار إخوانهم السنة وفي قلب مناطقهم بكل رحابة صدر , فأي شقاق تحقق لولا بروز تلك الدعوات الشاذة ؟ نعم إن بذر الشقاق تزامن مع ظهور بعض العقليات السلفية المتحجرة في مجتمع عرف بالتسامح والمودة ؟

ولو أن هذا الكاتب الجاهل يعلم ما يدور في هذه الحسينيات من تربية وتعليم ونصح وتذكير , ومفاهيم أخلاقية تبني الإنسان المؤمن ليؤمن شر لسانه ويده وقلبه ببركة هذه الحسينيات , ولساهم بنفسه في إعمار هذه الشعائر كغيره من أهل السنة والشيعة المحبين لأهل البيت (ع) , ولكن كيف ذلك ؟ وهل يرجى القبول بالحق ممن سيطر عليه قرينه؟

المنشور الأسود

تناولت الشرذمة المتسلفة في منشورها قصة مقتل الحسين (ع) , وأظهروا قراطيسهم بمظهر البحث العلمي في عرض ذلك الحدث الأليم , ولكن من خلال الأسطر التالية التي نكتبها سيتبين لك أيها القارئ مدى الجهل الذي يعيشونه في معرفة التاريخ الإسلامي وانقيادهم لبعض مشايخهم المتعصبين دون دراسة أو تمحيص لمصادر التاريخ ومجرياته , وسيتبين لك من خلال هذه المناقشة أنهم انتقائيون في قراءتهم للتاريخ قائدهم الهوى , فلا أصول علمية عندهم ولاهم يحزنون !

وهنا نتعرض لنقاط وردت في إحدى تلك المنشورات مع بعض الردود الكافية لفضح تعصبهم , والله المستعان.

1- لماذا لم يتخذ يوم وفاة النبي (ص) مأتما ؟

في البدء ذكر الكاتب قول ابن كثير : "ورسول الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة , وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتما".

نقول :

إن هذا الكاتب وأمثاله يتغافلون عن الحق , فالشيعة يحيون ذكرى وفاة الرسول (ص) وعلي (ع) وغيره من الأئمة.

وإن كان يقصد التميز الموجود في إحياء ذكرى سيد الشهداء (ع) فليعلم أن ذكرى شهادة الإمام الحسين (ع) هي ذكرى مأساة لا مثيل لها , فقتله جريمة عالمية نظهر موقفنا منها وبراءتنا ممن قتل سبط الرسول وحبيبه , ونعلن أننا نواليه وندين ما فعله أعداؤه.

إن زيارة خاطفة يقوم بها أي من المنصفين لهذه المجالس ودور العبادة والحسينيات المباركة , يجد أننا نبكي على رسول الله (ص) وأهل بيته جميعا ونتبرك بذلك , فليس البكاء مخصوصا للحسين (ع) , هذا فضلا عن الأحاديث النبوية وعن أهل البيت عليهم السلام التي تبين خصوصية ظلامة الحسين عليه السلام وأهميتها عند الرسول وأهل بيته , فتحن نتأسى بهم .

2-ظهور الكرامات عند مقتل الحسين (ع)

قال الكاتب :" ولاذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة"

نقول: أن هذا جهل من الكاتب , أو كذب مبين , فإن الأحاديث والنصوص في كتبهم ذكرت حدوث ظواهر كونية في ذلك اليوم , وقد كذب من قال أنه لم يتحقق في السابقين شيء من تلك الأمور , فهذا ابن كثير نفسه يقول في تفسيره ج3 ص28"

وقد روى ابن جرير ... عن يحيى بن سعيد قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم ثم أتى دمشق فوجد بها دما يغلي على كبا فسألم ما هذا الدم ؟ فقالوا : أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر قال فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم فسكن , وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب وهذا هو المشهور".

وقال في كتابه ( قصص الأنبياء ) ص416:"

وقال أبو عبيدة القاسم بن سلام ... عن سعيد بن المسيب قال : قدم بختنصر دمشق فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي فسأل عنه فأخبروه فقتل على دمه سبعين ألفا فسكن , وهذا إسناد صحيح إلى .. سعيد بن المسيب وهو يقتضي أنه قتل بدمشق وإن قصة بختنصر كانت بعد المسيح كما قاله عطاء والحسن البصري ... فالله أعلم .

ثم روى قصة مقتل يحيى عن ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز عن قاسم مولى معاوية ثم قال :"

قال سعيد بن عبد العزيز : وهي دم كل نبي , ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا (ع) فقال : أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن الله فسكن..."

جريمة قتل الحسين (ع) وجريمة قتل نبي الله يحيى (ع) !

إن الروايات الصحيحة الواردة في مصادر السنة تقارن بين جريمة قتل يحيى عليه السلام وقتل الحسين (ع) فقد روى الحاكم في مستدركه ج3 ص178 (195) بستة طرق عن أبي نعيم : ثنا عبدالله بن حبيب بن أبي ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رض) قال : " أوحى الله تعالى إلى محمد (ص) إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين الفا", إن هذه الحديث الشريف يعتبر قتل الحسين عليه السلام خطرا عظيما يعادل قتل نبي الله يحيى عليه السلام !!! فكيف يصح لمن يدعي العلم أن ينكر الظواهر الكونية يوم مقتل الحسين (ع) ويستنكر البكاء على الحسين ؟!!!

وفي حديث القاضي أبي بكر بن كامل :" إني قتلت على دم يحيى بن زكريا وإينا قاتل على دم ابن ابنتك". قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وقد صححه الذهبي في التلخيص على شرط مسلم .

إن المنصف يرى أن قتل الحسين عليه السلام وبشهادة حده المصطفى صلى الله عليه وآله جريمة عظيمة من جرائم التاريخ البشري , أراد تعالى أن يخلدها كما هو الحال في جريمة قتل نبي الله يحيى (ع) , إذ لا يقل الحسين (ع) عن خاصة أولياء الله كما هو واضح في الأحاديث النبوية الشريفة .

3-مقتل الحسين عليه السلام

قال الكاتب مدعيا أنه ينقل قصة مقتل الأمام الحسين كما أثبتها الثقات من أهل العلم :" بلغ أهل العراق أن الحسين لم يبايع يزيد بن معاوية وذلك سنة 60هـ فأرسلوا إليه الرسل والكتب يدعونه فيها إلى البيعة وذلك أنهم لا يريدون يزيد ولا أباه ولا عثمان ولا عمر ولا أبا بكر إنهم لا يرون إلا عليا وأولاده".

نقول :

أولا: لم يحدد الكاتب المصدر الذي اعتمده , وهذا أول التدليس !

فأين الثقاة الذين قال إنه ينقل عنهم ؟!!

ثانيا : حاول الكاتب أن يظهر أن قتلة الحسين هم الشيعة الذين يرفضون أبا بكر وعمر وأنهم لايريدون إلا عليا وأولاده.

والجواب : أنهم شيعة آل أبي سفيان كما خاطبهم الإمام الحسين عليه السلام , وهذه بعض النصوص التي تبين مذهب أهل الكوفة في ذلك الزمن , فقد نقل ابن بطة أحد علماء السنة في ( المنتقى ) ص360:

"عن عبد الله بن زياد بن جدير قال : قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفه قال لنا شمر بن عطية : قوموا إليه فجلسنا إليه فتحدثوا فقال أبو إسحاق : خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما وقدمن الآن وهم يقولون ويقولون ولا والله ما أدري ما يقولون".

وقال محب الدين الخطيب في حاشية المنتقى :"هذا نص تاريخي عظيم في تحديد تطور التشيع فإن أبا إسحاق السبيعي كان شيخ الكوفه وعالمها ولد في خلافة أمير المؤمنين عثمان قبل شهادته بثلاث سنين وعمر حتى توفي سنة 127هـ وكان طفلا في خلافة أمير المؤمنين علي ...".

إذا , فأبو إسحاق شيخ الكوفة وعالمها كان يبلغ من العمر ثمان وعشرين عاما في سنة استشهاد الإمام الحسين (ع) , ومنه نفهم بأن الناس في الكوفة - في ذلك العام بالذات - كانوا على حسب قوله : " ليس منهم أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما", وبناءا على ذلك فالذين كاتبوا الإمام الحسين (ع) ثم خانوه وقتلوه لم يكونوا شيعة يقدمون علي بن أبي طالب (ع) على أبي بكر وعمر .

وقد ذكر التاريخ أن عبيد الله بن زياد قد سجن الشيعة المخلصين للإمام الحسين عليه السلام , حتى امتلأت سجونه منهم .. فهؤلاء هم الشيعة في ذلك الوقت !

ولذا قال الذهبي في (ميزان الإعتدال ) ج1 ص5:

"التشيع بلا غلو ولا تحرف فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة ... فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليا رضي الله عنه وتعرض لسبهم".

هذا ما يرد كلامه من نصوص السنة , وأما من نصوص الشيعة :

فمنه ما ذكره الكليني في ( روضة الكافي ) ص50 في خطبة لأمير المؤمنين (ع) قال عنها العلامة المجلسي في مرآة العقول ج25 ص131 : "إن الخبر عندي معتبر لوجوه ذكرها محمد بن سليمان في كتاب ( منتخب البصائر )":

عن سليم بن قيس الهلالي قال : خطب أمير المؤمنين (ع) ... فقال : " قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله (ص) متعمدين لخلافه , ناقضين لعهده مغيرين لسنته ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله (ص) لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله وسنة رسول الله (ص) ... إذا لتفرقوا عني والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري من يقاتل معي : يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر , ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ما لقيت من هذا الأمة من الفرقة وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار".

وهذا يثبت للقارئ بأن أكثرية الذين راسلوا الحسين (ع) من أهل الكوفة لم يكونوا ممن يقدمونه على غيره كما يفغل الشيعة الموالون , كيف وأهل الكوفة لم يقدموا عليا (ع) على الخليفتين وهو أولى بالتقديم من الحسين (ع) ؟ وهذا يخالف ادعاء الكاتب , الذي ينسب كلامه للثقات من أهل العلم , ولم يذكر مصدرا واحدا يثبت مزاعمه الباطلة !!

4-الصحابة ومنعهم الحسين (ع) عن الخروج :

قال الكاتب :

"وحاول منعه كثير من الصحابة ونصحوه بعدم الخروج مثل ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبي سعيد الخدري وابن عمرو وأخيه محمد بن الحنفية وغيرهم " , وندعو القارئ هنا لتفحص حقيقة كلام الكاتب :

نقول لو كانت هناك فطرة سليمة لقيل إنه يجب على الصحابة الذين ذكروا نصرة الإمام الحسين (ع) وطاعته , لا أنه يجب عليه أن يطيعهم كما يطلب الكاتب !!

فنحن نعرف أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر المسلمين بأن أمته سوف تقتل ولده الحسين في كربلاء ! وكان الحسين والصحابة يعلمون بذلك ؟

نعم , الحسين كان أدرى من غيره بما سيحدث له بإخبار مسبق من رسول الله صلى الله عليه وآله , وروايات الشيعة والسنة تؤكد ذلك , فهذه عمرة بنت عبد الرحمن كما ذكر ابن كثير في ج8 ص176 ترسل إليه تطلب منه عدم الخروج وتقول :

"أشهد لسمعت عائشة تقول إنها سمعت رسول الله (ص) يقول : " يقتل الحسين بأرض بابل" , فلما قرأ كتابها قال : فلا بد لي إذا من مصرعي ومضى ".

وذكر أيضا في ص180 قال (ع) للفرزدق " لو لم أعجل لأخذت".

وكذلك ما رواه في ص183 عن يزيد الرشك من قوله (ع) :" ولا أراهم إلا قاتلي" !

وعن معاوية بن قرة أن الإمام الحسين قال : "والله لتعتدن علي كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت وعن جعفر الضبعي عنه (ع) : " والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي:.

وذكر ابن كثير في ص 185 قول الأمام الحسين لمن طلب منه الرجوع : " إنه ليس بخفي علي ما قلت وما رأيت ولكن الله لا يغلب على أمره , ثم ارتحل قاصدا الكوفة فخروج الحسين عليه السلام كان بعلم منه بقتله , بل كان يعلم بتفاصيل مقتله الشريف أيضا.

وأما نصائح من ذكرهم الكاتب , فنقول :

- نصيحة ابن عباء للحسين (ع) :

نقل ابن كثير ج8 ص172 عن ابن عباس قال :

"استشارني الحسين بن علي في الخروج فقلت لولا أن يزري بي وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب فكان الذي رد على أن قال لأن أقتل في مكان كذا وكذا أحب إلى من أن أقتل بمكة قال فكان هذا الذي سلى نفسي عنه".

إذا , فقد استسلم ابن عباس لرأي الحسين عليه السلام عندما علم أن بني أمية قد عزموا على قتله أينما كان , وأن خروجه إنما هو لئلا يستحل بيت الله الحرام , وتفهم ابن عباس موقف الحسين عليه السلام !

وبهذا يظهر لك زيف قول الكاتب إن ابن عباس نهاه ومنعه !!

روى الحاكم عن ابن عباس (رض) قال أوحى الله تعالى إلى محمد (ص) :" إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا وإني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا" , هذا لفظ حديث الشافعي , وفي حديث القاضي أبي بكر بن كامل :" إني قتلت على جم يحيى بن زكريا وإني قاتل على دم بن ابنتك" وقد مر تصحيح الحاكم والذهبي للحديث , وهذا الحديث له دلالة عظيمة جدا بمكانة الإمام الحسين (ع) عند الله تعالى , لا ينالها إلا صاحب حق , وإلا فهل يدعي الكاتب أن المخطىء الذي كان في خروجه فساد عظيم .. يقارنه الله بيحيى النبي (ع) , بل يغضب له غضبا يفوق غضبه وانتقامه له ؟ البصير يفهم .. وأما عمى القلب فمرض عضال .

ونقل الحاكم أيضا في (المستدرك) ج4 ص439 (8201) عن ابن عباس (رض) قال :" رأيت النبي (ص) فيما يرى النائم نصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم فقلت : يا نبي الله ما هذا ؟ قال : هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم , قال : فأحصي ذلك اليوم فوجدوه قتل قبل ذلك بيوم" , قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه , وقال الذهبي على شرط مسلم .

قال ابن كثير في تاريخه ج8 ص217 :"وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا محمد بن هارون أبو بكر ثنا سعيد بن عبد الملك أبو واقد الحراني ثنا عطاء بن مسلم ثنا أشعث بن سحيم عن أبيه قال : سمعت أنس بن الحارث يقول سمعت رسول الله (ص) يقول :"إن ابني - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها كربلاء فمن شهد منكم ذلك فلينصره ".

قال خرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل مع الحسين .

ويظهر من ابن حجر في ترجمة أنس بن الحارث ج1 ص68 من كتابه (الإصابة) قبوله للرواية قال :" قتل مع الحسين بن علي سمع النبي (ص) قاله محمد عن سعيد بن عبد الملك الحراني عن عطاء بن مسلم حدثنا أشعث بن سحيم عن أبيه سمعت أنس بن الحارث ورواه البغوي وابن السكن وغيرهما من هذا الوجه ومتنه سمعت رسول الله (ص) يقول إن ابني هذا يعني الحسين يقتل بأرض يقال لها كربلاء فمن شهد منهك فلينصره قال فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل بها مع الحسين قال البخاري يتكلمون في سعيد يعني راويه وقال البغوي لا أعلم رواه غيره وقال ابن السكن ليس يروى إلا من هذا الوجه ولا يعرف لأنس غيره , قلت وسيأتي ذكر أبيه الحارث بن نبيه في مكانه ووقع في التجريد للذهبي : لا صحبة له وحيثه مرسل وقال المزي له صحبه فوهم , انتهى .

ولا يخفى وجه الرد عليه مما أسلفناه وكيف يكون حديثه مرسلا وقد قال سمعت وقد ذكره في الصحابه البغوي وابن السكن وابن شاهين والدعولي وبن زير والباوردي وابن مندة وأبو نعيم وغيرهم ". انتهى كلام ابن حجر.

والبخاري إن عبر عن سعيد بقوله " يتكلمون في سعيد" وهي تفيد بأنه غير جازم بشيء ضده , لكن ابن حبان ذكره في كتابه الثقات : ح8 ص 267.

فهل يأمر رسول الله (ص) ينصة شخص مخطىء , أم هو التعصب الذي دعا الكاتب إلى إنكار كون أنس من الصحابة , وذلك كطريق وحيد لرد الرواية وما يترتب عليها.

- نصيحة ابن عمر , المزعومة !

أما عبد الله بن عمر فقد كان معروفا بمبدأ الخصوع للحاكم مهما كان , حيث بايع يزيد وهم يعلم أنه شارب الخمور مرتكب الفجور .. ولم يترك هذا المبدأ إلا عند بيعة الأمة لعلي أمير المؤمنين (ع) الذي هو من هو , ( راجع ابن كثير ج7 ص253) , وقد ندم على فعله !

فالذي يندم على أفعاله , ويبايع يزيد مع أقل تهديد , كيف يعتد الإمام الحسين (ع) بموقفه ونصحه ؟

كما أن ما ذكروه عن نصيحة أبي سعيد الخدري وغيره غير ثابت , وحتى لو ثبت , فقد عرفت أن الإمام الحسين عليه السلام يعمل بما أمر به جده المصطفى صلى الله عليه وآله , الذي لا ينطق عن الهوى , إن هو إلا وحي يوحى !

-نصيحة ابن الزبير المزعومة

وأما خلط الكاتب نصيحة ابن الزبير بجملة النصائح فعجب من القول , لأن مصادر التاريخ تذكر عكس ذلك فقد كان ينصح الإمام الحسين (ع) أن يخرج إلى العراق , وقد نقل ابن كثير ج8 ص172 قول ابن الزبير :

" أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها فلما خرج من عنده قال الحسين : قد علم ابن الزبير ِأنه ليس له من الأمر معي شيء وأن الناس لم يعدلوا بي غيري فود أني خرجت لتخلو له " , ونقل في ص 175 :" ولزم ابن الزبير الحجر ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بني أمية وكان يغدو يروح إلى الحسين ويشير إليه أن يقدم العراق ويقول : هم شيعتك وشيعة أبيك".

حتى ظن أبو سلمة بن عبد الرحمن بأن الحسين خرج متأثرا بكلام ابن الزبير , ففي ص 176 أورد بن كثير : " وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : وقد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم ولكن شجعه على ذلك ابن الزبير , وكتب إليه المسور بن مخرمة :" إياك أن تغتر بكتب أهل العراق وبقول ابن الزبير الحق بهم فإنهم ناصروك".

ومن مسلمات التاريخ أن ابن الزبير لم يكن يوما ما ناصحا للإمام الحسين (ع) بل قد أثبت ابن كثير في تاريخه ج8 ص178 قول بن عباس لابن الزبير وهو مغضب : "يابن الزبير قد أتى ما أحببت قرت عينك هذا أبو عبد الله خارج ويتركك والحجاز" , وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء ج3 ص297:

" فقال ابن عباس للحسين لولا أن يزري بي وبك لنشبت يدي في رأسك ولو أعلم أنك تقيم إذا لفعلت ثم بكى وقال أقررت عين ابن الزبير ثم قال بعد لابن الزبير : قد أتى ما أحببت أبو عبد الله يخرج إلى العراق ويتركك والحجاز

يا لك من قنبرة بمعمر خلا لك البر فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقري صيادك اليوم قتيل فابشري

- نصيحة ابن عمرو المزعومة لا أصل لها :

من أين جائ الكاتب بهذه النصيحة المدعاة ؟! فلم يذكر التاريخ أي لقاء تم بين الحسين (ع) وعبد الله بن عمرو , بل ينقل ابن كثير ج8 ص173 خلاف ذلك عن يحيى بن معين حدثنا أبو عبيدة ثنا سليم بن حيان عن سعيد بن مينا قال سمعت عبد الله بن عمرو :" عجل حسين قدره والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني".

والكاتب يقول رواه يحيى بن معين بسيند صحيح ويتغافل عن سند ابن كثير إلى يحيى بن معين في حين أن سند يحيى كما في ابن عساكر مضطرب فيقول في ( تاريخ دمشق ) ج14 ص202 يحيى بن معين ثنا أبو عبيدة ثنا سليم بن حيان قال الحراني : سليمان بن سعليد بن مينا قال سمعت عبد الله بن عمر يقول :

" عجل الحسين قدره ..." نعم قال المحقق : بالأصل عمرو والمثبت عن الترجمة المطبوعة , والمهم هنا أن سليم ينقل عن سليمان بن سعيد لا سعيد بن مينا , فضلا عن وجود نسخ أنه ابن عمر لا عمرو.

بل أن الفرزدق يروي خلاف ذلك كما في طبقات ابن سعد ( ترجمة الإمام الحسين ) وهو من الجزء الذي طبع على حجه بتحقيق السيد الطباطبائي ص63 عن الفرزدق: "قال لما خرج الحسين بن عليه رحمه الله لقيت عبد الله بن عمرو فقلت له : إن هذا الرجل قد خرج فما ترى ؟ قال : أرى أن تخرج معه , فإنك إن أردت الدنيا أصبتها وإن أردت الآخرة أصبتها", فمن أين احتطب الكاتب هذه النصيحة والمنع المزعوم ؟!!

- نصيحة محمد بن الحنفية :

روى ابن سعد ما ذكره ابن عساكر في ج14 ص211: "وتبعهم محمد بن الحنفية فأدرك حسينا بمكة وأعلمه أن الخروج ليس له برأي".

ولكن ما يرويه الطبري يختلف عن ذلك فقد ذكر في ج4 ص253 أنه قال :"تنح بتبعتك عن يزيد بن معاوية عن الأمصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك...".

وبهذا يتضح أن محمد بن الحنفية لم يخالفه في أصل الخروج ولكن اقترح تفاصيل أخرى , فأجابه الحسين (ع) :" يا أخي قد نصحت فأشفقت فأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا".

هذا وللحسين جواب شامل لكل من عارضه على الخروج هو ما ذكره ابن كثير في ج8 ص176 في رده على عبد الله بن جعفر الذي كتب له كتابا يحذره من أهل العراق ويناشده الله إن شخص إليهم فكتب إليه الحسين : "إني رأيت رؤيا ورأيت رسول الله (ص) أمرني بأمر وأنا ماض له ولست بمخبر بها أحدا حتى ألاقي عملي".

الحسين وأهل الكوفة ؟

يطن البعض بأنهم يعرفون ما لا يعرفه الإمام الحسين عليه السلام في شأن أهل الكوفة , وكيف يخفى على الحسين (ع) تذبذب نفوس أهل الكوفة وقد عاشرهم إبان حياة أمير المؤمنين علي (ع) , ولم ينس قوله فيهم :" اللهم إني قد مللتهم وملوني" وقوله :"يا أشباه الرجال ولا رجال".

وقد كانت خيانتهم للحسن عليه السلام على مرأى من عينيه , ولازال الحسين يسمع صدى دعاء علي (ع) عليهم .

وقد صرح عليه السلام بأنه ذاهب إلى الشهادة كما نقلنا , فادعاء الكاتب أن خروجه من أجل الدنيا والسلطة قدح في طهارة الحسين عليه السلام وتكذيب لجده المصطفى صلى الله عليه وآله بأنه سيد شباب أهل الجنة .

وسوف يسأل الكاتب عن هذا الظلم والعداء لأهل بيت النبي الطاهرين .

5-النهضة الحسينية لم تكن نتيجة ضغط من أبناء مسلم بن عقيل

قال كاتب المنشور :" وجاء الحسين خبر مسلم بن عقيل عن طريق الرسول الذي أرسله مسلم فهم الحسين بالرجوع فامتنع أبناء مسلم وقالوا لا ترجع حتى نأخذ بثأر أبينا فنزل الحسين على رأيهم ".

ونقول :

اولا : الرواية ضعيفة السند إذ فيها خالد بن يزيد بن عبد الله القسري , وقد قال عنه الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) ج9 ص410 : "وكان صاحب حديث ومعرفة وليس بالمتقن ينفرد بالمناكير.

قال أبو جعفر العقيلي : لا يتابع على حديثه , وقال أبو حاتم : ليس بقوي , وذكره ابن عدي ... وقال : أحاديثه لا يتابع عليها لا إسنادا ولا متنا " , فعبارة "فهم بالرجوع " من منكرات خالد هذا.

ثانيا: استغل الكاتب خطأ في تاريخ ابن كثير , فسعى أن يوهم أن كلمة " لاترجع" إنما هي أمر من أبناء مسلم بن عقيل للإمام الحسين (ع) فهم الذين أجبروه على الإستمرار.

ولكن بالرجوع إلى ما نقله الطبري وسائر المؤرخين , نرى أن أبناء مسلم قالوا :" والله لانرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل " , ثم قال الإمام (ع) : "لا خير في الحياة بعدكم" فسار , رواه الطبري في تاريخه ج4 ص292 , وابن حجر في الإصابة ج2 ص16 , والمزي في تهذيب الكمال ج6 ص427 , ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء ج3 ص308.

ولكن الكاتب بنى على هذه الكلمة "لا نرجع" المنقوله خطأ بلا من "لا نرجع" , وأضاف عبارة :"فنزل الحسين على رأيهم" ولم يذكر هذا أحد من المؤرخين على الإطلاق .. وهذا جهل , أو تعمد لتحريف الحقائق !

ثالثا: وأما الحادثة كما رواها الشيخ المفيد في الإرشاد ج2 ص75 خالية من تلك الزيادة بل فيها :"فنظر - أي الحسين (ع) - إلى بني عقيل فقال : "ماترون؟ فقد قتل مسلم " فقالوا : والله لا نرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق , فأقبل علينا الحسين (ع) وقال :" لاخير في العيش بعد هؤلاء" , وكذلك رواه الخوارزمي في (مقتل الحسين ) ص327.

وكيف ينتظر أن ينساق الحسين عليه السلام مع أبناء مسلم وهم أتباعه وتحت أمره ورأيه ؟ بل كيف يتراجع وهو الذي عارض ناصحيه كما يقول الكاتب سابقا ؟

وهل يرتاب الحسين بن علي (ع) ويتزعزع عند أول مشكلة تواجهه بينما هو خارج للشهادة ويدرك أن المصيبة جسيمة ؟

ولو أن الحسين (ع) كان من أولئك الذين تغلبهم العصبية البغيضة لانتقم لمقتل أخيه الإمام السبط الحسن عليهما السلام , خصوصا مع ما حدث عند دفنه من منع عائشة وبني أمية دفنه عند جده (ص) , وإثارة بني هاشم جميعا , لكنه آثر الصبر.

6-افتراء نسب إلى الحسين (ع) أنه قال :"أضع يدي في يد يزيد" ؟

قال الكاتب : فانطلق الحسين يسير نحو طريق الشام نحو يزيد فلقيته الخيول بكربلاء بقيادة عمر بن سعد.

وقال : ولما رأى الحسين هذا الجيش العظيم علم أنه لا طاقة له بهم وقال إني أخيركم بين أمرين : أن تدعوني أرجع أو تتركوني أذهب إلى يزيد في الشام فقال له عمر بن سعد أرسل إلى يزيد وأرسل أنا إلى عبيد الله فلم يرسل الحسين إلى يزيد".

والكاتب يعرض النصوص بشكل مخل و أما ما أورده الطبري في تاريخه في أحداث سنة 61 ج4 ص311:

"عن حسان فائد بن بكر العبسي قال أشهد أن كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيد الله بن زياد وأنا عنده فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب ويسأل فقال كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم فسألوني القدوم ففعلت فأما إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم فلما قرئ الكتاب على ابن زياد قال : الآن إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة لات حين مناص.

وروى الطبري ج4 ص313:

"قال أبو مخنف وأما ما حدثنا به المجالد بن سعيد والصقعب ابن زهير الأزدي وغيرهما من المحدثين قالوا إنه قال اختاروا مني خصالا ثلاثا إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه وإما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم قال أبو مخنف فأما عبد الرحمن بن جندب فحدثني عن عقبة بن سمعان قال صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا في العراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ولكنه قال دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير من أمر الناس".

فالطبري يروي الرواية التي تتحدث عن الخيارات الثلاثة , ثم يروي عن عقبة بن سمعان - الذي عاصر الأحداث - إنكارا واضحا لما ذكر في الرواية السابقة أي ما تبناه كاتب المنشور وعرضه بشكل مخل هذا بالإضافة إلى شخصية الحسين (ع) وتربيته وما ورثه من أبيه (ع) لا تتناسب مع مثل هذا الموقف الذي يردي أن يصوره الكاتب , وكأن الحسين (ع) قد ندم على خروجه أو خاف هذه الجموع , كيف وشجاعته واضحة في صفحات التاريخ , وهو الذي بشره رسول الله (ص) بهذا الموقف الإيماني العظيم , وقد قرأت رسالة عمرة بنت عبد الرحمن قبل فقرات ورد الحسين (ع) عليها .

ولعل الحجة الأبلغ على الكاتب المحرف , ما رواه إمامه ابن كثير في (البداية والنهاية) ج8 ص190 , قال : "ولكن طلب منهم أحد أمرين إما أن يرجع من حيث جاء , وإما أن يدعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه" وكذلك نقل ابن الأثير في ( الكامل) ج3 ص165.

بل إن ابن الجوزي ينقل عكس هذا الغدعاء في تاريخه ( المنتظم ) , حيث ينقل رفض الحسين (ع) أن يضع يده بيد يزيد وذلك في ج4 ص155 , قال :"فنادى - الحسين (ع) - يا شبث بن ربعي يا قيس بن الأشعث يا حجار ألم تكتبوا إلي قال لم نفعل فقال فإذا كرهتموني دعوني انصرف عنكم فقال له قيس أولا تنزل على حكم ابن عمك - أي يزيد - فإنه لن يصل إليك منهم مكروه فقال لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ". ورواه أيضا ابن كثير في تاريخه ج8 ص194.

ويؤكد ذلك ما نقله الذهبي في تاريخ الإسلام الجزء المتعلق بأحداث سنة (61-80) من الهجرة ص12 قول الحسين (ع) :"ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله , وإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما" , وهذه هي الحقيقة التي تتناسب مع شخصية سبط النبي صلى الله عليه وآله وابن علي (ع) , الذي تربى تحت بارقة ذو الفقار , لا ما استنتجه الكاتب ليقلل من شأن موقف الحسين (ع) ويرفغ من قيمة يزيد حفيد آكلة الأكباد.

7-تحريف الكاتب لموقف الحر بن يزيد الرياحي !

قال الكاتب : "وكان قد انضم إلى الحسين من جيش الكوفة ثلاثون رجلا على رأسهم الحر بن يزيد التميمي , ولما عاب عليه قومه ذلك , قال : والله إني أخير نفسي بين الجنة والنار".

إنها كذبة تضاف إلى غيرها ! وجملة " عاب عليه قومه ذلك " بعد انضمامه إلى معسكر الحسين (ع) , فهو تحريف لعبارة ابن كثير في البداية والنهاية حيث قال :"فلامه بعض أصحابه على الذهاب إلى الحسين" وكل ناطق بالضاد يعرف بأن اللوم غير التعييب , رغم أن بان كثير نفسه في ج8 ص195 قد اختصر النص اختصارا مخلا إذا ما قارناها بالعبارة نقلها ابن جرير الطبري ج4 ص325: "فأخذ يدنو نحو الحسين قليلا قليلا , فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس ما تريد يا ابن يزيد أتريد أن تحمل فسكت وأخذه مثل العرواء , فقال له يا ابن يزيد : والله إن أمرك لمريب والله ما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة رجلا ما عدوتك فما هذا الذي أرى منك , قال : إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار ووالله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت" , ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين (ع).

فنلاحظ أن بان كثير بدأ بالتحريف , ثم جاء الكاتب واستعمل التزييف !! وما فعلهما إلا من تأثير الهوى والتعصب . ولا حول ولا قوة إلا بالله .

8-افتراؤه بأن الحسين (ع) لم يمنع من الماء !

قال الكاتب : "وأما قصة منع الماء وأنه مات عطشانا وغير ذلك من الزيادات التي إنما تذكر لدغدغة المشاعر فلا يثبت منها شيء".

لقد زاد هذا الكاتب في بغضه لأهل البيت عليهم السلام , حبه لقاتليهم , على أسياده وأئمته , فاستعمل الكذب الصريح المخالف لقول إمامه ابن كثير !!

قال ابن كثير في النهاية ص186 : "وهذه صفة مقتله مأخوذة من كلامة أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب" , فما يقوله ابن كثير هنا كما يزعم خال عن الكذب , وهو يرد كذب هذا الكاتب!

يقول عن عطش الإمام الحسين (ع) في ج8 ص189 : "فرد عليه ابن زياد : أن حل بينهم وبين الماء كما فعل بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ... وجعل أصحاب عمر بن سعد يمنعون أصحاب الحسين الماء" , فالحديث عن منع الماء حديث أئمة هذا الشأن - حسب قول ابن كثير - وليس حديث الشيعة كما زعم الكاتب ! وروى ذلك الطبري في تاريخه ج4 ص311 أيضا .

وروى الطبري في ص312 :"ولما اشتد على الحسين وأصحابه العطش دعا العباس بن علي بن أبي طالب أخاه فبعثه في ثلاثين فارسا ... واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي : من الرجل ؟ فقال جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه , قال : فاشرب هنيئا , قال : لا والله لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ... فقال لا سبيل إلى سقي هؤلاء وإنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم عن الماء...".

وذكر في ص195 وهو يتحدث عن حر بن يزيد :"ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين فاعتذر إيه بما تقدم ثم قال : يا أهل الكوفة لأمكم الهبل , أدعوتم الحسين اليكم حتى إذا أتاكم أسمتموه ... وحلتم بينه وبين الماء الفرات الذي يشرب منه الكلب والخنزير وقد صرعهم العطش؟".

مالذي يجنيه كاتب المنشور من نفي العطش عن الحسين (ع)؟

هل يريد تقليل التعاطف مع الحسين (ع) ظانا بأن أصل هذا التعاطف هو مجرد العطش ؟ فإن نفاه نفى مظلومية الحسين (ع)؟

أم أنه يريد أن يكون جنديا إعلاميا من جيش ابن سعد , إن لم يسعفه الزمن أن يكون محاربا مع إمامه يزيد ؟

فللمتبع أن يدرك أن عطش الحسين من مسلمات يوم الطف , فقد روى ابن كثير ج8 ص 203 : "وقد اشتد عطش الحسين فحاول أن يصل إلى أن يشرب من ماء الفرات فما قدر بل مانعوه فخلص إلى شربة منه فرماه رجل يقال له حصين بن تميم في حنكه فأثبته فانتزعه الحسين من حنكه ففار الدم فتلقاه بيديه ثم رفعهما إلى السماء وهما مملوءتان دما ثم رمى به إلى السماء وقال : اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تذر على الأرض منهم أحدا ودعا عليهم دعاءا بليغا قال فوالله إن مكث الرجل الرامي له إلا يسيرا حتى صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى إلى أن مات".

وقد أنشد الحاكم النيسابوري في ذلك :

جاءوا برأسك يا بن بنت محمد متزمـلا بدمائـه تزميـلا

وكأن بك يـا بن بنـت محمـد قتلوا جهارا عامدين رسولا قتلوك عطشانــا ولم يتـبروا في قتلـك القرآن والتنزيلا ويكبرون بـأن قتلـت وإنمـا قتلوا بـك التكبير والتهليلا

راجع شعر النيسابوري في تاريخ ابن كثير ج8 ص216.

وروى ذلك ابن الأثير في (الكامل) ج3 ص181 , وابن سعد في ( الطبقات الكبرى) في ترجمة الإمام الحسين (ع) ص74, وبان عساكر في (تاريخ دمشق) ج14 ص223 , والمزي في (تهذيب الكمال) ج6 ص430, والذهبي في (سير أعلام النبلاء) ج3 ص311, والدينوري في (الأخبار الطوال) ص251 , وابن الجوزي في (المنتظم) ج4 ص156 , وابن أعثم في (الفتوح) ج5 ص111.

فماذا بقي بعد ذلك من مصادر للتاريخ لم تذكر قصة منع الماء و عطش الحسين (ع) ليقول ذلك الكاتب في كذبته المفضوحة : "إنما تذكر لدغدغة المشاعر فلا يثبت منها شيء".

نعوذ بالله من الخذلان والهوى !

9-رد إنكاره للكرامات التي ظهرت :

قال : "وأما ما روي من أن السماء صارت تمطر دما أو أن الجدر كان يكون عليها الدم أو ما يرفع حجر إلا ويوجد تحته دم أو ما يذبحون جزورا إلا صار كله دما فهذه كلها أكاذيب تذكر لإثارة العواطف ليس لها أسانيد صحيحة"

هل نقول ما أعجله ؟ أم ما أجهله ؟

فقد تعجل الكاتب إرضاء لهواه بالجزم بأن هذه الروايات كلها ليست لها أسانيد صحيحة , بينما رواها الثقات من أهل العلم - عنده - , بل رواها ابن كثير على تعصبه , ولم يجزم بردها عند الحديث عن دلائل النبوة , إذ قال في ج6 ص259 من (البداية والنهاية) : "إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة وفي بعضها احتمال والله أعلم"

فإذا نفى بعضها ابن كثير المتعصب واحتمل صحة بعضها , فإن هذا قد تجاوزه في التعصب أو النصب حتى نفاها كلها , وهذه المصادر السنية لتلك الكرامات :

أ- ما روي من أن السماء صارت تمطر دما :

روى الهيثمي في مجمع الزوائد ج9 ص196 عن أم حكيم قالت : قتل الحسين وأنا يومئذ جويرية فمكثت السماء أياما مثل العلقة . ثم قال رواه الطبراني ورجاله إلى أم حكيم رجال الصحيح.

ب- ما روي من كسوف الشمس :

وروى في ص197 عن أبي قبيل قال : لما قتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة حتى بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنها هي (القيامة) , رواه الطبراني وإسناده حسن.

ونقل ذلك أيضا السيوطي في (تاريخ الخلفاء) وأرسله إرسال المسلمات فقال في ص207: (38) "

ولما قتل الحسين مكثت الدنيا سبعة أيام والشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة والكواكب يضرب بعضها بعضا وكسفت شمس ذلك اليوم واحمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك ولم تكن ترى فيها قبله".

وروى الذهبي في (سير أعلام النبلاء ) ج3 ص312 عن ابن سيرين : "لم تبك السماء على أحد بعد يحيى (ع) إلا على الحسين" , ونقله البيهقي في (دلالة النبوة) ج7 ص468 , وأبو نعيم الأصفهاني في (معرفة الصحابة) ج2 ص662.

وعلم بأن هذا لا يتعارض مع قوله (ص) : "أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته" , حيث أن خسوف الشمس قد جاء نتيجة جرم البشر بقتل هذا السبط المطهر (ع) لا مجرد مو إنسان كما ينص الخبر , وذلك مصداقا لقوله تعالى :

(( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا )) وهذا هو الحال في جريمة قتل الحسين وأهل بيته (ع) , فبعد هذا كله , هل يصح كلام الكاتب ؟

ج- الدم الذي ظهر على الجدر :

والطريف أنه مذكور في رواية الطبري عن حصين بن عبد الرحمن وقد صرح الكاتب بحسن سندها حينما استشهد بالرواية زاعما طلب الحسين أن يضع يده في يد يزيد !!

قال ابن جرير الطبري في ج4 ص296 : "قال حصين : فلما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع"فهذه رغم أنها صحيحة عنده لم يأخذ بها , لأنها لا تصب في صالحه !

د- وما رفغ حجر إلا وجد تحته دم :

روى الهيثمي في مجمع الزوائد ج9 ص196 " عن الزهري قال : قال لي عبد الملك أي واحد أنت إن أعلمتني أي علامة كانت يوم قتل الحسين فقال قلت لم ترفغ حصاة بيت المقدس إلا وجد تحتها دم عبيط فقال لي عبد الملك إني وإياك في هذا الحديث لقرينان " , رواه الطبراني ورجاله ثقات.

وعن الزهري قال : ما رفع حجر يوم قتل الحسين بن علي إلا عن دم , رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.

وروى ذلك الذهبي في (سير أعلام النبلاء ) ج3 ص314 , والبيهقي في (دلائل النبوة ) ج7 ص468 , وأبو نعيم الأصفهاني في ( معرفة الصحابة ) ج2 ص667 , هذا ما رواه المخالف ومع ذلك ينكره , فبأي حديث بعده يؤمن الكاتب؟

ه- ذبحوا جزورا فصار كله دما !

قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج9 ص196 :"عن دويد الجعفي عن أبيه قال : لما قتل الحسين انتهبت جزور من عسكره فلما طبخت إذا هي دم , رواه الطبراني ورجاله ثقات"

ورواه أبو نعيم الأصفهاني في معرفة الصحابة ج2 ص667.

و- الفتن .. والحوادث الغريبة :

قال ابن كثير في ج8 ص220 : "وأما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح فإنه قل من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا , فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض وأكثرهم أصابه الجنون".

وقال في ج6 ص259: " وقد روى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمارة عن أم سلمة أنها سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي , وهذا صحيح" , وقال الهيثمي في (المجمع) ج9 ص199 عن الخبر الأخير : "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح"

ترى ! هل يظن هذا الكاتب أنه لا يوجد أحد يكشف كذبه ؟!!

10- زعم الكاتب أنه أعرف بمصلحة الاسلام من الحسين !!

قال لم يكن في خروج الحسين (ع) مصلحة لا في دين ولا دنيا ولذلك نهاه كثير من الصحابة وحاولوا منعه وهو قد هم بالرجوع لولا أولاد مسلم .

ولنترك ابن العماد الحنبلي ليرد على هذا :

يقول الحنبلي في (شذرات الذهب) ج1 ص68: "والعلماء مجمعون على تصويب قتال علي لمخالفيه لأنه الإمام الحق ونقل الاتفاق أيضا على تحسين خروج الحسين".

فتحسين خروجه مورد اتفاق العلماء , والقول بعدم وجود مصلحة هو وقاحة وجرأة من الكاتب على مقام الحسين (ع) , فالكاتب يرفع شعار الدفاع عن الصحابة , ولكن النصب يقتضي أن يبرر أعمال يزيد ومعاوية وهم ثمار الشجرة الملعونة في القرآن , ويبلغ من جرأته أنه يخطىء الحسين المطهر (ع) بنص القرآن وسيد شباب أهل الجنة بنص جده المصطفى (ع) !!

كل ذلك يفضل أئمته بني أمية على أهل بيت النبوة الطاهرين المطهرين !!

11- قوله أن خروج الحسين (ع) مفسده

قال الكاتب المزور : "وكان في خروجه من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده ولكنه أمر الله تبارك وتعالى وما قدر الله كان ولو لم يشأ الناس".

الغريب أن الكاتب يقول بأنه أمر الله , ثم يلوم الحسين عليه السلام على الخروج , فإن كان جبر فلا ملامة على الحسين (ع) , وإن كان مخيرا - وهو كذلك - فإنه أمر الله وقد أطاعه الحسين (ع) , فماذا يقصد الكاتب ؟ أم أنه يهجر.

ثم العجيب من أمر هذا الكاتب وأضرابه , يدعون تقديس الصحابة وعدالتهم ثم يتجرأ على الإمام الحسين (ع) لخروجه على يزيد.

نعم مع أهل البيت (ع) يختل الميزان , وتظهر جرأة النواصب , وكأن أهل البيت ليسوا صحابة , لقد جعلوا القرآن عضين , يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.

ما هي جريمة الحسين عليه السلام ؟!

إن جريمة الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة , أنه رفض بيعة يزيد لأنه سلطان غاصب جائر , وقد جعل رسول الله (ص) أفضل الجهاد أن تعلن كلمة الحق أمامه وأمام أمثاله . وقد أوحى الله تعالى لنبيه في حق الحسين (ع) : " وإني قاتل سبعين ألفا بابن ابنتك" , فجعل الله تعالى الإنتقام من إراقة دمه الطاهر أشد من انتقامه عز وجل لقتل نبيه يحيى (ع) , وهذه لا ينالها إلا صاحب حق , وإلا فهل يدعي الكاتب أن المخطىء الذي كان في خروجه فساد عظيم .. يقارن بيحيى النبي (ع) ؟

وقد رد الحسين (ع) على هذه الترهات قبل أن يتفوه بها مبغضوه , فقد نقل ابن كثير في تاريخه ج8 ص176:"

وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص نائب الحرمين إني أسألك الله إن يلهمك رشدك وان يصرفك عما يريدك بلغني أنك قد عزمت على الشخوص إلى العراق وإني أعيذك الله من الشقاق فإنك إن كنت خائفا فأقبل إلي فلك عندي الأمان والبر والصلة فكتب إليه الحسين إن كنت أردت بكتابك بري وصلتي فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة وإنه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إني من المسلمين". فكلام الإمام الحسين (ع) : "لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إني من المسلمين" إنما هو رد من الحسين الصحابي (ع) على كلام الكاتب فهل يقبل به ؟ لا أظن .

ثم نسأل المنصفين :

هل الفساد هو أن تجهر بصوتك لإحقاق الحق والدين والوقوف بوجه الظلمة أم أن الفساد هو مداهنة الظلمة ومد يد الخنوع والخضوع ليزيد , فصوروا بذلك الإسلام هو دين الضعف والذل أمام الجبابرة لا دين العزة , وذلك الضعف كان مقدمة واقعة الحرة بكل فظاعتها؟!

فهل كان موقع الحسين (ع) عند الكاتب أسوء من موقف أولئك الذين مدوا ليزيد ليفعل ما يشاء ؟ ألهذا لم نسمع نقدا صريحا لأنصار يزيد طوال القرون الماضية ؟

لا , ولكنه النصب والعداوة الذي يدفع البعض ليتجرأ على أهل البيت عليهم السلام , ويمدح الذين ركعوا أمام يزيد . المشتكى إلى الله رب العالمين .

12- البدعة ومراسم العزاء على الإمام الحسين (ع)

قال: "لايجوز لمن خاف الله إذا تذكر قتل الحسين ومن معه أن يقوم بلطم الخدود وشق الجيوب والنوح وما شابه ذلك وما علم أن علي بن الحسين أو ابنه محمد أو ابنه جعفر أو موسى بن جعفر ما عرف عنهم ولا عن غيرهم من أئمة الهدى أنهم لطموا أو شقوا أو صاحوا فهؤلاء هم قدوتنا..".

لابد أن نقرر بداية بأن العناوين العامة في الشريعة الإسلامية كإحياء أمر الدين وتوقير النبي (ص) بين المسلمين إنما هي عناوين شرعية عامة لا يناقش فيها مسلم , لذلك ترى المسلمين قاطبة - إلا المتمسلفين - يدعون للإحتفال بالمولد النبوي الشريف ويوم الإسراء والمعراج وغيرها كمصاديق لإحياء أمر الدين.

ومن السيرة التي يراها كل عاقل على مر القرون يجد بأن للعرف أن يحدد الطريقة المناسبة لإحياء أمر الدين شريطة أن يصدق عليها توقير مقام النبي (ص) وإن لم يرد نص صريح بخصوص الكيفية.

ولولا ذلك لما جاز تغيير وتطوير أساليب الدعوة كطباعة الكتب والتلفزيون والمذياع والندوات والمخيمات والمدارس الدينية , التي لم تكن في زمن الرسول (ص) ولا زمن الطبقة الأولى من المسلمين , ولكن مع تطور الزمن تطور أسلوب الدعوة.

وهذا ليس بممنوع ولا هو بدعة , لأنه أمر مندوب إليه بعنوانه العام , وتحديد المصاديق موكول إلى العرف ما لم يدخل شيء منها في أحد عناوين المحرمة.

وبناء على ذلك , فإن من العناوين العامة في الدين إحياء أمر أهل البيت (ع) وتوقيرهم ومحبتهم وإظهار الحزن لأحزانهم والفرح لأفراحهم , فالله تعالى قد أمر بمودة أهل البيت (ع) , فهل تتصور المودة بالفرح بحزنهم والحزن بفرحهم ؟

والمآتم الحسينية إنما هي مصداق من مصاديق تلك المودة المفروضة , وتلك المراسيم لم يرد فيها نهي ولا منع , لذا فهي جائزة أصالة , ويرجح كفة إقامتها لأنها إحياء لأمر الدين , وتتأكد بورود روايات عن الأئمة (ع) في الحث عليها . فإن منع الدين الحزن على المؤمن فلنمنع الحزن على الحسين (ع) ؟ وإن لم يجز لرسول الله (ص) التأثر الشديد بمقتل حمزة , لم يجز لنا التأثر بمقتل الحسين (ع)؟

كيف والحسين (ع) أعز عند الله ورسوله (ص) من حمزة (ع)؟

كل ذلك حكم العقل والبداهة , فضلا عن وجود الأدلة الخاصة التي تدل على فضل البكاء والنوح على سيد الشهداء (ع) سنذكرها فيما يلي.

13- مشروعية البكاء على سيد الشهداء (ع)

قال الكاتب : وما يذكر عن فضل البكاء في عاشوراء غير صحيح , إنما النياحة واللطم أمر من أمور الجاهلية التي نهى النبي (ص) عنها ,امر باجتنابها وليس هذا منطق أموي حتى يقف الشيعة منه موقف العداء بل هو منطق أهل البيت رضوان الله عليهم وهو مروي عنهم عند الشيعة كما هو مروي عنهم أيضا عند أهل السنة , فقد روى ابن بابويه القمي في ( من لا يحضره الفقيه ) أن رسول الله (ص) قال : "النياحة من عمل الجاهلية ...".

إن إشكال القوم على الشيعة فيما يخص مراسيم إحياء ذكرى سيد الشهداء عليه السلام محصورة في النقاط التالية:

أ- منع البكاء على الميت مطلقا.

واستدلوا على ذلك " بأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" , وقد رواه ابن عمر ويرد عليه :

أولا: لا شك ببطلان مثل هذا الادعاء خاصة مع وضوح بكاء النبي يعقوب على ابنه يوسف عليهما السلام , في قوله تعالى :

(( وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم )) .

ثانيا: إن عائشة لم تقبل بذلك وقد صرحت بأن ابن عمر لم يحفظ الرواية بصورة صحيحة وأن قوله هذا مخالف لقوله تعالى :

(( ولا تزر وازرة وزر أخرى )) , كما يروي ذلك البخاري في كتاب المغازي ومسلم في كتاب الجنائز.

ب- الإشكال على خصوص تكرار البكاء على الإمام الحسين (ع) وإعادة ذكر مصيبته في كل سنة

أولا: يرد هذا الأمر بأن يعقوب (ع) قد أشكل عليه أبناؤه كما ينقل عنهم القرآن الكريم :

(( تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين )) , فقوله تفتأ دليل على تكراره ذلك الأمر , فحسب الشيعة فخرا أن تقتدي بأنبياء الله (ع) حينما يبكون على أوليائه.

وكانة الحسين لا ينكرها إلا معاند , فشأنه عند الله تعالى يتجلى بما سبق ذكره من العلامات التي ظهرت في الكون وعبرت عن الغضب الإلهي على قتلته (ع) , وكذلك في الحديث الذي مر ذكره من أن الله تعالى قد أوحى إلى نبيه (ص) بأنه عز وجل إذا كان قد انتقم لدم يحيى (ع) بقتل سبعين ألف فسوف ينتقم لدم الحسين (ع) بسبعين ألف وسبعين ألف.

ثانيا: وقد أجاب الإمام زين العابدين (ع) بما دل من القرآن على استمرار حزن يعقوب عند رده على من أشكل عليه باستمرار حزنه على أبيه كما أورده أبو نعيم الأصفهاني عن الحسين (ع) في (حلية الأولياء) ج3 ص162 عن كثرة بكائه - أي بكاء زين العابدين (ع) - فقال : "لا تلوموني فإن يعقوب فقد سبطا من ولده فبكى حتى ابيضت عيناه ولم يعلم أنه مات وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلا من أهل بيتي في غزاة واحدة أفترون حزنهم يذهب من قلبي؟".

وهذا الإشكال من السلفيين هو نفس الإشكال على إحياء ذكرى المولد النبوي من التكرار السنوي للذكرى , فالأمر محبب , وهو مثل تكرار دراسة الفقه أو الحديث أو القرآن الكريم .

ج- النياحة :

وقد أورد نصا من كتب الشيعة يصف النياحة بأنها من عمل الجاهلية , ويرد عليه :

أولا: أن هذه الرواية موجودة في مصادر السنة قبل الشيعة ومع ذلك فإن من علماء السنة من أجاز النياحة ولم يعتبر هذا النص مانعا من جوازها , وقد أقر ابن حجر بهذا الخلاف في كتابه (فتح الباري) ج3 ص161 عند شرحه لعنوان اباب الذي وضعه البخاري في صحيحه ( باب ما يكره من النياحة على الميت):

"قال الزين بن المنير : ما موصولة ومن لبيان الجنس فالتقدير الذي يكره من جنس البكاء وهو النياحة , والمراد بالكراهة كراهة التحريم لما تقدم من الوعيد عليه انتهى , ويحتمل أن تكون ما مصدرية ومن تبعيضة والتقدير كراهية بعض النياحة أشار إلى ذلك ابن المرابط وغيره ونقل ابن قدامة عن أحمد رواية أن النياحة لا تحرم وفيه نظر , وكأنه أخذه من كونه (ص) لمن ينه عمة جابر لما ناحت عليه فدل على أن النياحة إنما تحرم إذا انضاف إليها فعل من ضرب خد أو شق جيب وفيه نظر..."

وكذلك بحث الأمر ابن القيم وذكر الخلاف في كتابه ( عدة الصابرين ) ج1 ص83 في الباب الثامن عشر في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب ... قائلا:

" وأمام الندب والنياحة فنص أحمد على تحريمها قال في رواية حنبل النياحة معصية وقال أصحاب الشافغي وغيرهم النوح حرام وقال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء.

وقال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد : يكره تنزيها وهذا لفظ أبي الخطاب في ( الهداية ) قال : ويكره الندب والنياحة وخمش الوجوه وشق الجيوب والتحفي , والصواب القول بالتحريم ...

وقال المبيحون لمجرد الندب والنياحة مع كراهتهم له : روى حرب عن واثلة بن الأسقع وأبي وائل ( وهما من الصحابة ) أنهما كانا يسمعها النوح ويسكتان.

قالوا وفي الصحيحين عن أم عطية لما نزلت هذه الآية " يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك"... ونهانا عن النياحة فقبضت منا امرأة يدها فقالت : فلانة أسعدتني فأنا أريد أن أجزيها قالت : فما قال لها شيئا فذهبت فانطلقت ثم رجعت فبايعها.

قالوا وهذا الإذن لبعضهن في فعله يدل على أن النهي عنه تنزيه لا تحريم ويتعين حمله على المجرد من تلك المفاسد جمعا بين الأدلة".

انتهى المنقول من كلام ابن القيم .

والقصد من إيراده أن بعض علماء السنة قال بجواز النياحة مع وجود الروايات الناهية عندهم كرواية " الناحية من عمل الجاهلية" فما هو جوابكم عن هذا , أفلا تسمح للفقه الشيعي أن يقول بالجواز مع ورود الرواية المذكورة في مصادره:.

والعجب من ابن تيمية حينما يدافع عن يزيد يقول في منهاج السنة ج4 ص559: "وفي الجملة فما يعرف في الإسلام أن المسلمين سبوا امرأة يعرفون أنها هاشمية ولا سبي عيال الحسين (ع) بل لما دخلوا بيت يزيد قامت النياحة في بيته وأكرمهم وخيرهم بين المقام عنده والذهاب إلى المدينة فاختاروا الرجوع إلى المدينة:.

فلاحظ أن ابن تيمية يمدح يزيدا على إقامته النياح على الحسين (ع) .. وهو قاتله !!

ثانيا: أن علماء الطائفة لم يخف عليهم أمر الرواية , وكما كان لعلماء السنة آراء واجتهادات لفهم النص , كذلك كانت لعلمائنا روضوان الله تعالى عليهم . فينبغي للعاقل أن يطلع على آراء علماء الطائفة وموقفهم تجاه هذا النص الشريف.

ويكفي للقارىء ملاحظة ما ورد في كتاب (العروة الوثقى) وهو كتاب يحشد آراء مجموعة من علماء الشيعة الفقهية في حقبة من الزمان , حيث تجد في الجزء الأول ص 447 من كتاب الطهارة تحت عنوان مكروهات الدفن حيثا مفصلا حول تلك الأمور فيقول السيد اليزدي (ره) :

(1 مسألة ) يجوز البكاء على الميت ولو كان مع الصوت بل قد يكون راجحا كما إذا كان مسكنا للحزن وحرقة القلب بشرط أن لا يكون منافيا للرضا بقضاء الله , ولا فرق بين الرحم وغيره , بل قد مر استحباب البكاء على المؤمن , بل يستفاد من بعض الأخبار جواز البكاء على الأليف الضال والخبر الذي ينقل من أن الميت يعذب ببكاء أهله ضعيف مناف لقوله تعالى :

(( ولا تزر وازرة وزر أخرى )) وأما البكاء المشتمل على الجزع وعدم الصبر فجائز ما لم يكن مقرونا بعدم الرضا بقضاء الله نعم يوجب حبط الأجر ولا يبعد كراهته.

(2 مسألة) يجوز النوح على الميت بالنظم والنثر ما لم يتضمن الكذب ولم يكن مشتملا على الويل والثبور , لكن يكره في الليل ويجوز أخذ الأجرة عليه إذا لم يكن بالباطل , لكن الأولى أن لا يشترط أولا.

(3 مسألة ) لا يجوز اللطم والخدش وجز الشعر بل والصراخ الخارج عن حد الاعتدال على الأحوط وكذا لا يجوز شق الثوب على غير الأب والأخ والأحوط تركه فيهما أيضا.

هذا علما بأن هذه الفتاوى بكراهة الجزع أو النياحة ناظرة إلى غير مصاب سيد الشهداء (ع) وأما مصابه أرواحنا له الفداء فقد وردت روايات خاصة عن أهل بيت العصمة (ع) تجعله مصابا مميزا عن غيره لا تشمله هاتك الأحكام.

ثالثا : وثما يخص روايات أهل البيت عليهم السلام , فقد روى الطوسي في أماليه كما عن البحار ج44 ص280 عن المفيد عن ابن قولويه عن أبيه عن سعد عن ابن عيسى عن ابن محبوب عن أبي محمد الأنصاري عن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع) قال : "كل الجزع والبكاء مكروه سوى الجزع والبكاء على الحسين (ع)".

والسند تام فكل الرواه ثقات عدا أبو محمد الأنصاري وقد قال عنه السيد الخوئي (ره) في (المعجم) ج33 ص36 :"أبو محمد الأنصاري هذا يعتد بقوله لقول محمد بن عبد الجبار في رواية الكافي التقدمة أنه خير ... وأما قول نصر بن الصباح من أنه مجهول لا يعرف فلا يعتنى به لأن نصر بن الصباح ضعيف".

ورواه ابن قولويه في (كامل الزيارات) مثل الرواية السابقة عن أبي عن سعد عن الجاموراني عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي عبد الله (ع) سمعته يقول :" إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كا ما جزع ما خلا البكاء على الحسين بن علي عليهما السلام فإنه فيه مأجور".

فهذه الرواية صريحة في أن المكروه السابق لا يشمل الحزن على سيد الشهداء الحسين (ع). هذا وقد أشبع الحديث عن ذلك العلامة في المنتهى فقد نقل عنه العلامة المجلسي في البحار ج82 ص102 :"قال العلامة قدس الله روحه في المنتهى : البكاء على الميت جائز غير مكروه إجماعا قبل خروج الروح وبعده إلا الشافعي فإنه كره بعد الخروج ... والنياحة بالباطل محرمة إجماعا أما بالحق فجائزة إجماعا ويحرم ضرب الخدود ونتف الشعر وشق الثوب إلا في موت الأب والأخ فقد سوغ فيهما شق الثوب للرجل وكذا يكره الدعاء بالويل والثبور".

وقال الشيهد نور الله ضريحه في ( الذكرى) :"يحرم اللطم والخدش وجز الشعر إجماعا قاله في المبسوط لما فيه من السخط لقضاء الله ... واستثنى الأصحاب إلا ابن إدريس شق الثوب على موت الأب والأخ لفعل العسكري على الهادي (ع) وفعل الفاطميات على الحسين (ع) ... وسئل الصادق (ع) عن أجر النائحة فقال : لا بأس قد نيح على رسول الله (ص) وفي آخر لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا ... وروى أبو حمزة عن الباقر (ع) مات ابن المغيرة فسألت أم سلمة النبي (ص) أن يأذن لها في المضي إلى مناحته فأذن لها وكان بان عمها - ثم رثته بأبيات - وفي تمام الحديث فما عاب عليها النبي (ص) ذلك ولا قال شيئا".

ثم قال قدس سره :"يجوز الوقف على النوائح لأنه فعل مباح فجاز صرف المال إليه ولخبر يونس بن يعقوب عن الصادق (ع) قال : قال لي أبو جعفر (ع) قف من مالي كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى والمراد بذلك تبيه الناس على فضائله وإظهارها ليقتدى بها ..."

وقد حرم الشيخ في المبسوط - وكذلك ابن حمزة - النوح وادعى الشيخ الإجماع , والظاهر أنهما أرادا النوح بالباطل أو المشتمل على المحرم كما قيده في (النهاية) وفي (التهذيب) جعل كسبهما مكروها بعد روايته أحاديث النوح.

ثم أول الشهيد (ره) أحاديث المانع المروية من طرق المخالفين بالحمل على ما كان مشتملا على الباطل أو المحرم لأن نياحة الجاهلية كانت كذلك غالبا , ثم قال :"المراثي المنظومة جائزة عندنا وقد سمع الأئمة (ع) المراثي ولم ينكروها". انتهى مانقله المجلسي.

- البكاء على الميت مستحب عند أهل السنة !

هذا وقد ورد في مصادر العامة ما يدل على أن البكاء على الميت سنة سنها رسول الله (ص) فقد روى إسحاق بن راهويه في مسنده ج2 ص599 رقم 1174 قال :

"أخبرنا النضر بن شميل نا محمد بن عمرو حدثني محمد بن إبراهيم عن عائشة قالت : مر رسول الله (ص) جين انصرف على بني الأشهل فإذا نسائهم يبكين على قتلاهم وكان استمر القبل فيهم يومئذ فقال رسول الله (ص) : لكن حمزة لا بواكي له قال فأمر سعد بن معاذ نساء بني ساعدة أن يبكين عند باب المسجد على حمزة فجعلت عائشة تبكي معهن فنام رسول الله (ص) فاستيقظ عند المغرب فصلى المغرب ثم نام ونحن نبكي فاستيقظ رسول الله لعشاء الآخرة فصلى العشاء ثم نام ونحن نبكي فاستيقظ رسول الله (ص) ونحن نبكي فقال : ألا أراهن يبكين حتى الآن مروهن فليرجعن ثم دعا لهن ولأزواجهن ولأولادهن".

والرواية حسنة على الأقل لوثاقة الكل إلا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي قال ابن حجر في التقريب ج2 ص119 :"صدوق له الأوهام".

ورواه أحمد في مسنده ج9 ص38 مسند ابن عمر رقم 4984 قال : حدثنا زيد بن الحباب حدثني أسامة بن زيد حدثني انافع عن ابن عمر أن رسول الله (ص) لما رجع من أحد فجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن قال : فقال رسول الله (ص): "ولكن حمزة لا بواكي له" قال : ثم نام فاستنبه وهن يبكين قال : فهن اليوم إذا يبكين يندبن بحمزة وقد بين الحاكم في مستدركه ج1 ص381 الأمر الأخير بقوله :"وهو أشهر حديث بالمدينة فإن نساء المدينة لا يندبن موتاهن حتى يندبن حمزة وإلى يومنا هذا".

ولعلك تلاحظ في هذه الرواية أنها لا تدل على جواز البكاء على الميت وندبه فحسب , بل إنها تدل على مشروعية تحويل البكاء إلى عادة مستمرة لقرون طويلة.

وقد ورد في المروي عن طريق أسامة بن زيد الليثي زيادة تدل بظاهرها على نسخ الجواز وهي زيادة :"مروهن فليرجعن ولايبكين على هالك بعد اليوم" مسند أحمد ج9 ص398. قال الكناني في (مصباح الزجاجة) ج2 ص47:"هذا إسناد ضعيف لضعف أسامة بن زيد" , وقال الشوكاني في (نيل الأوطار) ج4 ص253 :"ورجال إسناد حديث ابن عمر ثقال إلا أسامة بن زيد الليثي ففيه مقال". ولك حتى من لم يرفض هله الزيادة من حيث السند , فإنه رفض كونها ناسخة كما صرح بذلك ابن القيم في كتابه (عدة الصابرين) ج1 ص82 قال : "وأما دعوى النسخ في حديث حمزة فلا يصح إذ معنا لا يبكين على هالك بعد اليوم من قتلى أحد , ويدل عى ذلك أن نصوص الإباحة أكثرها متأخرة عن غزوة أحد منها حديث أبي هريرة إذ إسلامة وصحبته كانا في السنة السابعة ومنها البكاء على جعفر وأصحابه وكان استشهادهم في السنة الثامنة ومنها البكاء على زينب وكان موتها في السنة الثامنة أيضا ومنها البكاء على سعد بن معاذ وكان موته في الخامسة ومنها البكاء عند قبر أمه وكان عام الفتح في السنة الثامنة". - البكاء على الحسين سنة سنها رسول الله (ص) : فقد كان (ص) أول من أخبر بواقعة شهادة الحسين (ع) وأول الباكين عليه عند ولادته (ع) : روى ابن حبان في صحيحه ج6 ص203 عن أنس بن مالك قال : "استأذن ملك القطر ربه أن يزور النبي (ص) فأذن له فكان في يوم أم سلمة فقال النبي (ص) : احفظي علينا الباب ولا يدخل علينا أحد فبينما هي على البا إذ جاء الحسين بن علي فظفر فاقتحم ففتح الباب فدخل فجعل يتوثب على ظهر النبي (ص) وجعل النبي يتلثمه ويقبله فقال له الملك : أتحبه ؟ قال : نعم قال : أما إن أمتك ستقتله إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه ؟ قال : نعم فقبض قبضة من المكان الذي يقتل فيه فأراه إياه فجاءه بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها". وأما بكاءه (ص) عليه فقد روى أحمد في مسنده ج2 ص78 عن نجي أنه سار مع علي وكان صاحب مطهرته فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي : اصبر أبا عبد الله اصبر أبا عبد الله بشط الفرات قلت : وماذا ؟ قال : دخلت على النبي (ص) ذات يوم وعيناه تفيضان ؟ قال : "بل قام من عندي جبريل قبل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات " فال : فقال : "هل لك إلى أن أشمك من تربته ؟ " قال : قلت : نعم فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا . قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) ج9 ص187 معلقا على الرواية : "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجاله ثقات ولم ينفرد نجي بهذا". وروى الطبراني في (المعجم الكبير) ج3 ص108 عن أم سلمة قال : كان رسول الله (ص) جالسا ذات يوم في بيتي فقال : لا يدخل علي أحد فانتظرت فدخل الحسين (رص) فسمعت نشيج رسول الله يبكي فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبي (ص) يمسح جبينه وهو يبكي فقلت : والله ما علمت حين دخل فقال : إن جبريل عليه السلام كان معنا في البيت قال : تحبه ؟ قلت : أما من الدنيا فنعم , قال : إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء فتناول جبريل عليه السلام من تربتها فأراها النبي (ص) , فلما بحسين حين قتل قال : ما اسم هذه الأرض ؟ قالو : كربلاء قال : صدق الله ورسوله أرض كرب وبلاء. قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) ج9 ص189 معلقا على سند الرواية :"رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها ثقات". وروى الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج3 ص176 (194( عن أم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله (ص) فقالت : يا رسول الله إني رأيت حلما منكرا الليلة قال : ما هو قالت إنه شديد قال : ما هو قالت : رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري فقال رسول الله (ص) : رأيت خيرا تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فيكون في حجرك , فولدت فاطمة (ع) الحسين (ع) فكان في حجري كما قال رسول الله (ص) فدخلت يوما إلى رسول الله (ص) فوضعته في حجره ثم حانت مني التفاته فإذا عينا رسول الله تهرقان من الدموع . قالت : فقلت يا نبي الله بأبي وأمي مالك ؟ قال : أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا فقلت : هذا فقال :نعم وأتاني بتربة من تربته حمراء. هذه روايات صريحة في أن البكاء على الحسين هي سنة رسول الله (ص) والشيعة يتبعون سنته (ص) في البكاء على سيد الشهداء الحسين (ع). 14- أعداء أهل البيت يصومون يوم عاشوراء فرحا !

قال : "مما ورد من روايات في فضل صيام هذا اليوم من روايات الشيعة ما رواه الطوسي في الاستبصار وما لا أطاد أفهمهم تجاهل علماء الشيعة للروايات الواضحة في بيان فضل صيام عاشوراء". لم يكن لصوم يوم العاشر من المحرم صدى كما نسمعه اليوم , ولا تركيز من قبل النواصب كما يفعلون اليوم , فهل يريدون بذلك أن يغطوا على شناعة فعل يزيد في ذلك اليوم , دفاعا عن بني أمية.

أما عند الشعية فقد اختلفت آراء فقهاء الشيعة تبعا لاختلاف الروايات وتعارضها في مسألة صوم عاشوراء .

إذ يبدو أن القدماء منهم (قده) قد حكموا باستحباب صوم يوم العاشر إن كان على وجه الحزن , وحمل الشهيد الثاني معنى الصوم على الامتناع عن المفطرات إلى العصر لا على المعنى الشرعي للصوم , فهو يرد القول باستحباب الصوم الشرعي , إذ يقول : "لأن صومه متروك كما وردت به الرواية " , وحكم المحقق البحراني من المتأخرين بالحرمة , ويفهم من السيد الطباطبائي في (الرياض) الإستحباب العام لا بالعنوان الخاص المؤكد عليه بالشريعة , ويؤيد صاحب (الجواهر) رأي القدماء , نعم ظاهر السيد الخوئي رحمه الله في كتابه (المستند) ترجيح الإستحباب الخاص.

فالقول بأن علماء الشيعة تجاهلوا الروايات الدالة على فضل صيام عاشوراء يكشف عن جهل الكاتب الشديد , بل هو توغل في الجهالة . إذا , فصوم عاشوراء إما أن يكون بالعنوان العام أو بالعنوان الخاص وكلاهما له مؤيد ومعارض , نعم هم يتفقون على حرمة صوم العاشر بعنوان التبرك واعتباره يوم فرح كما ظاهر بعض النصوص الواردة في مصادر السنة وظاهر صيام بعضهم , فذاك موطن التشنيع من قبل الشيعة ورفضهم.

ولعل القارئ المنصف يفهم ذلك عندما يقرأ ما صرح به ابن تيمية في ج25 ص166 من (مجموعة الفتاوى) : "فعارض هؤلاء قوم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته وإما من الجهال ... فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الاطعمة الخارجة عن العادة ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسما كمواسم الأعياد والأفراح".

وقال في (منهاج السنة) ج8 ص151 :"وكذلك حديث عاشوراء والذي صح في فضله هو صومه وأنه يكفر سنة وأن الله نجى فيه موسى من الغرق وقد بسطنا الكلام عليه في موضع آخر وبينا أن كل ما يفعل فيه سوى الصوم بدعة مكروهة لم سيتحبها أحد من الأئمة مثل الاكتحال والخضاب وطبخ الحبوب وأكل لحم الأضحية والتوسيع في النفقة وغير ذلك وأصل هذا من ابتداع قتلة الحسين ونحوهم".

وقد أقر ابن كثير في تاريخه بأن يوم عاشوراء يتخذ يوم سرور عند النواصب من أهل الشام فقال في ج8 ص220 : "وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام فكانوا إلى يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم ويتخذون ذلك اليوم عيدا يصنعون فيه أنواع الأطعمة يظهرون السورو والفرح".

وقال العيني في (عمدة القارىء) ج5 ص347 :"اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء سنة وليس بواجب , نعم اختلق أعداء أهل البيت (ع) أحاديث في استحباب التوسعة على العيال يوم عاشوارء والاغتسال والخضاب والاكتحال ".

قال ابن الجوزي في (الموضوعات) ج2 ص112 :"قد تمذهب قوم من الجهال بمذهب أهل السنة فقصدوا غيظ الرافضة فوضعوا أحاديث في فضل عاشوراء ونحن براء من الفريقين , وقد صح أن رسول الله (ص) أمر بصوم عاشوراء إذ قال : إنه كفارة سنة , فلم يقنعوا بذلك حتى أطالوا وأعرضوا وترقوا في الكذب"

.إذا فمورد الخلاف في الحقيقة يتوجه إلى ما صدر بعنوان السرور والفرح والزينة يوم عاشوراء .. وما زالت تجد بقاياه الى يومنا هذا !! فاعتراضنا على من وضعوا الأحاديث التي تتخذ يوم عاشوراء يوم فرح ! منها ما عده ابن الجوزي في الموضوعات ج2 ص115 عن عبد الله عن رسول الله (ص) :"من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته".

وكذلك روى ابن الجوزي في كتابه الموضوعات عن ابن عباس قال : قال رسول الله (ص) :"من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبدا".

فنكرر ونقول إن اعتراض الشيعة على هذه الأمور لا على مجرد الصيام , ويبدو من النصوص أن من ناقش مستحبات ذلك اليوم قد ربط ذكرها بالصيام , فغدا الصوم علامة على فرح ذلك اليوم , مما جعل الصيام شعارا للفرحين مع الأيام إضافة للإكتحال والزينة ولبس الحلي والتوسعة على العيال وغيرها و لذا ينبغي للصائم في هذا اليوم أن يكون صومه حزنا , ولا يفرح كما فرح أعداء الحسين وقاتلوه.

15 - محاولى الكاتب تبرئة يزيد من قتل الحسين (ع) !

أ- نقل الطبري في تاريخه أحداث سنة 60 هــ ج4 ص250 رسالة يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة أمير المدينة " أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام" وروى ذلك ابن كثير في تاريخه ج8 ص157.

ب- وذكر في عهد يزيد إلى عبيد الله الأمر بقتل مسلم بن عقيل : "ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلي وكان عنده فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة وكتب إليه معه أما بعد فإنه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفه يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تاتي أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الحرزة حتى تثقفه فتوثفه أو تقتله أو تنفيه والسلام" , روى ذلك ابن الجوزي في تاريخه ( المنتظم) ج4 ص142 , وابن كثير في تاريخه ج8 ص164.

ت- ثم روى الطبري ج4 ص296 :"عن جعفر بن سليمان الضبعي قال : قال الحسين : والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونا أذل من فرم الأمة".

ث- ثم قوله لزينب بنت علي (ع) كما في الطبري ج4 ص352 مؤكدا لنظرته في استحقاق الإمام (ع) للقتل لأنه خارجي خرج من الدين : "إنما خرج من الدين أبوك وأخوك فقالت زينب بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك".

ج- وقال في ص354 : "وجاء كتاب بأن سرح الأسارى إلي قال فدعا عبيد الله بن زياد محفز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن فقال انطلقوا بالثقل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية قال : فخرجوا حتى قدموا على يزيد فقام محفز بن ثعلبة فنادى بأعلى صوته جئنا رأس أحمق الناس وألأمهم فقال يزيد ما ولدت أم محفز ألأم وأحمق ولكنه قاطع ظالم قالم فما نظر يزيد إلى رأس الحسين قال :

يفلقن هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما

ح- ولينظر القارىء رأي الذهبي في يزيد في (سير أعلام النبلاء) ج4 ص34 : قلت : "وكان ناصبيا فظا غليظا جلفا يتناول المسكر ويفعل المنكر افتتح دولته بمقتل الحسين الشهيد واختتمها بواقعة الحرة فمقته الناس".

خ- وقال اسيوطي في (تاريخ الخلفاء) ص207 : "فقتل وجيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد لعن الله قاتله وابن زياد معه ويزيد أيضا". فما هو وجه اللعن من السيوطي ليزيد إذا لم يكن له يد في قتله (ع) ؟

د- وقد قال ابن كثير في تاريخه ج8 ص243 : "وقد أخطأ يزيد خطأ فاحشا في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام وهذا خطأ كبير فاحش مع ما انضم إلى ذلك من قتل الحسين وأصحابه علي يدي عبيد الله بن زياد وقد وقع في هله الثلاثة أام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما يحد ولا يوصف".

ذ- وقال الذهبي في تاريخ الغسلام الجزء الخاص لأحداث السنوات (61 - 80) ص30 : "قلت ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل وقتل الحسين وأخوته وآله وشرب يزيد الخمر وارتكب أشياء منكرة بغضه الناس وخرج عليه غير واحد ولم يبارك الله في عمره"

وسؤالنا هو : ألسيت هذه أقوال علماء السنة أم لا يوجد عالم سني إلا ابن تيمية ؟!

16 - ندم يزيد المزعوم

قال : "ولما بلغ يزيد قتل الحسين أظهر التوجع على ذلك وظهر البكاء في داره"

نعم , قد بالغ يزيد في الندم حتى صار - لعنه الله - بعد هذا البكاء المزعوم ينكت الرأس الشريف بقضيب بيده , ثم يترنم بأشعار جاهلية كما سيأتي نقلا عن تاريخ ابن كثير , ثم ادعى أمام الجميع وبمواجهة العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين (ع) أن بإمكانه أن يهدي ابنة الحسين (ع) جالية إلى أحد الحضور.

فإن كان ندم فهو لما قاله السيوطي في (تاريخ الخلفاء) قال في ص208 : "ولما قتل الحسين وبنو أبيه بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد فسر بقتلهم أولا ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك وأبغضه الناس وحق لهم أن يبغضوه".

فأنت ترى أيها القارىء أن ندمه سياسي للعواقب السيئة التي ترتبت على جريمته لا لأنه يرى قتل الحسين (ع) جريمة في نفسها .

17- ادعاؤه بأن يزيد لم يسب لهم حريما بل أكرم أهل بيته وأجازهم حتى ردهم إلى بلادهم .

وتتجلى مظاهر التكريم من يزيد لأهل بيت الحسين (ع) الذي يدعيه الكاتب فيما نقله ابن كثير في تاريخه ج8 ص211 :

"فلما دخلت الرؤوس والنساء على يزيد دعا أشراف الشام فأجلسهم حوله ثم دعا بعلي بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه فأدخلن عليه والناس ينظرون , فقال لعلي بن الحسين يا علي أبوك قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني فصنع الله به ما قد رأيت , فقال علي : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب فقال يزيد لابنه خالد : أجبه , قال : فما درى خالد ما يرد عليه , فقال له يزيد : قل ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم يعفو عن كثير ... ".

وذكر في نفس الصفحة عن فاطمة بنت علي قالت : "أن رجلا من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه يعنيني وكنت جارية وضيئة فارتعدت فزعة من قوله وظننت أن ذلك جائز لهم فأخذت بثياب اختي زينب وكانت أكبر مني وأعقل وكانت تعلم أن ذلك لا يجوز فقالت لذلك الرجل : كذبت والله ولؤمت وما ذلك لك وله , فغضب يزيد فقال لها : كذبت والله إن ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلت قالت : كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا قالت فغضب يزيد واستطار ثم قال إياي تستقبلين بهدا إنما خرج من الدين أبوك وأخوك فقالت زينب بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك قال كذبت يا عدوة الله قالت : أنت أمير المؤمنين مسلط تشتم ظالما تقهر بسلطانك قالت : فوالله لكأنه استحى فسكت , ثم قام ذلك الرجل فقال يا أمير المؤمنين هب لي هذه , فقال له يزيد : أعزب وهب الله لك حتفا قاضيا".

وذكر في ص215 : " فأوفده إلى يزيد بن معاوية فوضع رأسه بين يديه وعنده أبو برزة الأسلمي , فجعل يزيد ينكت بالقضيب على فيه ويقول :

يفلقن هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما

فقال له أبو برزة : ارفع قضيبك فوالله لربما رأيت رسول الله (ص) واضعا فيه على فيه يلثمه". ونحن نظن بأن كاتب المنشور لو كان متواجدا في ذاك المجلس لقال لأبي برزة : دع عنك هذا , فإن يزيدا يكرمه بهذا .

18 - مستند غريب لتبرئة يزيد

قال : أن بني هاشم وبني أمية أبناء عمومة وذلك إن هاشم بن عبد مناف والد بني هاشم وبني عبد شمس بن عبد مناف والد بني أمية إخوان فالحسين ويزيد أبناء عمومة.

إن أول ما يتبادر إلى ذهن العاقل هو التساؤل : ماذا يريد الكاتب من هذا الكلام ؟

أيقول بأن أبناء العمومة يجوز لهيم أن يقتلوا بعضهم ولاحق لكم في التدخل ؟

أم أنه يقول بأن أبناء العمومة لا يقتلون بعضهم ؟

وعلى كلا الفرضين فإن هذا الكلام نابع وبوضوح من نفس تؤمن بالعصبية والقبلية أيما إيمان.

وبغض النظر عن ذلك , فإننا قد رأينا في تاريخ حكام المسلمين أن الأخ لا يمانع في قتل أخاه في سبيل الملك فكيف بقرابة العمومة ؟!

وهل يريد أن يقول أيضا أن المعلومات الواردة عن المعارك بين رسول الله (ص) وعتاة بني أميه كأبي سفيان غير صحيحة لأن رسول الله (ص) وأبا سفيان أبناء عمومة ؟!

نعم هناك قرابة وتكنها قرابة سوء كان يبغضها رسول الله (ص) فقد روى الحاكم في (المستدرك) ج4 ص528 (8482) : عن أبي برزة الأسلمي قال كان أبغض الأحياء إلى رسول الله (ص) بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف , قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه , وقال الذهبي في التلخيص : على شرط البخاري ومسلم.

ورواه الطبراني في (المعجم الكبير ) ج18 ص229 بإضافة قول عمران بن حصين :"اكتم علي حتى أموت".

وربما كانت هذه العداوة لاصطفاء الله تعالى بني هاشم دونهم كما يذكر ذلك مسلم في صحيحه ج4 ص1782 عن واثلة عن رسول الله (ص) : "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم " , فكم حسدت الناس بني هاشم ؟

19- مكان دفن رأس الحسين (ع)

قال : لم يثبت أن رأس الحسين أرسل إلى يزيد بالشام بل الصحيح أن الحسين قتل في كربلاء ورأسه أخذ إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة .

هذا رأي الكاتب الذي ينتقى من كتب التاريخ ويختار منها ما يوافق هواه , أما ابن كثير فيختلف رأيه عن رأي الكاتب إذ يقول في تاريخه ج8 ص209: "وقد اختلف العلماء بعدها في رأس الحسين هل سيره ابن زياد إلى الشام إلى يزيد أم لا على قولي الأظهر منهما أنه سيره إليه وقد ورد في ذلك آثار كثيرة فالله أعلم ".

وقال في ص222 :"وأما رأس الحسين (رض) فالمشهور عند أهل التاريخ وأهل السير أنه بعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية ومن الناس من أنكر ذلك وعندي أن الأول أشهر فالله أعلم".

ثم نقل أخبارا منها ما رواه عن القاسم بن بخيت قال : لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينكت بقضيب كان في يده في ثغره ثم قال : إن هذا وإيانا كما قال الحصين ابن الحمام المري :

يفلقن هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما

وذكر في ج8 ص208 من تاريخه : "ثم أمر برأس الحسين فنصب بالكوفة وطيف به في أزقتها ثم سيره مع زحر بن قيس ومعه رؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية بالشام وكان مع زحر جماعة من القرسان منهم أبو بردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان الأزدي فخرجوا حتى قدموا بالرؤوس كلها على يزيد بن معاوية بالشام".

ونقل في تاريخه ج8 ص209 : "عن نجاهد قال : لما جيء برأس الحسين فوضع بين يدي يزيد تمثل بهذه الأبيات :

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج في وقع الأسل

فأهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا لي هنيا لا تسل

حين حكت بفناء بركها واستحر القتل في عبد الأسل

قد قتلنا الضعف من أشرافكم وعدلنا ميل بدر فاعتدل

وقد صرح السيوطي في (تاريخ الخلفاء) ص208 بإرسال الرأس إلى يزيد فقال : "ولما قتل الحسين وبنو أبيه بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد".

20- تشكيك الكاتب في مكان قبر الحسين عليه السلام

قال : "ولا يعلم قبر الحسين ولا يعلم مكان رأسه عليه السلام".

ولعل آخر ما في كنانة هذا الكاتب جهالته وزعمه أن قبر الإمام الحسين (ع) مجهول !! فانظر إلى ما يقوله ابن كثير في (البداية والنهاية) ج8 ص221 :

" وأما قبر الحسين (رض) فقد اشتهر عند كثير من المتأخرين أنه في مشهد على بمكان من الطف عند نهر كربلاء فيقال إن ذلك المشهد مبنى على قبره ... وذكر هشام بن الكلبي أن الماء لما أجرى على قبر الحسين ليمحي أثره نضب الماء بعد أربعين يوما فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمها حتى وقع على قبر الحسين فبكى وقال : بأبي أنت وأمي ما كان أطيبك تربتك ثم أنشأ يقول :

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه فطيب تراب القبر دل على القبر

ومما يدل على بقاء محله معروفا ما ينقله ابن كثير في ح10 ص315 : " ثم دخلت سنة ست وثلاثون ومائتين وفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب وماحوله من المنازل والدور".

نقل ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء ج12 ص35 معلقا :"وكان المتوكل فيه نصب وانحراف".

وذكر ذلك الطبري في تاريخه والسيوطي في تاريخ الخلفاء ج2 ص347 و ثم قال في ص356 :"ذكر أن الخليفة المنتصر بالله الذي كان راغبا في الخير قليل الظلم محسنا إلى العلويين وصولا لهم أزال عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين ورد على آل الحسين فدك".

بل كان القبر معروفا إلى عام 553 هـ قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج10 ص181 : "ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ... وفي ربيع الآخر خرج أمير المؤمينين بقصد الأنبار وعبر الفرات وزار قبر الحسين عليه السلام".

وقال ابن كثير في تاريخه ج8 ص222 : "وأما رأس الحسين فالمشهور عند أهل التاريخ وأهل السير أنه بعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية ثم اختلفوا بعد ذلك في المكان الذي دفن فيه الرأس فروى محمد بن سعد : أن يزيد بعث برأس الحسين إلى عمرو بن سعبد نائب المدينة فدفنه عند أمه بالبقيع , وذكر ابن أبي الدنيا من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن عمر بن صالح - وهما ضعيفان - أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد بن معاوية حتى توفى فأخذ من خزانته فكفن ودفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق قلت : ويعرف مكانه بمسد الرأس اليوم داخل باب الفراديس الثاني , وذكر ابن عساكر في تاريخه في ترجمته ريا حاضنة يزيد بن معاوية أن يزيد حين وضع رأس الحسين بين يديه تمثل بشعر ابن الزبعرى يعني قوله :

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل

قال ثم نصبه بدمشق ثلاثة ايام ثم وضع في خزائن السلاح حتى كان زمن سليمان بن عبد الملك جيء به إليه وقد بقي عظما أبيض فكفنه وطيبه وصلى عليه ودفنه في مقبرة المسلمين فما جاءت المسودة - يعني بني العباس - نبشوه وأخذوه معهم .

ختام الكلام

نحن - كشيعة - نعلم يقينا بأن من أهل السنة من يحب أهل البيت عليهم السلام , فأهل البيت (ع) ليسوا حكرا على الشيعة , فقد أمر الله بمودتهم المسلمين جميعا , بل هناك من النصارى من يحبهم وقد تأثر بهم وكتب عنهم !

ونحن نعلم أن هذه الفئة القليلة المتمسلفة فئة شاذة أموية , لا تمثل أيا من المذاهب السنية , وأنهم مهما ادعوا مودة أهل البيت النبوي (ع) , فهم يبغضونهم ويفضلون عليهم من ظلمهم وقثلهم !!

(( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ))

نرجو أن نكون قد وفقنا في تحصيل رضى الله تعالى ورضا رسول الله صلى الله عليه وآله في الدفاع عن العترة الطاهرة , خاصة فلذة كبده الإمام الحسين عليه السلام . جعلنا الله من ناصريه وإن حال بيننا الزمن.انتهى نص الكتاب اوردناه بأكمله لما فيه من فوائد جمة .

ودمتم في رعاية الله
مركز الأبحاث العقائدية



حقوق الطبع محفوظة لجميع الشيعة والموالين مع رجاء ذكر المصدر