1) ذكر
المفسرون انّه بعدما نزل قوله سبحانه: (وَأَنْذِر عَشيرتك
الأَقربين) (1) دعا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ علياً ـ
عليه السَّلام ـ وخمسة وأربعين رجلاً من سراة بني هاشم و وجوههم،
وعزم على أن يَصدع لهم من أمر رسالته في خلال تلك الضيافة، وأمر
علياً ـ عليه السَّلام ـ بإعداد الطعام واللبن، وبعد أن فرغوا من
الطعام تكلّم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال:
«إنّ الرائد لا يكذب أهله، واللّه الذي لا إله إلاّ هو إنّي رسول
اللّه إليكم خاصّة وإلى الناس عامّة، واللّه لتموتُنّ كما تنامون
ولتُبعثنّ كما تستيقظون ولتحاسبُّنّ بما تعملون وانّها الجنة أبداً
والنار أبداً».
ثمّ قال:
«يا بني عبد المطلب إنّي
واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، انّي
قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه عزّ وجل أن أدعوكم
إليه، فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي
ووصيّي وخليفتي فيكم؟».
قال علي ـ عليه السَّلام ـ
فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت وانّي لأحدثهم سنّاً، وأرمصهم
عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً: «أنا يا نبي اللّه أكون
وزيرك عليه» فأخذ برقبتي ثمّ قال: «إنّ هذا أخي و وصيّي وخليفتي
فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا» قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي
طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيعه.(2)
لقد ذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه حديث يوم الدار بشكل مفصل
ولكنّه حرّف الحديث عن مواضعه في تفسيره، فعندما حاول أن يفسر قوله
(وأنذر عشيرتك الأقربين) ذكر ما مرّ من التاريخ ولكنّه بدّل تصريح
الرسول بالوصاية والخلافة لعلي، إلى الكناية، وإليك لفظه:
فقال يا بني عبد المطلب: إنّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء
قومه بأفضل ممّا جئتكم به إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد
أمرني اللّه أن أدعوكم إليه.
فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا و كذا.
فأحجم القوم عنها جميعاً. قلت ـ(يعني علياً وإنّي لأحدثهم
سناً...ـ: أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك فأخذ برقبتي ثمّ قال:
إنّ هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعو له.(3)
ولا ريب انّ الذي دفع الطبري أو ناسخ كتابه ـ على احتمال قويّ ـ
إلى أن يرتكب مثل ذلك التحريف هو تعصبه المذهبي، فبما انّه لا
يعتبر الإمام علياً ـ عليه السَّلام ـ خليفة رسول اللّه بلا فصل،
ومن جانب آخر انّ تينك الكلمتين: «خليفتي ووصيي» تصرّحان بخلافة
علي للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بلا فصل، غيّر الحديث
نصرةً لمذهبه.
2) ولقد
فعل ابن كثير (المتوفّـى774هـ) نظير هذا في تاريخه وفي تفسيره (4)
وسلك نفس الطريق الذي سلكه ـ من قبل ـ سلفه الطبري أو ناسخ كتابه
ضارباً عرض الجدار مبدأ أمانة النقل.
ونحن لا نعذر ابن كثير في عمله هذا أبداً، لأنّه قد اعتمد في
رواياته التاريخية، في تاريخه وتفسيره معاً، تاريخ الطبري لا
تفسيره، ولا شكّ انّه قد مرّ على هذه القصة في تاريخ الطبري،
ولكنّه مع ذلك حاد عن الطريق السويّ فأعرض عن نقل رواية التاريخ في
هذه الحادثة وعمد ـ بصورة متوقعة ـ إلى نقل رواية التفسير.
3)
والأعجب من تينك الخيانتين ما ارتكبه في عصرنا الحاضر وزير المعارف
المصرية الأسبق الدكتور هيكل في كتابه «حياة محمّد»، وفتح بعمله
باب التحريف في وجه الجيل الحاضر.
إنّ المؤلِّف هاجم في مقدّمته جماعة المستشرقين بشدة وانتقدهم بعنف
لتحريفهم الحقائق التاريخية، واختلاقهم لبعض الوقائع في حين لم
يقصر هو عنهم في هذا السبيل وذلك:
أوّلاً: نقل الواقعة المذكورة (دعوة
الأقربين المعروفة) بحادثة «يوم الدار» أو حديث «بدء الدعوة» في
الطبعة الأُولى من كتابه المذكور بصورة مبتورة ومقتضبة جداً واكتفى
من الجملتين الأساسيتين بذكر واحدة منها فقط وهي قول النبي
للأقربين الحضور في ذلك اليوم: «من يؤازرني يكون أخي ووصيّي
وخليفتي» بينماحذف بالمرّة الجملة التي قالها رسول اللّه ـ صلَّى
الله عليه وآله وسلَّم ـ لعلي بعد أنْ قام للمرّة الثالثة وأعلن
مؤازرته للنبي وهي قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّ
هذا أخي ووصيّي وخليفتي».
ثانياً: انّه خطا في الطبعات الثانية
والثالثة والرابعة، خطوة أبعد حيث حذف كلتا الجملتين معاً، وبهذا
قد وجه ضربة قاضية إلى قيمة كتابه .(5)
وللقارئ أن لا يُحمِّل وزر التحريف إلى أبي جعفر الطبري على وجه
القطع واليقين لاحتمال صدوره من ناسخي تفسيره ولكن نزعات ابن كثير
الأموية تورث الاطمئنان بأنّه كان من فعله لا من جانب نسّاخ كتابه،
كما نقول باطمئنان خاص انّ وزر التحريف في كتاب «حياة محمد» على
مؤلّفه محمدحسين هيكل، فقد طرأ التغيير على كتابه وهو على قيد
الحياة ، وقيل انّه تَعرّض لضغوط كبيرة من قبل علماء الأزهر فلم
يجد بدّاً من التحريف والتغيير في الطبعات اللاحقة.
(فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبت أَيديهِمْ وَ وَيْـلٌ لَهُمْ مِمّـا
يَكْسِبُـون) .(6)
ــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
1- الشعراء:214.
2- تاريخ الطبري:2/62ـ63; تاريخ
الكامل:2/40ـ 41; مسند أحمد:1/111، إلى غير ذلك من المصادر
المتوفرة في المقام.
3- تفسير الطبري:19/75.
4- لاحظ تفسير ابن كثير:5/231 في تفسير
الآية، و تاريخه:2/38 ط دار الكتب اللبنانية.
5- راجع حياة محمد:142، الطبعة الثالثة
عشر، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ـ 1968م.
6- البقرة:79.