أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد أدائه لصلاة الظهرين من يوم الخميس 2/2/1430هـ ألقى سماحة العلامة الحجة السيد عبدالله الموسوي كلمته الأسبوعية في جمع من المؤمنين، خصصها للحديث عن آثار واقعة صفين التاريخية، مبيناً موقف مناوئي الإمام علي عليه السلام الذين تلاعبوا في المفاهيم الإسلامية من أجل مصالحهم الشخصية .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
ورد في الخبر عن رسول الله (ص): " عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار ".
ذكرى لأجلى مظاهر المظلومية:
نعيش ذكرى واقعة صفين في مثل هذا اليوم، وواقعة صفين هي من الوقائع المؤلمة التي وقعت بين عليّ (ع) وبين خصومه، فهي من أوضح وأجلى مظاهر مظلومية أمير المؤمنين (ع)، واقعة صفين بالإضافة إلى أنها تُثبت مظلومية أمير المؤمنين(ع) فهي أيضاً تُبرز كيفية التلاعب بالمفاهيم، وهذا مهم جداً، وقد جاء التلاعب بالمفاهيم في قضيّتين.
مظلومية والفرق واضح...
أما مسألة المظلومية فانظر إلى كل من خرج أو من منع عِقال بعير من الزكاة كما يُقال، هؤلاء حُكِمَ عليهم بالرِّدَّة، ومن ثم حُكِم عليهم بالكفر ووجوب القتل من دون تردد، بينما من خرج بالسيف مقاتلاً إمام زمانه، فماذا يُقال عنه؟ يُقال عنه بأنه مُجتهد، ولاحظ الفرق، فهناك من يمنع عِقال بعير فيُحكم عليه بالردة عن الإسلام ويُقتل، ويكون خارجاً عن الدين وتُسمّى تلك الحروب بحروب الردة، بينما من يخرج على إمام زمانه لا يُتعامل معه بهذه الطريقة، مع أن بعض من حكم عليهم بالمرتدّين هم ممن رأى رسول الله (ص) ومحكوم عليهم بالصُّحبة أيضاً، هنا يتجلّى مدى مظلومية أمير المؤمنين (ع) هذا الرجل الذي يُعتبر أقضى المسلمين لقول الرسول (ص): "
أقضاكم عليّ "، هذا الرجل الذي قال عنه رسول الله (ص): "
يُحبّه الله ورسوله، ويحبّ الله ورسوله"، هذا الرجل الذي قال عنه رسول الله (ص): "
أنا مدينة العلم وعليّ بابها "، هذا الرجل الذي قال عنه روسول الله (ص): " إ
ذا سلك الناس طريقاً وسلك عليّ طريقاً فاسلكوا الطريق الذي سلكه عليّ" و"
عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار ".
كل هذه النصوص، كل هذه الأوسمة، كل هذه النياشين، كلها لم تدفع المظلومية عن عليّ بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، ولم يقال عمن خرج عليه إلا أنهم مجتهدون، وعندما يقال مجتهدون، فإنك تعرف معنى هذا، وكلمة مجتهد معناه: أنه يوجد ثمة ثواب أيضاً وليس فقط الاجتهاد مخطئ بلا ثواب، المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد، فالاجتهاد يكون فيه أجر وهذه المظلومية لأمير المؤمنين (ع).
أما قضية المفاهيم والتلاعب بالمفاهيم فإنك تجدها في أمرين:
الأمر الأول في رفع المصاحف:
ورفع المصاحف هذه كارثة، لأن علي بن أبي طالب (ع) قاتل على إرساء قواعد حكم الله عز وجل، قاتل من أجل نشر القرآن الكريم وأحكام القرآن الكريم، ثم يُطالب هو بالنزول على حكم القرآن، وكأنه لم يكن على حكم القرآن والعياذ بالله.
المشكلة ليست فيمن رفع القرآن الكريم، بل المشكلة في الناس الذين يقبلون هذا وليس في من رفع القرآن، لأن من رفع القرآن رفعه وهو يعلم أنه يستخدم هذا كمكيدة، لكن الناس الذين جاؤوا وأحاطوا بعليّ (ع)، حيث شهروا السيف عليه، أنِ اقبل فالرجل يدعوك إلى كتاب الله، أما رجعتَ لكتاب الله، يقول لهم مالك الأشتر: بيني وبين النصر خطوات، يقولون له: مُرْهُ أن يرجع وإلا علوناك بسيوفنا، أنت الذي تقول له لا ترجع، فانظر إلى قضية المفاهيم والتلاعب بالمفاهيم.
مدّعٍ للثقافة تجنياً على الثقافة
أنه عندما يأتيك مجموعة ممن يدّعون الثقافة وممن يدّعون العلم بالدين، ويقولون لك: هذا هو الطريق، طيب هلا أخذتَ الدين من أمير المؤمنين (ع)؟! هو إمام الزمان وهو إمام الدين في آن واحد، لذلك عندما يأتي شخص ليدّعي الثقافة تجنّياً ويحاول أن يصادر كل مثقّفي العالم، وكل مؤمني العالم بدعوى أن معه الحقّ ينتقد رجال الدين حينما يقولون: قال الله، وقال رسول الله، يقول لهم: تعالوا أنتم تتحدثون باسم الله عز وجل، نعم وماذا عنك أنت، فأنت تتحدث باسم الله عز وجل، أولست تتحدث باسم الحق؟! إذن أنت تتحدث باسم الله عز وجل؟! لأن الله يريد الحق، وأنت تدّعي بأن الحقّ معك، ومع كل أسف هنا المسألة أن هؤلاء لديهم مشكلة، ومشكلتهم هي هذه أنهم يفرّون من نقاط ضعفهم.
قتله الذي أخرجه!!!
وكمثال للمفهوم الآخر:الرواية عن رسول الله (ص) في مسألة عمّار بن ياسر: (
يا عمّار تقتلك الفئة الباغية )، وهل يوجد أوضح من مثل هذا؟! لكنهم يقولون: قتله الذي أخرجه، وانطلت على الناس، المشكلة هنا حقيقة التلاعب بعقول الناس هي المشكلة، وحتى يهرب من المشكلة أننا قتلنا عمّاراً وقُتل عمّار وهو معنا، وأننا نحن على الحقّ، وأن أولئك هم الفئة الباغية، وأولئك يقولون قتلنا عمّاراً فنحن الفئة الباغية هذا هو المقصود، وحتى يهرب من هذه المشكلة يقول لك: لولا أن عليّاً أخرج عمّاراً لما قتلناه نحن، لذا فلسنا الفئة الباغية، عليّ هو الذي أجبره على الخروج، وكأنما عليّ وضع السيف على رقبة عمّار وقال له: اخرج، أوليس عمّاراً هو الذي قال: سأقاتل هؤلاء لأنهم جانبوا الحقّ؟؟؟
من يدافع عن الحق هو المثقف الحقيقي
فعندما يواجه الإنسان المشكلة ويهرب منها تماماً كأولئك الذين يدّعون الثقافة، وقد ذكرتُ في أكثر من مرّة أن هذه العقائر التي تُرفع باسم المثقّفين واللهِ هي أبعد ما تكون عن الثقافة والمثقفين، فالمثقّفون الحقيقيون معروفون ونحن جميعاً نشاهدهم، حيث يمثّلهم الكثيرون من أبنائنا الذين كتبوا ودافعوا عن الإنسان وعن المذهب وعن الطائفة، أم أن هؤلاء ليسوا بالمثقّفين؟! فإن من كتب سواء كتب بقلمه أو كتب بلسانه كالشاعر مثلاً، ولدينا أيضاً من يُحاول أن يدافع ولو بسيفه ألا يُعتبر هذا مثقّفاً حينئذٍ حينما يعرف الحق ويدافع عنه؟! قطعاً يُعتبر مثقّفاً، أما هؤلاء فبدلاً من أن يطلبوا الحقّ ممن يحجب الحقّ عنهم، يفرّون إلى الأمام فيبدؤون بطعن المذهب والمبدأ ليلووا عُنقه ليكون في خدمة هؤلاء، فمثلاً هناك حقوق لهؤلاء محجوبة عنهم، فيوجهون سهامهم لهذا لمحجوبة عنه حقوقه، ويقولون له: أنت الذي يجب عليك أن تفعل كذا، وأنت الذي يجب عليك أن تتنازل، ويجب عليك - كما يقولون - أن تخفض رأسك للعاصفة، لئلا تقطعه العاصفة، وهذه هي اللغة الخشبية، هذه هي المشكلة.
....