الشبهة الخامسة: متى كان التحريم المزعوم؟

     

بعد أن يأس المخالفون من إثبات نسخ الآية المباركة ، زعموا أن رسول الله  صلى الله عليه وآله هو الذي حرّم الزواج المؤقت وهكذا تنسخ السنة كلام الله !! وبدون أن ندخل معهم في كلام حول إمكانية نسخ السُنة للقرآن وهو أمر يطول الكلام فيه ، إلا أننا نسأل وبكل بساطة عن هذا التحريم النبوي المزعـوم متى كان ؟ وأين ؟ ثم لو كان هناك تحريم  فلماذا لم يعمل به الصحابة ؟! ولماذا لم تجمع عليه الأمة ؟!

ستفاجأ بالعديد من الإجابات المختلفة و المتناقضة ، وستجد أمامك عدة تواريخ ومع كل واحد منها زعم بأن التحريم وقع فيه ، والمضحك أن البعض أراد أن يحل هذا الإشكال فزعم أن النبي كان يحرّم الزواج المؤقت ثم يبيحه ، ثم يحرمه ثم يبيحه ، ثم يحرمه ثم يبيحه وهكذا ...

 

وإليك بـعض أقـوالهـم :

1- قال القرطبي في تفسيره ج5 ص 130 (( واختلف العلماء كم مرة أبيحت ونسخت ، ففي صحيح مسلم عن عبدالله قال : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله ليس لنا نساء ، فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ، قال أبو حاتم البستي في صحيحه : قولهم للنبي صلى الله عليه وآله ((ألا نستخصي)) دليل على أن المتعة كانت محظورة قبل أن أبيح لهم الاستمتاع ، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنى ، ثم رخص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل ثم نهى عنها عام خيبر ، ثم أذن فيها عام الفتح ثم حرمها بعد ثلاث فهل محرمة إلى يوم القيامة

وقال ابن العربي : وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة لأنها أبيحت في صدر الإسلام ثم حُرمت يوم خيبر ، ثم أبيحت في غزوة أوطاس ثم حُرمت بعد ذلك واستقر الأمر على التحريم وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة ، لأن النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت بعد ذلك ، وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرات ، فروى ابن أبي عمرة أنها كانت في صدر الإسلام ، وروى سلمة بن الأكوع أنها كانت عام أوطاس ، ومن رواية علي تحريمها يوم خيبر ، ومن رواية الربيع بن سبرة إباحتها يوم الفتح ، قلت : وهذا الطرق كلها في صحيح مسلم ........ وقال عمرو (بن ميمون) عن الحسن (البصري) : ما حلت المتعة قط إلا ثلاثاً في عمرة القضاء ما حلت قبلها ولا بعدها ، وروى هذا عن سبرة أيضاً ))

 

2- وروى البيهقي في السنن الكبرى ج10 ص 492  عدة روايات حول إباحة و تحريم الزواج المؤقت نذكر منها ((  بسنده عن أبي ذر قال : إنما أحلت لنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله متعة النساء ثلاثة أيام ثم نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وآله  ))

وتليها هذه الرواية مباشرة  (( بسنده عن أبي ذر أيضاً قال : إن كانت المتعة لخوفنا و لحربنا ))

 

3- ونقل الخازن في تفسيره ج1 ص 343  / وابن قدامة في المغني ج7 ص 179 عن الشافعي قوله (( لا أعلم في الإسلام شيئاً أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم غير المتعة ))

 

4-  قال الألوسي البغدادي في تفسيره روح المعاني ج5 ص 5 (( ولا نزاع عندنا في انها أحلّت ثم حرمت وذكر القاضي عياض في ذلك كلاماً طويلاً ، والصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين وكانت حلالاً قبل يوم خيبر ثم حرمت يوم خيبر ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لاتصالهما ثم حرمت يومئذ بعد ثلاث تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة ، واستمر التحريم ولا يجوز أن يقال أن الإباحة مختصة بما قبل خيبر والتحريم يوم خيبر للتأبيد وأن الذي كان يوم الفتح مجرد توكيد التحريم من غير تقدم إباحة يوم الفتح إذ الأحاديث الصحيحة تأبى ذلك .. ))

 

5-  قال الزمخشري في تفسيره ج1 ص 519  ، ط الدر العالمية (( وقيل نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله صلى الله عليه وآله ثم نسخت ...... وقيل أبيح مرتين وحرم مرتين وعن ابن عباس هي محكمة لم تنسخ ))

 

6- قال ابن رشد في بداية المجتهد ج2 ص 57  (( وأما نكاح المتعة و إن تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله بتحريمه إلا أنها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم ، ففي بعض الروايات أنه حرمها يوم خيبر وفي بعضها يوم الفتح وفي بعضها في غزوة تبوك وفي بعضها في حجة الوداع وفي بعضها في عمرة القضاء وفي بعضها في عام أوطاس ))

 

7- روى السيوطي في تفسيره في ج5 ص 485 (( عن سلمة بن الأكوع قال : رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وآله في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها بعدها ))

وقال السيوطي أيضاً (( وأخرج مالك وعبدالرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن علي بن أبي طالب (( أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية ))

 

8- قال ابن عاشور في تفسيره ج4 ص 88  في حديثه عن نكاح المتعة (( وهو نكاح قد أبيح في الإسلام لا محالة ، و وقع النهي عنه يوم خيبر أو يوم حنين على الأصح ، والذين قالوا : حرم يوم خيبر قالوا : ثم أبيح في غزوة الفتح ثم نهى عنه في اليوم الثالث من يوم الفتح ، وقيل : نهي عنه في حجة الوداع ، قال أبو داوود : وهو أصح ، والذي استخلصناه أن الروايات فيها مضطربة اضطراباً كبيراً )) 

 

9-  نقل المتقي الهندي في كنز العمال العديد من الروايات في  ج 16  في باب المتعة  ننقل بعضها (( عن علي قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية في زمن خيبر  ))

(( عن محمد ابن الحنفية قال : تكلم علي وابن عباس في متعة النساء فقال له علي : إنك امرؤ تائه إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن متعة النساء في حجة الوداع )) 

(( عن سلمة بن الأكوع قال : رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وآله عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنها ))

(( عن الحسن قال : ما حلت المتعة قط إلا في عمرة القضاء ثلاثة أيام ما حلت قبلها ولا بعدها ))

(( عن سبرة : قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن متعة النساء يوم خيبر ))

(( عن سبرة : أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن متعة النساء يوم الفتح ))

(( عن سبرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ينهى عن متعة النساء في حجة الوداع ))  لاحظوا التناقض والتعارض في هذه الروايات وكيف أرادوا انقاذ الخليفة مما وقع فيه فنسبوا التحريم للنبي  وقام كل واحد منهم يضع ما يشاء من التواريخ والأحداث ، والروايات الثلاثة الأخيرة رواها سبرة الجهني و روى غيرها أيضاً وانظروا إلى ما فيها من التناقض !! فإذا كان سبرة وهو رجل واحد لم يستطع ضبط ما يدعيه من تحريم النبي فلا عجب أن تخبط رواتهم و علمائهم و قديماً قيل : لا حافـظة لكـذوب .

 

10- قال عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي السهيلي المتوفى عام  581 هـ في كتابه الروض الآنف ج 4 ص 59 ط مؤسسة نبغ الفكر العربي (( وقد اختلف في تحريم نكاح المتعة فأغرب ما روي في ذلك رواية من قال : إن ذلك كان في غزوة تبوك ، ثم رواية الحسن أن ذلك كان في عمرة القضاء ، والمشهور في تحريم نكاح المتعة رواية الربيع بن سبرة عن أبيه أن ذلك كان عام الفتح ، وقد خرّج مسلم الحديث بطوله وفي هذا أيضاً حديث آخر أخرجه أبوداود أن تحريم نكاح المتعة كان في حجة الوداع ، ومن قال من الرواة كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن قال عام الفتح فتأمله و الله المستعان ))

 

11- قال النيسابوري في تفسير غرائب القرآن ج 2 ص 393 (( و مما يدل على ثبوت المتعة ما جـاء في الـروايـات أن النبـي صلى الله عليه وآله نهـى عـن المتعـة وعن لحوم الحـمـر الأهلية يوم خيبر ، وأكثر الروايات أنه صلى الله عليه وآله أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح وذلك أن أصحابه شكوا إليه يومئذ طول العزوبة فقال : استمتعوا من هذه النساء ، وقول من قال انه حـصل التحـليل مراراً والنسخ مراراً ضعـيف لم يقـل به أحد من المعتبرين إلا الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات ))          

 

وسبق أن نقلنا كلام الفخر الرازي حول أن خبر التحريم خبر آحاد وهو لا ينسخ ما قطع بصدوره  ، كما أن جمعاً من كبار الصحابة ليس لديهم علم بصدور نهي من النبي  صلى الله عليه وآله في هذه المسألة المهمة  لا سيما ممن يعتبرون علماء الصحابة وفقهائهم والملازمين لرسول الله  صلى الله عليه وآله وهو أمر يصعب قبوله .

لاحظوا التناقض و التعارض في كل هذه الروايات والأقوال ، وكيف انهم أرادوا انـقاذ الخليفة مما وقع فيه فنسبوا التحريم للنبي وقام كل واحد منهم يضع وينفي ما يشاء من التواريخ والأحداث ، وكأنهم في مزاد علني ، ولما رأوا أن الخرق اتسع على الراتق وأنهم أرادوا أن يكحلوه فأعموه قاموا بمحاولات جديدة للجمع والتوفيق بين الروايات ، وحذفوا ما حذفوا و وضعوا ما وضعوا ويكاد المريب أن يقول خذوني ، بينما لو كان النبي فعلاً قد حرّم المتعة وأنه كرر ذلك في خيبر وأوطاس والفتح والوداع وغيرها لعلم به الصحابة ، والحال أن قسماً كبيراً منهم قال بجوازها ومارسها و أفتى بها حتى عهد عمر وسبق أن ذكرنا أسماء الرجال منهم و النساء ، كما إن النسخ و التحريم بهذه الكيفية التي يدعيها أهل السنة فيها تلاعب بالمجتمع فضلاً عن الشريعة المقدسة ، فإن الأحكام الشرعية تأتي من لدن حكيم خبير و لا تكون بهذه الصورة المنفرة المشكـكة . 
 

     

فهــرس الكتــاب

     

شبكة أنصار الصحابة المنتجبين