حاول بعض العلماء والمفسرين من أهل السنة حل الإشكالات التي وقعوا
فيها بسبب إصرارهم على تحريم الزواج المؤقت فقالوا بأن آية {
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ
فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
} منسوخة ومادامت قد نسخت فلا يجوز العمل بها ، دعونا نقرأ ما
أورده علماء أهل السنة ومفسريهم ونرى هل الآية منسوخة أم لا .....
- قال الثعلبي
في تفسيره ج3 ص 288 (( وقال النبي صلى الله
عليه وآله: هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث ))
- قال عبدالرزاق
في المصنف في ج7 ص 502 في باب المتعة (( عن
الزهري عن القاسم بن محمد قال : إني لأرى تحريمها في القرآن ، قال
: فقلت : أين ؟ قال فقرأ عَليّ هذه الآية { والذين هم لفروجهم
حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ))
- قال القرطبي
في تفسيره ج3 ص 1700 (( قال سعيد بن المسيب
: نسختها آية الميراث ... ، وقالت عائشة والقاسم بن محمد : تحريمها
ونسخها في القرآن وذلك قوله تعالى { والذين هم لفروجهم حافظون *
إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } .... وعن
ابن مسعود قال : المتعة منسوخة نسخها الطلاق والعدة والميراث
))
- قال السيوطي
في تفسيره ج5 ص 484 (( أخرج الطبراني و
البيقهي في سننه عن ابن عباس قال : كانت المتعة في أول الإسلام
وكانوا يقرأون هذه الآية { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ
( إلى أجل مسمى ) } فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة
فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته لتحفظ متاعه وتصلح له شأنه
حتى نزلت هذه الآية { حُرّمَت عَليكمُ أمّهاتُكم ..} إلى آخر الآية
فنسخ الأولى فحرمت المتعة ..)) وكذلك قال السيوطي في التفسير ((
وأخرج أبو داوود في ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق عطاء عن ابن
عباس في قوله { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ فَريضَة } قال : نسختها { يا أيها النبي إذا طلقتم
النساء فطلقوهن لعدتهن } و{ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء }
و { اللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر
} ))
- وقال الخازن
في تفسيره ج1 ص 343 ، ط دار المعرفة (( ذهب
جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم أي أن نكاح المتعة حرام والآية
منسوخة واختلفوا في ناسخها
))
- وقفات حول ما
نقلناه :
ولنا هنا أكثر من وقفة ، أن كل هذه الأقوال والروايات تثبت في
المقام الأول نزول الآية في زواج المتعة ثم تتطرق لنسخها ، فإن نسخ
الآيات لآية المتعة دليل على إن الآية كانت في زواج المتعة ثم نزل
ناسخها كما يزعمون ، إذن فهم بدون أن يشعروا يثبتون ما ينكره بعض
أهل السنة من كون الآية في زواج المتعة ، وفي المقام الثاني فإن من
يصر منهم على كون الآية منسوخة بالقرآن فهو يرد على بعض أهل السنة
الذين يدعون أن السنة هي التي نسخت آية المتعة وليس القرآن الكريم
ويصرون على ذلك !! وثالثاً إذا كان الناسخ من القرآن فيجب أن يكون
معروفاً ومحدداً لا سيما أن الآية تدخل في الأعراض والأولاد فهي
قضية مهمة وخطيرة ، ولكننا مما نقلناه نجد أنهم متناقضين ، وعندما
نرى الذين ادعوا أن الآية منسوخة فنرى أنهم قد تخبطوا في الناسخ ،
وشرّقوا وغرّبوا وادعى كل واحد منهم شيئاً بخلاف ما ادعاه أصحابه
حتى إن بعضهم ادعوا إنها آية المتعة نسخت بآية نزلت قبلها ؟!
فمنهم من قال انها منسوخة بالآية السابعة من سورة المؤمنون ، ومنهم
من قال إنها منسوخة بالآية الأولى من سورة الطلاق ، ومنهم من قال
نسختها الآية الثالثة من سورة النساء وقال آخرون لا بل نسختها
الآية الثانية عشر من النساء ، ومنهم من قال إن الناسخة هي الآية
الثامنة والعشرين بعد المئتين من سورة البقرة !! فما هذا التخبط
والتناقض ؟! والذي سوف يُلاحظ في أغلب كلامهم ودعاواهم في بحث
الزواج المؤقت !!
- الرد على دعوى
الآيات الناسخة :
وللرد على الآيات المدعاة في النسخ فإليك أخي القارئ ما كتبه
العلامة الفقيه المفسر آية الله السيد الطباطبائي في تفسيره
الميزان حيث ناقش دعوى النسخ وننقل من كلامه ما يلي :
((
وأما النسخ فقد قيل: إن الآية منسوخة بآية
المؤمنون: { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت
أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون }
«المؤمنون: 7»، وقيل منسوخة بآية العدة {يا أيها النبي إذا طلقتم
النساء فطلقوهن لعدتهن } «الطلاق: 1»، {و المطلقات يتربصن بأنفسهن
ثلاثة قروء }الآية: «البقرة: 228»، حيث إن انفصال الزوجين إنما هو
بطلاق وعدة وليسا في نكاح المتعة، وقيل: منسوخة بآيات الميراث { و
لكم نصف ما ترك أزواجكم الآية } «النساء: 12»، حيث لا إرث في نكاح
المتعة، وقيل منسوخة بآية التحريم { حرمت عليكم أمهاتكم و بناتكم }
الآية، فإنها في النكاح، وقيل: منسوخة بآية العدد { فانكحوا ما طاب
لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع الآية } «النساء: 3»، وقيل:
منسوخة بالسنة نسخها رسول الله صلى الله عليه وآله عام خيبر، وقيل:
عام الفتح، وقيل: في حجة الوداع، وقيل: أبيحت متعة النساء ثم حرمت
مرتين أو ثلاثاً، وآخر ما وقع واستقر عليه من الحكم الحرمة.
أما النسخ بآية
المؤمنون، ففيه أنها لا تصلح للنسخ، فإنها مكية وآية المتعة مدنية،
ولا تصلح المكية لنسخ المدنية، على أن عدم كون المتعة نكاحاً
والمتمتع بها زوجة ممنوع، وناهيك في ذلك ما وقع في الأخبار
النبوية، وفي كلمات السلف من الصحابة والتابعين من تسميتها نكاحاً،
والإشكال عليه بلزوم التوارث والطلاق وغير ذلك سيأتي الجواب عنه.
وأما النسخ بسائر
الآيات كآية الميراث وآية الطلاق وآية العدد ففيه أن النسبة بينها
وبين آية المتعة ليست نسبة الناسخ والمنسوخ، بل نسبة العام والمخصص
أو المطلق والمقيد، فإن آية الميراث مثلاً تعم الأزواج جميعاً من
كل دائم ومنقطع والسنة تخصصها بإخراج بعض أفرادها، وهو المنقطع من
تحت عمومها، وكذلك القول في آية الطلاق وآية العدد، وهو ظاهر، ولعل
القول بالنسخ ناش من عدم التمييز بين النسبتين . نعم ذهب بعض
الأصوليين فيما إذا ورد خاص ثم عقبه عام يخالفه في الإثبات والنفي
إلى أن العام ناسخ للخاص.
لكن هذا مع ضعفه
على ما بين في محله غير منطبق على مورد الكلام، وذلك لوقوع آيات
الطلاق وهي العام في سورة البقرة، وهي أول سورة مدنية نزلت قبل
سورة النساء المشتملة على آية المتعة، وكذلك آية العدد واقعة في
سورة النساء متقدمة على آية المتعة، وكذلك آية الميراث واقعة قبل
آية المتعة في سياق واحد متصل في سورة واحدة فالخاص أعني آية
المتعة متأخر عن العام على أي حال.
وأما النسخ بآية
العدة فبطلانه أوضح فإن حكم العدة جار في المنقطعة كالدائمة وإن
اختلفتا مدة فيئول إلى التخصيص أيضا دون النسخ.
وأما النسخ بآية التحريم فهو من أعجب ما قيل
في هذا المقام أما أولاً فلأن مجموع الكلام الدال على التحريم
والدال على حكم نكاح المتعة كلام واحد مسرود متسق الأجزاء متصل
الأبعاض فكيف يمكن تصور تقدم ما يدل على المتعة ثم نسخ ما في صدر
الكلام لذيله؟، و أما ثانيا فلأن الآية غير صريحة و لا ظاهرة في
النهي عن الزوجية غير الدائمة بوجه من الوجوه، وإنما هي في مقام
بيان أصناف النساء المحرمة على الرجال ثم بيان جواز نيل غيرها
بنكاح أو بملك يمين، ونكاح المتعة نكاح على ما تقدم، فلا نسبة بين
الأمرين بالمباينة حتى يئول إلى النسخ
((
******
- إذن هي ليست
منسوخة .. !؟
هذه دعوى النسخ وقد تبين تناقضهم فيها ، ونقلنا الرد على الآيات
المدعاة آية آية ، وبه وضح بطلان دعواهم ، بل إن الصحيح أن الآية
لم تنسخ وأنها محكمة وقد ذكر ذلك عدة من علماء أهل السنة منهم :
1- البغوي في
تفسيره ج1 ص414 ، ط دار المعرفة ، قال ((
كان ابن عباس يذهب إلى أن الآية محكمة وترخص في نكاح المتعة
))
2- الشوكاني في
تفسيره ج1 ص450 ، ط دار الفكر ، قال (( وقد
روي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة وأنها باقية لم تنسخ
))
3- وكذلك قول
النووي في المجموع ج 16 ص 253 ، ط دار الفكر ((
وقيل في قوله تعالى
{
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ }
المراد نكاح المتعة والآية محكمة ))
4- تفسير الطبري ج 5 ص 19 ، ط الأولى دار إحياء التراث العربي
((
حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن
الحكم قال : سألته عن هذه الآية {
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ }
إلى هذا الموضع { فَمَا
اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ
} أمنسوخة هي قال : لا
))
5- قال السيوطي
في تفسيره في المجلد 2 ص 486 ، ط دار الفكر بيروت ((
وأخرج عبدالرزاق وأبو داود في ناسخه وابن
جرير عن الحكم أنه سئل عن هذه الآية أمنسوخة قال : لا ))
6- قال الثعلبي
في تفسيره ج3 ص 286 ، ط الأولى منشورات دار إحياء التراث العربي
(( ثم اختلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة ؟
فقال ابن عباس : هي محكمة ورخّص في المتعة ))
7- و أيضاً قال
الثعلبي في تفسيره ج3 ص 286 (( وروى شعبة عن
الحكم قال : سألته عن هذه الآية { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ
مِنْهُنَّ } أمنسوخة هي ؟ قال : لا ، قال الحكم قال علي بن أبي
طالب : لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي ))
8- قال الزمخشري
في تفسيره ج1 ص 519 ، من منشورات الدار العالمية ((
وعن ابن عباس هي محكمة يعني لم تنسخ
))
فهذه الروايات
والأقوال تدل على عدم وقوع النسخ وأن الآية محكمة ويجوز العمل بها
، و لمن أرد الاستزادة والتفصيل في بحث النسخ لهذه الآية فإننا
نحيله لما كتبه آية الله العلامة الفقيه السيد الطباطبائي في
تفسيره الميزان في بحثه حول النكاح المؤقت في ج 4 ص 271 وما بعدها
، وكذلك ما كتبه الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في كتابه من فقه الجنس
في قنواته المذهبية في بحث دعوى النسخ.