بسم الله الرحمن الرحيم
ماهو دليلهم الفقهي الذي استندوا اليه في تحريم إضاءة الحجرة النبوية الشريفة ؟
جوابهم : أن محمداً مات وقبره كبقية القبور ،
والإضاءة على القبور حرام !!
فإن سألناهم: أليس من الكبائر والبدع في الدين أن تنسبوا تحريم شئ الى الله تعالى وشريعته بدون دليل ،
فهل عندكم دليل من آية أو حديث؟
يجيبون: ليس عندنا آية ولاحديث ،
بل دليلنا أن النبي صلى الله عليه وآله والصحابة لم يفعلوه ، فهو بدعة !
تقول لهم: في عصر النبي صلى الله عليه وآله لم يكن عند المسلمين القوت اليومي إلا بالكاد ،
فكيف نعرف أنهم كانوا يستطيعون أن يضيؤوا الشوارع والأزقة والمقابر ولم يفعلوا ؟
ألاترون حث الشرع على إضاءة المساجد طول الليل؟
ثم ، إذا كان كل شئ لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله والصحابة حرام ، فلماذا لا تحرمون (بدعة) إضاءة الطرقات ،
وتعتموا شوارع المملكة وأزقتها ؟!
يجيبون: القبور لاتحتاج الى ضياء ، فإضاءتها إسراف وتضييع للمال !
نعم ، هذا كل دليلهم على هذه الفتوى التي البائسة التي سببت أن يمنعوا إضاءة القبر النبوي الشريف ! فقد قصروا نظرهم على حاجة الميت للضياء وأغمضوا أعينهم عن المصالح المتعددة للأحياء من الإنارة !!!
والمفارقة الطريفة أن البلديات في أنحاء المملكة العربية السعودية جهزت المقابر بالمصابيح الكهربائية ، وارتاح الناس لذلك ،
لأن إبقاءها مظلمة سيجعلها مصدراً للتخيل والخوف ،
ومصدر خطر أن يأوي اليها الفاسدون ومدمنو المخدرات ، وأهل الجرائم .
وعندما فكر المشايخ في إشكال على هذه المفارقة : كيف حرَّمتم الإضاءة على قبر نبيكم صلى الله عليه وآله ، وحللتموه على المقابر في المدن والقرى ؟!
بادروا بعد نصف قرن الى تعميم فتوى على البلديات بوجوب تعتيم كافة المقابر في المملكة ! وهذا نصها الذي نشرته الجريدة الإقتصادية العدد 2657 بتاريخ الخميس 18يناير 2001 ، قالت :
( أصدر الدكتور محمد الجار الله وزير الشؤون البلدية والقروية تعليمات للأمانات والبلديات ومديريات المناطق ، تؤكد على منع إنارة المقابر !
وتأتي هذه التعليمات بناء على خطاب من سماحة المفتي العام للسعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء ، بعدم جواز إنارة المقابر إنارة دائمة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) . انتهى .
ويلاحظ في هذه الفتوى للمشايخ الكبار قولهم:(إنارة دائمة) لكي يتخلصوا من حديث شريف ينص على أن النبي صلى الله عليه وآله زار قبراً في الليل فأضاؤوا له سراجاً . ففي المغني لابن قدامة الحنبلي ج2ص417 : (عن ابن عباس أن النبي(ص) دخل قبراً ليلاً فأسرج له سراج.. قال الترمذي هذا حديث حسن)
والأهم في فتواهم: أنها قامت على حديث ضعيف لم يصح عندهم أنفسهم! فهذا إمامهم ناصر الألباني الذي يسمونه أمير المؤمنين الحديث في عصرنا ، أفتى بتحريم الإضاءة على القبور ، واستند الى أنه بدعة وتضييع للمال ،
وقال في أحكام الجنائز ص232: ( فإن قيل: فلماذا لم تستدل بالحديث المشهور الذي رواه أصحاب السنن وغيرهم عن ابن عباس: لعن الله زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج؟
وجوابنا عليه: أن هذا الحديث مع شهرته ضعيف الإسناد لا تقوم به حجة ، وإن تساهل كثير من المصنفين فأوردوه في هذا الباب وسكتوا عن علته ، كما فعل ابن حجر في الزواجر ، ومن قبله العلامة ابن القيم في زاد المعاد ، واغتر به جماهير السلفيين وأهل الحديث ، فاحتجوا به في كتبهم ورسائلهم ومحاضراتهم . وقد كنت انتقدت ابن القيم من أجل ذلك فيما كنت علقته على كتابه ، وبينت علة الحديث مفصلاً هناك ، ثم في (سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم 223 ) ، ثم رأيث ابن القيم في تهذيب السنن:4/342 ) نقل عن عبد الحق الإشبيلي أن في سند الحديث باذام صاحب الكلبي ، وهو عندهم ضعيف جداً ، وأقره ابن القيم ، فالحمد لله على توفيقه) . انتهى .
والحمد لله على توفيقه ، أنا رأينا الضعف في أصل دليلهم ، والتدليس في فتوى هيئتهم ، حيث استندت على حديث يعرفون سقوطه عن الحجية ؟!
ولو أنهم اعتدلوا في تفكيرهم وكانوا عقلانيين ، لقالوا إن الأصل فيما لم يرد فيه نهي من الشرع هو الإباحة والحلية ، وما دامت حرمة إضاءة القبور لم تثبت لضعف حديثها الوحيد ، فإضاءة القبر والمقابر غير حرام .
ولو أنهم قاسوا إضاءة قبر النبي صلى الله عليه وآله وكافة المقابر على احترام المساجد وتعظيمها بإضاءتها ، لكان قياسهم أقوى من تخبطهم! ولما احتاجوا التدليس!
قال المحقق الحليفي المعتبر ج2ص450: ( وما رواه أنس عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أسرج في مسجد من مساجد الله سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له مادام في المسجد ضوء من ذلك السراج ) .
وقال الشيخ زين الدين في كلمة التقوى ج1ص363: (يستحب كنس المسجد واخراج القمامة منه ويتأكد ذلك في يوم الخميس وليلة الجمعة ، ويستحب الإسراج فيه ليلاً ، من غير فرق بين أوقات الصلاة وغيرها ووجود المصلين وعدمهم ، وحاجة المسجد الى الإنارة وعدمها ، فإن ذلك من تعظيم شعائر الله ). انتهى.
لكن القوم أصابتهم هذه المصيبة لتنقيصهم مقام النبي صلى الله عليه وآله ومسجده وآثاره ،
وهي عقيدةٌ ورثوها من إمامهم ابن تيمية وورثها هو من أئمته الأمويين ، الذين كانت عندهم حساسية من تعظيم المسلمين لنبيهم صلى الله عليه وآله وقبره الشريف وفي المقابل احتقارهم للخليفة الأموي وقصره وحكومته ، فروجت الحكومات الأموية حتى الكفريات أو سكتت عليها ، للرفع من مقام الخليفة والتنقيص من مقام النبي صلى الله عليه وآله !
قال الجاحظ : خطب الحجاج بالكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله )بالمدينة فقال: تباً لهم إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية ! هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ؟! ألا يعلمون أن خليفة المرأ خير من رسوله) ؟!!!
(الكامل للمبرد ص 126، والعقد الفريد لابن عبد ربه ص 1218 ، وحياة الحيوان للدميري ص 283، وشرح النهج لابن أبي الحديد ص 2828 ، ونثر الدرر للآبي ص 773، راجع موقع الوراق : إضغط هنا )
أعاذنا الله من التأثر بهذا المادي المنافق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .