|
بعد استقرار الفكر الإسلامي وتوحد فكر أهل السنه والجماعة استنادا على المتبنيات الفكرية لأبي الحسن الأشعري في الأصول والمذاهب الأربعة في الفروع برز في القرن الرابع الهجري فرقة من فرق الحنابلة تمسكت بالأخذ بالأحاديث حتى ولو كانت ضعيفة وغير صحيحة فالأخذ بالحديث الضعيف أو غير الصحيح حسب قولهم أفضل من الإفتاء بالرأي وكان هذا منهج احمد ابن حنبل في الأخذ بالأحاديث في الجانب الفقهي والتشريعي،ولكن هذا التيار كان يأخذ بهذه الأحاديث الضعيفة حتى في أصول العقائد وقد أدى هذا الأمر الى أخذهم وتبنيهم للأحاديث الإسرائيلية الموضوعة من قبل اليهود والنصارى الذين اسلموا ولم يروا رسول الله(ص) وأدخلوا أحاديث التجسيم الإسرائيلية وتشبيه الله بآدم ككعب الأحبار ووهب بن منبه ... وسميت هذه الفرقة في التأريخ الإسلامي بـ (حشوية الحنابلة)(1) … وقد تنبه الحنابلة أنفسهم إلى هذه الحقيقة فردوا عليهم وعلى أحاديث كعب الأحبار كابن كثير صاحب التفسير المشهور حيث يقول (اسلم كعب في الدولة العمرية وجعل يحدث عمر عن كثب فربما استمع له عمر، فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها وليس لهذه الأمة - والله أعلم- حاجة إلى حرف واحد مما عنده) (2)
وقد تبلور هذا الاتجاه في القرن الثامن الهجري بمدرسة ابن تيميه الذي يتعارض مع المدرسة الأشعرية ويرفضها ويدعو إلى التمسك بالحديث والأخذ بظاهر معاني الكتاب فقط بعيدا عن العقل والتأويل في الأصول ويرفض المذاهب الأربعة في الفروع، (مع الإدعاء بتبني اغلب الآراء الفقهية لأحمد ابن حنبل) ولم يكتف هذا التيار بذلك الطرح فحسب ، بل تبنى تضليل من يخالفه الرأي (إستناداً الى أحاديث ضعيفة وغير صحيحة ) ممن يعتقد بشفاعة الأنبياء والرسل في الحياة الدنيا وممن يعتقد باستحباب زيارة قبر الرسول (ص) الأعظم والأولياء ويؤمن بتنزيه الله عن صفات الخلق ولا يؤمن بالتجسيم ومشابهة الله في جسمانيته لخلقه (استنادا إلى بعض الأحاديث الإسرائيلية والموضوعة في هذا الشأن ). فابن تيميه ومن سار على خطه كابن القيم الجوزية أو محمد بن عبد الوهاب يعتقدون بان الله له جسم كالإنسان وله وجه وعينان ويدان ورجلان ينزل ويصعد بين العرش والسماء والدنيا
، بل إن ابن تيميه كان في خطبه ينزل درجة من درجات المنبر ويقول إن نزول الله من السماء إلى الدنيا كنزولي هذا (3)، ويقول محمد بن عبد الوهاب(من لم يقل إن الله خلق آدم على صورة الرحمن فهو جهمي)(4)
وهذا الاعتقاد يسميه الوهابيون بإثبات الصفات، أما من ينزه الله سبحانه وتعالى عن هذه الأوصاف وعن التجسيم كما هو حال غيرهم من المسلمين فانهم ينعتوهم بمسميات منكرة كتسميتهم ( منكري الصفات) و(المعطلة) و(معطلي الصفات) و (الملحدين بأسماء الله) و(الجهمية)(5) نسبة إلى الجهم بن صفوان حيث يدعون بانه اول من انكر صفات الله ، وفي حقيقه الأمر فان الوهابيين لا يؤمنون بهذه العقائد انطلاقا من فراغ او تصورات
ذاتية فحسب بل من الأخذ بمبدأ وجوب الأخذ بالمعاني الظاهرة لآيات القرآن الكريم وعدم تأويلها خلافا لإجماع المسلمين من غيرهم ) كألزعم ان لله يد واذن وساق وغيرها من صفات التجسيم والتشبيه بألأنسان.)
---------------------
1- نشأة الفكر الفلسفي – الشيخ الكوثري- ص 287 - السلفية – محمد الكثيري – ص48
2-- تفسير ابن كثير – ج 4 – ص 48
3- رحلة ابن بطوطة الجزء الاول ص 111-112 ، - الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة/ابن حجر العسقلاني ص144-160 -المنتخب من مدونات التراث/ابن تيميه /عزيز العظمة/ ص 465
4- طبقات الحنابلة ابن أبى يعلي الفراء ص 154- السلفية – محمد الكثيري – ص 548-160
5 - منهاج السنة النبوية / ابن تيمية ج 1 ص 175 |