بسم الله الرحمن
الرحيم
التحريف لغة هو التغيير
والتبديل، قال ابن منظور: تحريف الكلم عن مواضعه، تغييره.(1)
وفي الاصطلاح : كلّ دخل وتصرّف في كلام الغير وأثره على نحو يخالف
مرماه فهو تحريف.
إنّ التراث الإسلامي الذي توارثناه عبْـر الأجيال ـ خلفاً عن سلف ـ
أمانة إلهية في أعناقنا، له ما لغيره من الأحكام ولا محيص عن حفظ
هذا التراث والاهتمام به، وأيّ دخل وتصرف فيه على نحو يؤدي إلى
تحويره، يُعدُّ خيانة للأمانة.
وقد قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاس إِنَّ اللّه يَأْمُركُمْ أَنْ
تُؤدُّوا الأَمانات إِلى أَهلها).(2)
وقال:(وَالَّذِينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُون) .(3)
وقال أيضاً: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللّه
وَالرَّسُول وَتَخُونُوا أَماناتكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون) .(4)
ومن أشدّ أنواع ذلك تحريف كتب التفسير والحديث والتاريخ التي هي
المعوَّل في الوقوف على أُصول الدين وفروعه وسيرة النبي الأعظم ـ
صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
وقد أخبر سبحانه في غير واحد من الآيات انّ عملية التحريف بدعة
يهودية توارثتها تلك الطائفة خلفاً عن سلف، فحرّفوا الكلمَ عن
مواضعه حسب أهوائهم وما تُمليه عليهم مصالحهم.
وقد ندّد اللّه سبحانه بهذا العمل الإجرامي الذي كانت اليهود تقوم
به من حين إلى حين آخر في غير واحد من الآيات.
قال سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتاب بِأَيديهِمْ
ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْد اللّه لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً
قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيدِيِهِمْ وَوَيْلٌ
لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُون).(5)
فكانت اليهود يقومون بكتابة الكتب السماوية ولكن بالتغيير والتبديل
ثمّ يُضيفونها إلى اللّه سبحانه ليشتريه العوام في مقابل الثمن
البخس مع أنّهم تركوا فيه الحقّ وأظهروا الباطل ليأخذوا على ذلك
شيئاً.
وقال تعالى: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ
وَجَعَلْنا قُلُوبهُمْ قاسِيَة يُحَرِّفُونَ الكَلِم عَنْ
مَواضِعِهِ).(6)
فالآية بصدد التسلية للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فتقول:
لا تعجبنّ يا محمد من هؤلاء اليهود الذين همّوا أن يبسطوا أيديهم
إليك وإلى أصحابك وينكثوا العهد الذي بينك وبينهم ويغدروا بك، فانّ
ذلك دأبهم وعادات أسلافهم، فقد أخذتُ ميثاقهم على طاعتي في زمن
موسى و بعثت منهم اثني عشر نقيباً فنقضوا ميثاقي وعهدي، فلعنتُهم
بنقضهم ذلك العهد والميثاق. وكان من فعالهم انّهم نبذوا الكتاب
وضيّعوا حدوده وفرائضه وكتموا صفات النبي ـ صلَّى الله عليه وآله
وسلَّم ـ في كتبهم وقد كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
يقول سبحانه:(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتاب يَعَرفُونهُ كَما
يعرفُون أَبناءَهُمْ وإِنَّ فَريقاً مِنْهُمْ ليَكْتُمُون الحَقَّ
وَهُمْ يَعْلَمُون) .(7)
وقد بلغ خبثهم بمكان عندما أُمروا بطلب الغفران وحطِّ الذنوب عند
دخول الباب، غيّـروا وبدّلوا كلام اللّه سبحانه، فقالوا مكان
الحطَّة، الحِنْطة يقول سبحانه:
(وَإِذْقُلْنا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ
شِئْتُمْ رَغَداً وَادخُلُوا الباب سُجَّداً وَقُولوا حِطَّةٌ
نَغْفِر لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزيدُ الْمُحْسِنين).(8)
أجمع المفسرون على أنّهم أُمروا بدخول الأرض المقدّسة وهي «بيت
المقدس» أو «أريحا» قرب بيت المقدس، وقد أُمروا أن يسجدوا عند
الدخول ويقولوا:«حطة»، فقالوا سخرية: «حنطة».
(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَولاً غَيرَ الَّذِي قِيلَ
لَهُمْ).(9)
ولسنا بصدد بيان ما نزل من الآيات حول التحريف والطرق التي سلكتها
اليهود في تحريف الكتب السماوية بالإنكار تارة مع وجودها فيها،
وحذفها أُخرى، إلى غير ذلك من ألوان التحريف.
فإذا كان هذا حال التحريف وموقفه من الذكر الحكيم، فعلى المسلم
الواعي أن يبتعد عن تلك الوصمة ويبالغ في حفظ تراثه سواء أوافق
أهواءه أم خالفها، فانّه أمانة إلهية يجب أداؤها إلى الجيل الآتي.
لكن ما عشتَ أراك الدهر عجباً، نرى أنّ طائفة من الكُتّاب
والمحقّقين أو النسّاخ وأصحاب دور النشر في مصر و سورية وبيروت
دأبوا على تحريف التراث حيثما خالف هواهم، وبما انّنا لمسنا ذلك في
موارد كثيرة، فهذا يصدُّنا عن القول بأنّها هفوة قلم أو صدرت منهم
اشتباهاً وعفواً لا قصداً، وها نحن نستعرض في هذه المقالة بعض
الموارد التي طرأ عليها التحريف ليقف القارئ على أنّ ما ادّعيناه
ليس دعوى بلا برهان .
ــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
1- لسان العرب:3، مادة «حرف».
2- النساء:58.
3- المؤمنون:6.
4- الأنفال:27.
5- البقرة:79.
6- المائدة:13.
7- البقرة:146.
8- البقرة:58.
9- البقرة:59.