13- محاربوا أمير المؤمنين عليه السلام

هـ- عمرو بن العاص

     

وهو صاحب معاوية ولولاه لما بلغ معاوية ما بلغ ، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 3 ص 54 ت 15 ما يلي باختصار:

عمرو بن العاص بن وائل .
الامام أبو عبد الله ، ويقال : أبو محمد السهمي .
داهية قريش ورجل العالم ، ومن يضرب به المثل في الفطنة ، والدهاء ، والحزم .
هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما في أوائل سنة ثمان ، مرافقا لخالد بن الوليد ، وحاجب الكعبة عثمان بن طلحة ، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بقدومهم وإسلامهم ، وأمر عمرا على بعض الجيش ، وجهزه للغزو .
له أحاديث ليست كثيرة ، تبلغ بالمكرر نحو الاربعين ، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة أحاديث منها ، وانفرد البخاري بحديث ، ومسلم بحديثين . وروى أيضا عن عائشة .

وقال أبو بكر بن البرقي: كان عمرو قصيرا يخضب بالسواد . أسلم قبل الفتح سنة ثمان ، وقيل: قدم هو وخالد ، وابن طلحة ، في أول صفر منها .
قال البخاري: ولاه النبي صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل . نزل المدينة ثم سكن مصر ، وبها مات .
روى محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ابنا العاص مؤمنان ، عمرو وهشام " .
وروى عبد الجبار بن الورد ، عن ابن أبي مليكة ، قال طلحة: ألا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ ؟
إني سمعته يقول: " عمرو بن العاص من صالحي قريش ، نعم أهل البيت أبو عبد الله ، وأم عبدالله ، وعبد الله " .
الثوري: عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم النخعي قال : عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء لعمرو على أبي بكر وعمر وسراة أصحابه .
قال الثوري: أراه قال: في غزوة ذات السلاسل .

روى مجالد ، عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة: معاوية ، وعمرو ، والمغيرة ، وزياد . فأما معاوية فللاناة والحلم ، وأما عمرو فللمعضلات ، والمغيرة للمبادهة ، وأما زياد فللصغير والكبير .
وقال أبو عمر بن عبد البر: كان عمرو من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية ، مذكورا بذلك فيهم . وكان شاعرا حسن الشعر ، حفظ عنه منه الكثير في مشاهد شتى ... وكان أسن من عمر بن الخطاب ، فكان يقول: إني لاذكر الليلة التي ولد فيها عمر رضي الله عنه .
وقد سقنا من أخبار عمرو في المغازي وفي مسيره إلى النجاشي ، وفي سيرة عمر بن الخطاب ، وفي الحوادث ، وأنه افتتح إقليم مصر وولي إمرته زمن عمر ، وصدرا من دولة عثمان . ثم أعطاه معاوية الاقليم ، وأطلق له مغله ست سنين لكونه قام بنصرته ، فلم يل مصر من جهة معاوية إلا سنتين ونيفا .
ولقد خلف من الذهب قناطير مقنطرة .

وكان من رجال قريش رأيا ، ودهاء ، وحزما ، وكفاءة ، وبصرا بالحروب ، ومن أشراف ملوك العرب ، ومن أعيان المهاجرين ، والله يغفر له ويعفو عنه ، ولولا حبه للدنيا ودخوله في أمور ، لصلح للخلافة ، فإن له سابقة ليست لمعاوية .
وقد تأمر على مثل أبي بكر وعمر ، لبصره بالامور ودهائه .


جرير بن حازم ، حدثنا الحسن: قال رجل لعمرو بن العاص:
أرأيت رجلا مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحبه أليس رجلا صالحا ؟
قال: بلى .
قال: قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحبك ، وقد استعملك .
قال: بلى . فو الله ما أدري أحبا كان لي منه أو استعانة بي ، ولكن سأحدثك برجلين مات وهو يحبهما ، ابن مسعود وعمار .
فقال: ذاك قتيلكم بصفين .
قال: قد والله فعلنا .


روى ضمرة ، عن الليث بن سعد ، قال: نظر عمر إلى عمرو بن العاص ، فقال: ما ينبغي لابي عبد الله أن يمشي على الارض إلا أمير .
وشهد عمرو يوم اليرموك ، وأبلى يومئذ بلاء حسنا .
وقيل : بعثه أبو عبيدة ، فصالح أهل حلب وأنطاكية ، وافتتح سائر قنسرين عنوة .
وقال خليفة: ولى عمر عمرا فلسطين والاردن ، ثم كتب إليه عمر ، فسار إلى مصر ، وافتتحها ، وبعث عمر الزبير مددا له .
وقال ابن لهيعة: فتح عمرو بن العاص الاسكندرية سنة إحدى وعشرين ، ثم انتقضوا في سنة خمس وعشرين .
وقال الفسوي: كان فتح ليون سنة عشرين ، وأميرها عمرو .
وقال خليفة: افتتح عمرو طرابلس الغرب سنة أربع وعشرين . وقيل : سنة ثلاث .

جويرية بن أسماء: حدثني عبد الوهاب بن يحيى بن عبدالله بن الزبير ، حدثنا أشياخنا:
أن الفتنة لما وقعت ، ما زال عمرو بن العاص معتصما بمكة حتى كانت وقعة الجمل ، فلما كانت ، بعث إلى ولديه عبد الله ومحمد ، فقال:
قد رأيت رأيا ، ولستما باللذين ترداني عنه ، ولكن أشيرا علي ، إني رأيت العرب صاروا غارين يضطربان ، فأنا طارح نفسي بين جزاري مكة ولست أرضى بهذه المنزلة ، فإلى أي الفريقين أعمد ؟
قال عبدالله: إن كنت لابد قاعلا فإلى علي .
قال: ثكلتك أمك ، إني إن أتيته ، قال لي: إنما أنت رجل من المسلمين ، وإن أتيت معاوية ، خلطني بنفسه ، وشركني في أمره ، فأتى معاوية .

وقيل: إنه قال لعبد الله: إنك أشرت علي بالقعود ، وهو خير لي في آخرتي .
وأما أنت يا محمد ، فأشرت علي بما هو أنبه لذكري ، ارتحلا ، فأتى معاوية ، فوجده يقص ويذكر أهل الشام في دم الشهيد .
فقال له: يا معاوية ، قد أحرقت كبدي بقصصك ، أترى إن خالفنا عليا لفضل منا عليه ، لا والله ! إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها ، أما والله لتقطعن لي من دنياك أو لانابذنك ، فأعطاه مصر (1) .
وقد كان أهلها بعثوا بطاعتهم إلى علي .


الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا سعيد بن عفير ، حدثنا سعيد ابن عبدالرحمن ، عن أبيه ، عن يعلى بن شداد بن أوس ، عن أبيه:
أنه دخل على معاوية ، وعمرو بن العاص معه ، فجلس شداد بينهما ، وقال: هل تدريان ما يجلسني بينكما ؟
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا رأيتموهما جميعا ففرقوا بينهما ، فو الله ما اجتمعا إلا على غدرة " .


وقيل: كتب علي إلى عمرو ، فأقرأه معاوية وقال: قد ترى ( ما كتب إلي علي ) ، فإما أن ترضيني ، وإما أن ألحق به .
قال: ما تريد ؟
قال: مصر .
فجعلها له .


الواقدي: حدثني مفضل بن فضالة ، عن يزيد بن أبي حبيب . وحدثني عبدالله بن جعفر ، عن عبد الواحد بن أبي عون قالا: لما صار الامر في يد معاوية ، استكثر مصر طعمة لعمرو ما عاش ، ورأى عمرو أن الامر كله قد صلح به وبتدبيره ، وظن أن معاوية سيزيده الشام ، فلم يفعل ، فتنكر له عمرو .
فاختلفا وتغالظا ، فأصلح بينهما معاوية بن حديج ، وكتب بينهما كتاب بأن: لعمرو ولاية مصر سبع سنين ، وأشهد عليهما شهودا ، وسار عمرو إلى مصر سنة تسع وثلاثين ، فمكث نحو ثلاث سنين ، ومات .

المدائني: عن جويرية بن أسماء ، أن عمرو بن العاص قال لابن عباس:
يا بني هاشم ، لقد تقلدتم بقتل عثمان فرم الاماء العوارك ، أطعتم فساق العراق في عيبه ، وأجزرتموه مراق أهل مصر ، وآويتم قتلته .
فقال ابن عباس: إنما تكلم لمعاوية ، إنما تكلم عن رأيك ، وإن أحق الناس أن لا يتكلم في أمر عثمان لانتما ، أما أنت يا معاوية ، فزينت له ما كان يصنع ، حتى إذا حصر طلب نصرك ، فأبطأت ( عنه ، وأحببت قتله ) ، وتربصت به ، وأما أنت يا عمرو ، فأضرمت عليه المدينة ، وهربت إلى فلسطين تسأل عن أنبائه ، فلما أتاك قتله ، أضافتك عداوة علي أن لحقت بمعاوية ، فبعث دينك بمصر .
فقال معاوية: حسبك ، عرضني لك عمرو ، وعرض نفسه .

أبو هلال: عن قتادة ، قال: لما احتضر عمرو بن العاص ، قال: كيلوا مالي ، فكالوه ، فوجدوه اثنين وخمسين مدا .
فقال: من يأخذه بما فيه ؟
يا ليته كان بعرا .
قال: والمد ست عشرة أوقية ، الاوقية مكوكان .
أشعث: عن الحسن ، قال: لما احتضر عمرو بن العاص ، نظر إلى صناديق ، فقال: من يأخذها بما فيها ؟ يا ليته كان بعرا ، ثم أمر الحرس ، فأحاطوا بقصره .
فقال بنوه: ما هذا ؟
فقال: ما ترون هذا يغني عني شيئا .

ابن سعد: أخبرنا ابن الكلبي ، عن عوانة بن الحكم ، قال: قال عمرو ابن العاص: عجبا لمن نزل به الموت وعقله معه ، كيف لا يصفه ؟ فلما نزل به الموت ، ذكره ابنه بقوله ، وقال: صفه .
قال: يا بني ! الموت أجل من أن يوصف ، ولكني سأصف لك ، أجدني كأن جبال رضوى على عنقي ، وكأن في جوفي الشوك ، وأجدني كأن نفسي يخرج من إبرة .
يونس: عن ابن شهاب ، عن حميد بن عبدالرحمن ، عن عبدالله بن عمرو ، أن أباه قال حين احتضر: اللهم ( إنك ) أمرت بأمور ، ونهيت عن أمور ، تركنا كثيرا مما أمرت ، ورتعنا في كثير مما نهيت اللهم لا إله إلا أنت . ثم أخذ بإبهامه ، فلم يزل يهلل حتى فاض ، رضي الله عنه .

قالوا: توفي عمرو ليلة عيد الفطر ، فقال الليث ، والهيثم بن عدي ، والواقدي ، وغيرهم: سنة ثلاث وأربعين .
وقال محمد بن عبدالله بن نمير وغيره: سنة اثنتين .
وقال يحيى بن بكير: سنة ثلاث وله نحو من مئة سنة .
وقال العجلي: وسنه تسع وتسعون .
وأما الواقدي ، فروى عن عبدالله بن أبي يحيى ، عن عمرو بن شعيب ، أن عمرا مات وهو ابن سبعين سنة ، سنة ثلاث وأربعين .
ويروى عن الهيثم: أنه توفي سنة إحدى وخمسين ، وهذا خطأ .
وعن طلحة القناد ، قال: توفي سنة ثمان وخمسين ، وهذا لا شئ .
قلت: كان أكبر من عمر بنحو خمس سنين . كان يقول: أذكر الليلة التي ولد فيها عمر ، وقد عاش بعد عمر عشرين عاما ، فينتج هذا أن مجموع عمره بضع وثمانون سنة ، ما بلغ التسعين رضي الله عنه .
وخلف أموالا كثيرة ، وعبيدا ، وعقارا ، يقال: خلف من الذهب سبعين رقبة جمل مملوءة ذهبا .
 

انتهى كلام الذهبي


قال ابن كثير في البداية والنهاية ج 7 ص 301
قال ابن جرير: وقد ذكر أن عمارا لما قتل قال علي لربيعة وهمدان: أنتم درعي ورمحي ، فانتدب له نحو من أثني عشر ألفا ، وتقدمهم علي ببغلته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد ، فلم يبق لاهل الشام صف إلا انتقض وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية وعلي يقاتل ويقول:

أضربهم ولا أرى معاوية * الجاحظ العين عظيم الحاويه

قال: ثم دعى علي معاوية إلى أن يبارزه فأشار عليه بالخروج إليه عمرو بن العاص فقال له معاوية: إنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله ، ولكنك طمعت فيها بعدي ، ثم قدم على ابنه محمد في عصابة كثيرة من الناس ، فقاتلوه قتالا شديدا ثم تبعه علي في عصابة أخرى ، فحمل بهم فقتل في هذا الموطن خلق كثير من الفريقين لا يعلمهم إلا الله وقتل من العراقيين خلق كثير أيضا ، وطارت أكف ومعاصم ورؤوس عن كواهلها ، رحمهم الله .

ثم حانت صلاة المغرب فما صلى بالناس إلا إيماء صلاتي العشاء واستمر القتال في هذه الليلة كلها وهي من أعظم الليالي شرا بين المسلمين ، وتسمى هذه الليلة ليلة الهرير ، وكانت ليلة الجمعة تقصفت الرماح ونفذت النبال ، وصار الناس إلى السيوف ، وعلي رضي الله عنه يحرض القبائل ، ويتقدم إليهم يأمر بالصبر والثبات وهو أمام الناس في قلب الجيش ، وعلى الميمنة الاشتر ، تولاها بعد قتل عبد الله بن بديل عشية الخميس ليلة الجمعة - وعلى الميسرة ابن عباس ، والناس يقتتلون من كل جانب .

فذكر غير واحد من علمائنا علماء السير - أنهم اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت ، وبالنبال حتى فنيت ، وبالسيوف حتى تحطمت ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالايدي والرمي بالحجارة والتراب في الوجوه ، وتعاضوا بالاسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان ، وكل واحد منهما يهمر على الآخر ويهمر عليه ثم يقومان فيقتتلان كما كانا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك وصلى الناس الصبح إيماء وهم في القتال حتى تضاحى النهار وتوجه النصر لاهل العراق على أهل الشام ، وذلك أن الاشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة ، فجعل بمن فيها على أهل الشام وتبعه علي فتنقضت غالب صفوفهم وكادوا ينهزمون .

فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح ، وقالوا: هذا بيننا وبينكم قد فني الناس فمن للثغور ؟ ومن لجهاد المشركين والكفار .

وذكر ابن جرير وغيره من أهل التاريخ أن الذي أشار بهذا هو عمرو بن العاص ، وذلك لما رأى ، أن أهل العراق قد استظهروا في ذلك الموقف ، أحب أن ينفصل الحال وأن يتأخر الامر فإن كلا الفريقين صابر للآخر ، والناس يتفانون .

فقال إلى معاوية: إني قد رأيت أمرا لا يزيدنا هذه الساعة إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة ، أرى أن نرفع المصاحف وندعوهم إليها ، فإن أجابوا كلهم إلى ذلك برد القتال ، وإن اختلفوا فيما بينهم فمن قائل نجيبهم ، وقائل لا نجيبهم ، فشلوا وذهب ريحهم .......

فقال علي: نعم ! وأنا أولى بذلك بيننا وبينكم كتاب الله ، قال: فجاءته الخوارج ونحن ندعوهم يومئذ القراء وسيوفهم على عواتقهم ، فقالوا: يا أمير المؤمنين ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التل ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم ؟ .......

فلما رفعت المصاحف قال أهل العراق: نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه .
قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الازدي عن أبيه أن عليا قال: عباد الله أمضوا إلى حقكم وصدقكم وقتال عدوكم ، فإن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ، صحبتهم أطفالا ، وصحبتهم رجالا ، فكانوا شر أطفال وشر رجال ، ويحكم والله إنهم ما رفعوها إنهم يقرأونها ولا تعلمون بما فيها وما رفعوها إلا خديعة ودهاء ومكيدة .

فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله .
فقال لهم: إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم به ، وتركوا عهده ، ونبذوا كتابه .
فقال له مسعر بن فدكى التميمي وزيد بن حصين الطائي ثم السبائي في عصابة معهما من القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج: يا علي أجب إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان ، إنه غلبنا أن يعمل بكتاب الله فقتلناه ، والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك .

قال: فاحفظوا عني نهيي إياكم واحفظوا مقالتكم لي ، أما أنا فإن تطيعوني فقاتلوا ، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم .
قالوا: فابعث إلى الاشتر فليأتك ويكف عن القتال ، فبعث إليه علي ليكف عن القتال ....

فروى أبو مخنف من وجه آخر أن عليا لما بعث إلى الاشتر قال: قل له إنه ليس هذه ساعة ينبغي أن لا تزيلني عن موقفي فيها ، إني قد رجوت أن يفتح الله علي ، فلا تعجلني ، فرجع الرسول - وهو يزيد بن هانئ - إلى علي فأخبره عن الاشتر بما قال ، وصمم الاشتر على القتال لينتهز الفرصة ، فارتفع الهرج وعلت الاصوات ، فقال أولئك القوم لعلي: والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل .
فقال: أرأيتموني ساررته ؟ ألم أبعث إليه جهرة وأنتم تسمعون ؟
فقالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك .
فقال علي ليزيد بن هانئ: ويحك ! قل له أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت .
فلما رجع إليه يزيد بن هانئ فأبلغه عن أمير المؤمنين أنه ينصرف عن القتال ويقبل إليه ، جعل يتململ ويقول: ويحك ألا ترى إلى ما نحن فيه من النصر ولم يبق إلا القليل ؟
فقلت: أيهما أحب إليك أن تقبل أو يقتل أمير المؤمنين كما قتل عثمان ؟
ثم ماذا يغني عنك نصرتك هاهنا ؟
قال: فأقبل الاشتر إلى علي وترك القتال .....
انتهى

وذكر ابن مزاحم المنقري في وقعة صفين ص 406 ما يلي:
وحمل أهل العراق وتلقاهم أهل الشام فاجتلدوا ، وحمل عمرو بن العاص معلما وهو يقول:

شدوا على شكتى لا تنكشف * بعد طليح والزبير فأتلف
يوم لهمدان ويوم للصدف * وفي تميم نخوة لا تنحرف
أضربها بالسيف حتى تنصرف * إذا مشيت مشية العود الصلف
ومثلها لحمير ، أو تنحرف * والربعيون لهم يوم عصف

فاعترضه على وهو يقول:

قد علمت ذات القرون الميل * والخصر والأنامل الطفول
إنى بنصل السيف خنشليل * أحمى وأرمى أول الرعيل
بصارم ليس بذى فلول

ثم طعنه فصرعه واتقاه عمرو برجله ، فبدت عورته ، فصرف علي وجهه عنه وارتث ، فقال القوم: أفلت الرجل يا أمير المؤمنين .
قال: وهل تدرون من هو ؟
قالوا: لا .
قال: فإنه عمرو بن العاص ، تلقاني بعورته فصرفت وجهى عنه .


ورجع عمرو إلى معاوية فقال له: ما صنعت يا عمرو ؟
قال: لقيني على فصرعني .
قال: احمد الله وعورتك ، أما والله أن لو عرفته ما أقحمت عليه .
وقال معاوية في ذلك:

ألا لله من هفوات عمرو * يعاتبني على تركي برازى
فقد لاقى أبا حسن عليا * فآب الوائلي مآب خازى
فلو لم يبد عورته للاقى * به ليثا يذلل كل نازى
له كف كأن براحتيها * منايا القوم يخطف خطف بازى
فإن تكن المنايا أخطأته * فقد غنى بها أهل الحجاز

فغضب عمرو وقال: ما أشد تغبيطك عليا في أمرى هذا ، هل هو إلا رجل لقيه ابن عمه فصرعه ، أفترى السماء قاطرة لذلك دما ؟ !
قال: ولكنها معقبة لك خزيا .

وقال ابن قتيبة في الامامة والسياسة ج 1 ص 95
وذكروا أن الناس مكثوا بصفين أربعين ليلة: يغدون إلى القتال ويروحون ، فأما القتال الذي كان فيه الفناء فثلاثة أيام .
فلما رأى علي كثرة القتال والقتل في الناس ، برز يوما من الايام ومعاوية فوق التل ، فنادى بأعلى صوته:
يا معاوية .
فأجابه ، فقال: ما تشاء يا أبا الحسن ؟
قال علي: علام يقتتل الناس ويذهبون ؟ على ملك إن نلته كان لك دونهم ؟ وإن نلته أنا كان لي دونهم ؟
ابرز إلي ودع الناس ، فيكون الامر لمن غلب .
قال عمرو بن العاص أنصفك الرجل يا معاوية .
فضحك معاوية وقال: طمعت فيها يا عمرو ؟
فقال عمرو: والله ما أراه يجمل بك إلا أن تبارزه .
فقال معاوية: ما أراك إلا مازحا ، نلقاه بجمعنا .
وذكروا أن عمرا قال لمعاوية: أتجبن عن علي ، وتتهمني في نصيحتي إليك ؟ والله لابارزن عليا ولو مت ألف موتة في أول لقائه .
فبارزه عمرو ، فطعنه علي فصرعه ، فاتقاه بعورته فانصرف عنه علي ، وولى بوجهه دونه .
وكان علي رضي الله عنه لم ينظر قط إلى عورة أحد ، حياء وتكرما ، وتنزها عما لا يحل ولا يجمل بمثله ، كرم الله وجهه .

وهو شريك في قتل النجيب: محمد بن أبي بكر رضي الله عنه ، قال الطبري في تاريخه ج 4 ص 78
قال ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبى بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال:
أتقتل أخى صبرا ؟ ابعث إلى معاوية بن خديج فانهه .
فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبى بكر .
فقال معاوية: أكذاك قتلتم كنانة بن بشر وأخلى أنا عن محمد بن أبى بكر ؟ هيهات أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر .
فقال لهم محمد اسقوني من الماء .
قال له معاوية بن حديج: لا سقاه الله إن سقاك قطرة أبدا إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلموه صائما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم ، والله لاقتلنك يا ابن أبى بكر فيسقيك الله الحميم والغساق .
قال له محمد: يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك اليك وإلى من ذكرت إنما ذلك إلى الله عز وجل يسقى أولياءه ويظمئ أعداءه أنت وضرباؤك ومن تولاه ، أما والله لو كان سيفى في يدى ما بلغتم منى هذا .
قال له معاوية: أتدرى ما أصنع بك ؟ أدخلك في جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار .
فقال له محمد: إن فعلتم بى ذلك فطال ما فعل ذلك بأولياء الله ، وانى لاجو هذه النار التى تحرقني بها أن يجعلها الله على بردا وسلاما كما جعلها على خليله ابراهيم وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه ان الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامك يعنى معاوية وهذا وأشار إلى عمرو بن العاص بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله سعيرا .
قال له معاوية: انى انما أقتلك بعثمان .
قال له محمد: وما أنت وعثمان إن عثمان عمل بالجور ونبذ حكم القرآن وقد قال الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) فنقمنا ذلك عليه فقتلناه وحسنت أنت له ذلك ونظراؤك فقد برأنا الله ان شاء الله من ذنبه وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه وجاعلك على مثاله .
قال: فغضب معاوية فقدمه فقتله ، ثم ألقاه في جيفة حمار ، ثم أحرقه بالنار .
فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ، ثم قبضت عيال محمد إليها فكان القاسم بن محمد بن أبى بكر في عيالها ...


_________________________________________
هامش:

(1) هذا اقرار صريح واعتراف واضح بلسان عمرو بن العاص بأنه إنما التحق بمعاوية وقاتل أمير المؤمنين عليه السلام لأجل الدنيا ولأجل ولاية مصر ... فعمرو بن العاص يعترف ويقر بهذا ، والاعتراف سيد الأدلة ، وأهل السنة يقولون: لا ، هو صحابي ولا يفعل إلا ما يرضي الله تعالى ، وهو مجتهد مأجور ! فاعتبروا يا أولي الأبصار .

 

     

فهــرس الكتــاب

     

شبكة أنصار الصحابة المنتجبين