الخاتمــة

التدليس و مضاعفاته الخطيرة على التراث

     

 

إنّ التحريف بمعنى قلب الحقائق وعرض غير الواقع بصورة الواقع شيمة كثير من المحدّثين والرواة الذين ملئت أسماؤهم ورواياتهم كتب الرجال والحديث، وهذا هو الحاكم يذكر أسماء كبار من المحدّثين رووا عن أُناس ما سمعوا منهم وهم يدّعون السماع بظاهر ألفاظهم، يقول:

فليعلم صاحب الحديث انّ الحسن لم يسمع من أبي هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمر ولا من ابن عباس شيئاً قطّ، وأنّ الأعمش لم يسمع من أنس، وأنّ الشعبي لم يسمع من صحابي غير أنس، وانّ الشعبي لم يسمع من عائشة ولا من عبد اللّه بن مسعود ولا من أُسامة بن زيد ولا من علي إنّما رآه رؤية ولا من معاذ بن جبل ولا من زيد بن ثابت، وأنّ قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس، وأنّ عامة حديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة، وأنّ عامة حديث مكحول عن الصحابة حوالة، وأنّ ذلك كلّه يخفى إلاّ على الحفاظ للحديث.(1)

إنّ التدليس نوع من الكذب والدجل يروي الحاكم عن حماد بن زيد انّه يقول: المدلّس متشبّع بما لم يعط، وينقل عن عبد الصمد بن عبد الوارث يحدث عن أبيه، قال: التدليس ذلُّ، قال سليمان: التدليس والغش والغرور والخداع والكذب، يحشر يوم تبلى السرائر في نَفاذ واحد.(2)

وقال بعد ذكر أقسام التدليس وأسماء طائفة من المدلّسين، قال ما هذا لفظه:

وقال أبو عبد اللّه: قد ذكرت في هذه الأجناس الستة أنواع التدليس ليتأمّله طالب هذا العلم فيقيس بالأقل على الأكثر ولم استحسن ذكر أسامي من دلّس من أئمّة المسلمين صيانة للحديث ورواته غير انّي أدلّ على جملة يهتدي إليها الباحث عن الأئمّة الذين دلّسوا والذين تورّعوا عن التدليس.(3)

ومع أنّ الذهبي ممّن يكن للحديث والمحدثين احتراماً خاصاً، ويحاول الستر على كثير من معايبهم ومطاعنهم، وعلى الرغم من ذلك فقد ألّف كتاباً في الضعفاء جاء فيه بأسماء 7855 راوياً ومحدّثاً ضعيفاً لا يحتجّ بحديثه ولا يؤخذ به، وكفى في ذلك الرجوع إلى كتابه «المغني في الضعفاء» تحقيق أبي الزهراء حازم القاضي.

وأمّا خصوص الكذّابين والوضّاعين الذين صرح أئمة الرجال بوصفهم وكذبهم فحدث عنه ولا حرج، وقد جمع العلاّمة الأميني أسماء 700 كذّاب ووضّاع في موسوعته الغدير.(4)

ينقل ابن حِبّان في كتابه المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين عن يحيى بن معين قال: كتبنا عن الكذّابين وسجّرنا به التنّور فأخرجنا به خبزاً نضيجاً، ولما توفّـي يحيى بن معين في مدينة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحمل على نعش، فرأيتهم ينادون: معاشرُ الناس هذا ذابُ الكذب عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كذا وكذا عاماً.(5)

وما ذكرناه هذا هو الذي خرج من قلم هؤلاءعفواً، ولو كانوا بصدد رفع الستر عن الواقع لوقفت انّ الدجل والكذب والوضع شيمة كثير من الرواة والمحدّثين، غير انّ حبّ الستر حال دون بيان الحقائق.

قال الذهبي: ثمّ من المعلوم أنّه لابدّ من صون الراوي وستره، ...ولو فتحت على نفسي تليين هذا الباب لما سلم معي إلاّ القليل، إذ الأكثر لا يدرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشأن، إنّما سُمِّعوا في الصغر، وأُحتيج إلى علوّ سندهم في الكبر، فالعمدة على من قرأ لهم، وعلى من أثبت طباق السماع لهم، كما هو مبسوط في علوم الحديث.(6)

ويقول أيضاً في كتاب «معرفة الرواة المتكلم فيهم»: لو فتحنا هذا الباب (جرح الأئمّة) على نفوسنا، لدخل فيه عدّة من الصحابة والتابعين والأئمّة، فبعض الصحابة كفّر بعضَهم .(7)

فإذا كتم الحاكم النيسابوري أسامي من دلّس من أئمّة المسلمين، صيانة للحديث، ومنع صونُ الراوي وستره، الباحثَ الكبير مثلَ الذهبي، عن الإصحار بالحقيقة، أو تليين هذا الباب ـ على حدّ تعبيره ـ فهل تبقى ثقة بالصحاح والمسانيد والسنن؟!

هذا وذاك ممّا يُلزم الباحث دراسة تاريخ الحديث من جديد، ووضع ضوابط خاصة في تمييز حديث المصطفى وسنّة أبي القاسم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عمّا وضع على لسانه.



وإلى اللّه المشتكى



(يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالة فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمينَ).(8)



ــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش :
1- معرفة علوم الحديث: 111 و 103 .
2- معرفة علوم الحديث: 111 و 103 .
3- معرفة علوم الحديث: 111 .
4- الغدير: 5 / 208 ـ 275 .

5- المجروحين لابن حبان، ص 56.
6- ميزان الاعتدال: 1 / 4 .
7- معرفة الرواة: 45 .
8- الحجرات: 6 .

     

فهــرس الكتــاب

     

شبكة أنصار الصحابة المنتجبين