المثال الثالث عشر

تحريف السنة لمنع التشابه مع الشيعة

     

 

إنّ الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، ونبيها خاتم الأنبياء ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وكتابه خاتمة الكتب، وشريعته خالدة، فحلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، من غير فرق بين الواجب والحرام والسنن والطقوس، فليس على المسلم تغيير أحكامه في أيّ مجال من المجالات.

ولكنّا نرى أنّ بعض أهل السنّة رجّحوا ترك السنّة النبوية، وسمّوها البدعة بحجة انّ طائفة من المسلمين ملتزمون بالعمل بها، فلأجل الابتعاد عن التشابه بها أخذوا بالبدعة وتركوا السنّة، ولنذكر نماذج لهذا النوع من البدعة.

1. تسطيح القبر سنّة ترفض لأنّها شعار الشيعة

قال الشيـخ محمـد بن عبـد الرحمـان الدمشقـي:

السنّة في القبر، التسطيح. وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي.(1)

وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: التسنيم أولى، لأنّ التسطيح صار شعاراً للشيعة.

وقال الغزالي والماوردي: إنّ تسطيح القبور هو المشروع، لكن لمّا جعلته الرافضة شعاراً لهم عدلنا عنه إلى التسنيم.

وقال مصنّف«الهداية» من الحنفيّة: إنّ المشروع التختّم في اليمين، ولكن لمّا اتّخذته الرافضة جعلناه في اليسار.(2)

وقال الرافعي: إنّ النبي سطّح قبر ابنه إبراهيم، وعن القاسم بن محمد قال: رأيت قبر النبي وأبي بكر وعمر مسطّحة.

وقال ابن أبي هريرة : إنّ الأفضل الآن العدول من التسطيح إلى التسنيم، لأنّ التسطيح صار شعاراً للروافض، فالأولى مخالفتهم، وصيانة الميت وأهله عن الاتّهام بالبدعة.

ومثله ما حكي عنه أنّ الجهر بالتسمية إذا صار في موضع شعاراً لهم، فالمستحب الإسرار بها مخالفة لهم. واحتجّ له بما روي انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يقوم إذا بدت جنازة، فأخبر انّ اليهود تفعل ذلك، فترك القيام بعد ذلك مخالفة لهم.

وهذا الوجه هو الذي أجاب به في الكتاب ومال إليه الشيخ أبو محمد وتابعه القاضي الروياني لكن الجمهور على أنّ المذهب، الأوّل.

قالوا: ولو تركنا ما ثبت في السنّة، لإطباق بعض المبتدعة عليه، لجرّنا ذلك إلى ترك سنن كثيرة، وإذا اطرد جرينا على الشيء خرج عن أن يعدّ شعاراً للمبتدعة.(3)


2.الجهر بالبسملة

قال الإمام الرازي: روى البيهقي عن أبي هريرة قال: كان رسول اللّه يُجهر في الصلاة بـ«بسم اللّه الرحمن الرحيم» وكان عليٌّ ـ رضي اللّه عنه ـ يُجهر بالتسمية وقد ثبت بالتواتر، وكان علي بن أبي طالب يقول: يا من ذكره شرف للذاكرين، ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعى في إخفائه.

وقالت الشيعة: السنّة، هي الجهر بالتسمية، سواء أكانت في الصلاة الجهرية أو السرية، وجمهور الفقهاء يُخالفونهم ـ إلى أن قال ـ: إنّ عليّاً كان يُبالغ في الجهر بالتسمية، فلمّـا وصلت الدولة إلى بني أُميّة بالغوا في المنع من الجهر، سعياً في إبطال آثار عليّ ـ رضي اللّه عنه ـ (4).



3. الصلاة على المؤمن مفرداً سنّة ترفض

قال الزمخشري في تفسير قوله سبحانه:(إِنَّ اللّهَ وَمَلائِكته يُصَلُّونَ عَلى النَّبِي).

فإن قلت: فما تقول في الصلاة على غيره؟

قلت: القياس جواز الصلاة على كلّ مؤمن لقوله تعالى:(هُوَ الَّذي يُصلّي علَيْكُم) وقوله تعالى:(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) وقوله : اللّهم صَل على آل أبي أوفى، ولكنّ للعلماء تفصيلاً في ذلك وهو أنّها إن كانت على سبيل التبع كقولك: صلى اللّه على النبي وآله فلا كلام فيها، وأمّا إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه، لأنّ ذلك صار شعاراً لذكر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ولأنّه يؤدّي إلى الاتّهام بالرفض.(5)

وفي «فتح الباري»: اختلف في السلام على غيـر الأنبياء بعد الاتّفاق على مشروعيته في الحيّ، فقيل يشـرع مطلقاً، وقيل بل تبعاً ولا يفـرّد لواحـد لكونـه صار شعـاراً للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ أبي محمـد الجـويني.(6)

ومعنى ذلك انّه لم يجد مبرّراً لترك ما شرّعه الإسلام، إلاّ عمل الرافضة بسنة الإسلام، ولو صحّ ذلك، كان على القائل أن يترك عامة الفرائض والسنن التي يعمل بها الروافض.

وقد عزب عليه انّ الإمام البخاري ذكر في صحيحه عليّاً مقروناً بالسلام عليه في خمسة وثلاثين موضعاً كما أحصاه بعض المعاصرين.



4. ترك المستحبات إذا صارت شعاراً للشيعة

قال ابن تيمية ـ عند بيان التشبّه بالروافض ـ : ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبّات إذا صارت شعاراً لهم، فانّه وإن لم يكن الترك واجباً لذلك، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميّز السنّي من الرافضي، ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحبّ.(7)



5. ترك فعل الخيرات وإقامة المآتم يوم عاشوراء

حكى البرسوي عن كتاب«عقد الدرر واللآلي و فضل الشهور والليالي، للشيخ شهاب الدين الشهير بالرسام: المطلب الثالث المستحب في ذلك اليوم ـ يوم عاشورا ء ـ فعل الخيرات من الصّدقة والصوم والذكر وغيرهما، ولا ينبغي للمؤمن أن يتشبّه بيزيد الملعون في بعض الأفعال، وبالشيعة والروافض والخوارج أيضاً. يعني لا يجعل ذلك اليوم يوم عيد أو يوم مأتم، فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبّه بيزيد الملعون وقومه، وإن كان للاكتحال في ذلك اليوم أصلٌ صحيح، فإنّ ترك السنّة سنّة إذا كان شعاراً لأهل البدعة; كالتختّم باليمين فانّه في الأصل سنّة، لكنّه لمّا كان شعار أهل البدعة والظلمة صارت السنّة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسري في زماننا كما في شرح القهستاني.

ومن قرأ يوم عاشوراء و أوائل المحرم مقتل الحسين رضي اللّه عنه، فقد تشبّه بالروافض، خصوصاً إذا كان بألفاظ مخلّة بالتعظيم لأجل تحزين السامعين، وفي كراهية القهستاني: لو أراد ذكر مقتل الحسين ينبغي أن يذكر أوّلاً مقتل سائر الصحابة لئلا يشابه الروافض.

وقال الغزالي: يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكايته و ماجرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فانّه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم أعلام الدين، وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة، ولعلّ ذلك لخطأ في الاجتهاد لا لطلب الرياسة والدنيا كما لا يخفى.(8)

ولكن ما قيمة اجتهاد، برّر سفك دماء آلاف من المسلمين في حرب الجمل وصفين!!
 


(قُلْ كُلُّ مُتربِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصحابُ الصِراطِ السَّوِىِّ وَمَنْ اهْتَدى).(9)

 


ــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش :
1- الدمشقي: رحمة الأُمة في اختلاف الأئمّة:1/88، في هامش الميزان للشعراني.
2- الغدير:10/209.
3- العزيز في شرح الوجيز:2/453.
4- مفاتيح الغيب:1/205ـ206.
5- الكشاف: 2 / 549 .
6- فتح الباري: 11 / 14 .
7- منهاج السنّة: 2 / 143 .
8- روح البيان:4/142.
9- طه: 135 .

 

     

فهــرس الكتــاب

     

شبكة أنصار الصحابة المنتجبين